في مفاجأة لم تكن متوقعة على هذا النحو، تسابقت علامات تجارية عالمية، على شاكلة آبل ومرسيدس وبي إم دبليو لتخفيض أسعار منتجاتهم بمبيعات التجزئة بالصين، وكأنها ترد التحية للإجراءات الأخيرة الخاصة بتخفيض ضريبة القيمة المضافة على الواردات بقيمة 225 مليار يوان "33.5 مليار دولار" للعام الحاليّ، ما يعني أن الصين تتحرك وفق خطط استباقية مدروسة بعناية، ولديها القدرة على استمالة الشركات العالمية لها، رغم حربها التجارية الشرسة مع الولايات المتحدة.

بداية القصيد من الصين، وتنفيذ تعهداتها بخفض ضريبة القيمة المضافة، ابتداءً من الشهر الحاليّ، لتتبعها على الفور، متاجر آبل على الإنترنت، بتخفيض أسعار هواتفها آيفون إكس إس وآيفون إكس إس ماكس داخل الصين بقيمة 500 يوان نحو 74.6 دولار، فيما خفضت سعر آيفون إكس آر بمقدار 300 يوان، كما أدرجت آبل أسعار آيباد أير وآيباد ميني وأيربودز في قائمة الأسعار المخفضة.

على نفس الدرب، سعت علامات تجارية شهيرة مثل لويس فيتون وغوتشي لتخفض أسعار جميع منتجاتهما بنسبة 3%.، وكذلك عدد من مصنعي السيارات مثل مرسيدس بنز وبي إم دبليو وأودي ولينكولن وفولفو، حتى تتمتع هذه الشركات بالتخفيض إلى 13% بدلاً من 16% على وارداتها وستصل التخفيضات بالبعض إلى 9%، وهي نسب لم يكن يتوقعها أحد منذ منتصف العام الماضي الذي كانت فيه معدل ضريبة القيمة المضافة 17%.

من المستفيد الحقيقي من خفض القيمة المضافة؟

تعرف ضريبة القيمة المضافة أنها ضريبة دوران يتم فرضها على أساس القيمة المضافة الناتجة عن البضائع، بما في ذلك الخدمات الخاضعة للضريبة في عملية التداول، وأدخل هذا النظام في الصين عام 1979، ومنذ هذا التاريخ وهي أكبر فئة ضريبية في البلاد، ولكن الحرب التجارية مع أمريكا اضطرت الصين لاتخاذ خطوات أكثر سرعة للنزول بمعدل الضريبة منذ 1 من أبريل الماضي، وفرضت تخفيضات كبيرة عليها.

بعد عام 2011 تم إطلاق إصلاح جديد سمي بإصلاح المعسكر، كسر النمط الضريبي المتداول للضرائب الرئيسية الثلاثة منذ عام 1994

على مدى العقود الماضية، حاولت الصين إصلاح نظام ضريبة القيمة المضافة، وحددت لهذه المهمة ثلاث مراحل، بدأتها عام 1984 وحتى 1994، ووضعت للمرحلة وثيقتان ولوائح مؤقتة، فيما شملت المرحلة الثانية، تحويل وتوسيع ضريبة القيمة المضافة، بدأتها من عام 2006 إلى 2016، وتحولت لتطوق الاستهلاك بدلاً من الإنتاج، مع توسيع نطاق خصم المدخلات وحل مشكلة الازدواج الضريبي.

بعد عام 2011 تم إطلاق إصلاح جديد سمي بإصلاح المعسكر، كسر النمط الضريبي المتداول للضرائب الرئيسية الثلاثة منذ عام 1994، فيما جاءت المرحلة الثالثة قبل عامين من الآن، لتنص على تعديل معدل ضريبة القيمة المضافة، وخفضت جميع معدلات الضريبة من 17% إلى 16%، إلى أن أصبحت بحلول العام الحاليّ مجالًا رئيسيًا للتخفيضات الضريبية واسعة النطاق.

اتبعت الحكومة الصينية آليات لزيادة مساهمة الضمان الاجتماعي للشركات بنحو تريليوني يوان، ردًا على التخفيضات الضريبية الكبيرة الناجمة عن إصلاح ضريبة القيمة المضافة وتأثيرها على مستوى إجمالي الناتج الصناعي، مرورًا بزيادة المخزون، ومن ثم التصدير إلى الخارج، حتى تنعكس هذه التسهيلات بشكل أساسي على النقل والصناعة البريدية والبناء والعقارات وخدمات الاتصالات الأساسية والمنتجات الزراعية وخدمات نقل الركاب المحلية، وبهذه الإصلاحات أصبح من حق الشركات استرداد الضريبة من الدولة، لتطوير الصناعة بأكملها، طالما أن دافع الضرائب يستوفي الشروط، وذلك لتخفيف الضغط على رأس مال المؤسسات، ما يزيد التدفق النقدي للمشاريع مباشرة، وهو ما سيقلل بالنهاية من تكاليف تمويل الشركات.

تلعب بكين على تصيم وعزيمة وصبر أبنائها، فالصينيون معروف عنهم بالعالم أجمع صبرهم الشديد

مع انخفاض معدل الضريبة على القيمة المضافة للتصنيع من 16% إلى 13%، ستنخفض تلقائيًا أسعار النفط المكررة وأسعار الكهرباء الصناعية والتجارية والعامة وأسعار الغاز الطبيعي وأسعار نقل خطوط الأنابيب بين المقاطعات، ما ينعكس على المستهلكين في النهاية، وهي الغاية الأولى دائمًا للصين.

انخفاض القيمة المضافة والحرب التجارية بين أمريكا والصين

لم تكن الولايات المتحدة تتصور استخدام الصين لسلاح التعريفات الجمركية بهذه السيولة، ساق الغضب ترامب وأعماه عن الانعكاسات الاقتصادية لقراراته التي دشنت في سرعة غير مدهشة علاقات تجارية وثيقة، ليس فقط بين الصين ودول أخرى ترفض السياسة الأمريكية، وتحاول اللعب بعيدًا عنها، وإنما كانت السبب في إقامة تحالفات وعلاقات عمل وثيقة بين بكين وأهم الشركات العالمية، وهو ما يمكن إثباته بسهولة بعد تخفيض القيمة المضافة وسعي الماركات العالمية لتخفيض أسعارها في الأسواق الصينية، عطفًا على قرار الصين بتخفيض التعريفات الجمركية.

تلعب بكين على تصيم وعزيمة وصبر أبنائها، فالصينيون معروف عنهم بالعالم أجمع صبرهم الشديد واتباع سياسة النفس الطويل في تحقيق المكاسب وتحدي كل من يستهين بقيمتهم، فضلاً عن الشغف الدائم لديهم في كل الأحوال بتحقيق مكاسب كبرى، في الوقت الذي يوجهون فيه ضربات قاتلة إلى الولايات المتحدة مثل قرارها بتخفيض التعريفات الجمركية على السيارات، وهي ضربة شيطانية، من ناحية موجهة لأمريكا وتخدم في الوقت نفسه مصالح حلفائها، حلفاء الصين في نفس الوقت.

تواجه الصين مخاطر عدة وتحديات كبيرة في معركة صعبة مع الولايات المتحدة، وهو السبب في وضعها مستوى نهائي لتضخم الأسعار على المستهلكين عند 3%

ويضع التنين الصيني في حساباته، صعوبة المفاوضات الجارية مع الولايات المتحدة، رغم احتمال توقيع اتفاق بين الرئيسين الصيني شي جين بينغ والأمريكي دونالد ترامب في الولايات المتحدة نهاية مارس الحاليّ، لذا يمضي في خطواته لإجراء تخفيضات على الضرائب وإنفاق مليارات الدولارات على البنية التحتية لدعم اقتصاده الذي شهد هزات مختلفة، ووصل لأقل معدلاته منذ 30 عامًا بفعل ضعف الطلب المحلي بسبب الحرب التجارية التي وضعته في مسار إجباري تجاه الإجراءات التحفيزية دون غيرها.

وتواجه الصين مخاطر عدة وتحديات كبيرة في معركة صعبة مع الولايات المتحدة، وهو السبب في وضعها مستوى نهائي لتضخم الأسعار على المستهلكين عند 3%، ولا يزيد على ذلك وتتعامل مع المعوقات بالمزيد من محفزات الاستهلاك وتخفيض متطلبات الاحتياطي للبنوك التجارية وتقديم مزيد من القروض للشركات الصغيرة والخاصة، وهو أمر حيوي للنمو والوظائف والشركات الخاصة والأصغر حجمًا.

تعرف الصين أن الحرب التجارية طرفيها العمالة والثروة، وهما المعيار للفوز في الحرب التجارية، وتحاول اللعب بمهارة أكبر، في الوقت الذي تمتلك فيه الجلد الكافي لتحمل الرسوم الجمركية التي تفرضها الولايات المتحدة بشكل أساسي على شركات ومستهلكين أمريكيين للواردات الصينية، بينما تنتقم بكين على طريقتها من خلال تخفيف الضربات التي تعاني منها الشركات المحلية، بما في ذلك الشركات الأجنبية.

حتى الآن تتجنب الصين، ضرب استيراد المواد الخام للمصانع المحلية المملوكة للأجانب، وتساعدهم على تجاوز تأثير الحروب التجارية، بنفس القدر الذي تساعد به أبناء بلدها

وفي الوقت التي ترفع فيه الولايات المتحدة من التعريفات لإحداث أضرار جسيمة في بنية الاقتصاد الصيني، تساهم بكين بنحو 60% من صادراتها إلى الولايات المتحدة، وهي منتجات مصانع مملوكة لشركات غير صينية، وتنتج مكونات مخصصة لمصنعي الولايات المتحدة مثل أجهزة توجيه الكمبيوتر ومصابيح LED والمحركات البحرية، هذا يعني أن تعريفات إدارة ترامب على الصين تؤثر فعليًا بشكل قاتل، على شركات أمريكية وأوروبية، وأغلبها لم تعد قادرة على الاستجابة للتعريفات أو نقل أعمالهما سريعًا خارج الصين.

ما يمنع هؤلاء من مغادرة الصين، تعاملها مع خفض الطلب الأمريكي على المنتجات الصينية بواقعية شديدة، رغم التأثير المدمر عليها، فواردات الولايات المتحدة من الصين نحو 3% وهي حصة كبيرة بما يكفي لتسبب أضرار كبيرة، وأولها التعريفة الجمركية التي اضطرت بكين لضربها في مقتل لتحفيز الاستهلاك، ولكنها بالتأكيد ليست كارثية، في ظل توسع الصين في سلسلة التوريد الدولية، بما يتعارض مع نهج إدارة ترامب الذي أصبح معزولًا عن قصد من الشركات المصنعة الأمريكية والأوروبية المتعاونة مع بكين.

حتى الآن تتجنب الصين، ضرب استيراد المواد الخام للمصانع المحلية المملوكة للأجانب، وتساعدهم على تجاوز تأثير الحروب التجارية، بنفس القدر الذي تساعد به أبناء بلدها، وبفروسية وذكاء ومواجهة متكافئة، أعلنت عن سياسة جديدة لتسهيل دخول المستثمرين الأجانب إلى قطاعات البنوك والزراعة والسيارات والصناعات الثقيلة، فضلاً عن السعي لزيادة فتح الاقتصاد، ما يرسل إشارة قوية للمستثمرين، بأن الصين دولة مسؤولة أخلاقيًا ومؤهلة اقتصاديا للاستثمار فيها وشريك يمكن الوثوق فيه والاحتماء به، حتى لو كان الخصم الولايات المتحدة الأمريكية.