المجتمع الدولي يشترط على الحكومة والمعارضة معًا إبداء الرغبة والجدية والإرادة السياسية، مقابل أي تمويل أو دعم لعملية السلام في جنوب السودان

لم تنعم جمهورية جنوب السودان الوليدة التي انفصلت عن السودان الأُم قبل نحو 8 سنوات بأي سلامٍ ولا استقرار على عكس ما كان المواطن الجنوبي يتمنى وينتظر، فمن الأسباب الرئيسية التي دفعت الجنوبيين للتصويت بكثافةٍ لصالح خيار الانفصال كانت الرغبة في الاستئثار بإيرادات النفط (250 ألف برميل يوميًا) التي كان يشاركهم فيها السودان الكبير "شمال" بنسبة 50%، هذا بالطبع غير المرارات المتراكمة التي زرعها المستعمر وغذّاها متطرفون من الجانبين.

أكبر تهديد واجه مواطني جمهورية جنوب السودان وما زال يهددها هو الصراع القبلي الذي اندلع بصورة كبيرة بعد أشهر قليلة من الانفصال، فسرعان ما سيطر التمرد العسكري على المحافظات الغنية بالنفط التي تقع داخل نفوذ قبائل النوير حاضنة التمرد ومنها ينحدر المعارض الشرس رياك مشار، وكثرة الصراعات في هذا البلد جعلت المنظمات الدولية تضعه في ثاني أعلى درجة على مؤشر الدول الهشة (سابقًا مؤشر الدول الفاشلة).

في 2015، وتحت ضغوط أمريكية وأوروبية وإفريقية احتضنت عاصمة جنوب السودان جوبا اتفاقًا نهائيًا للسلام وقّعه الرئيس سلفاكير ميارديت لإنهاء النزاع المسلح مع المتمردين في البلاد، ووقع سلفاكير على الاتفاق رغم تحفظه على عدد من البنود بسبب الضغوط الدولية الشديدة وتهديدات بفرض عقوبات على حكومته، بعدما وقع زعيم المتمردين رياك مشار والأمين العام للحركة الشعبية باقان أموم على الاتفاق قبل شهر من توقيع ميادرديت عليه.

أبرز ما ورد في اتفاق 2015 البنود الآتية:

- إعلان وقف دائم لإطلاق النار بعد 72 ساعة من التوقيع.

- منح المتمردين منصب نائب الرئيس بعد إقصائهم منه في يوليو/تموز 2013.

- تشكيل لجنة للمصالحة ومحكمة لجرائم الحرب بالتعاون مع الاتحاد الإفريقي.

- مغادرة جميع القوات الأجنبية المشاركة في الحرب، ومنها القوات الأوغندية الداعمة لسلفاكير.

- منح القوات العسكرية مهلة 30 يومًا للرجوع مع أسلحتها إلى الثكنات.

- إخلاء العاصمة جوبا من قوات الطرفين (الحكومة والمتمردين).

- وضع آلية دائمة لمراقبة وتقييم تنفيذ الاتفاق.

- يتشاور الرئيس سلفاكير مع نائبه الأول، ويتخذان معًا قرارات جماعية في القضايا الكبرى.

- تعيين نائبي رئيس تكون "صلاحياتهما متساوية"، ويحدد رئيس الدولة مهامهما وواجباتهما.

حالة انعدام الثقة، إضافة إلى الصراع الإثني والتاريخي بين قبيلتي الدينكا والنوير جعلت اتفاق السلام ينهار سريعًا بين الجانبين

ولم يكن مصير اتفاق 2015 بأفضل حالٍ مما سبقه من اتفاقيات هشّة، فالاتفاق الأخير أُجبر عليه رئيس الجنوب إجبارًا إذ رفض التوقيع عليه لمدة شهر فهو وأنصاره كانوا يرون أن الاتفاق مجحف ومنحاز إلى المتمردين بقيادة مشار، خاصة أن الأخير أعلن في وقتٍ سابقٍ عزمه تحدي سلفاكير والترشح لقيادة الحزب الحاكم في جنوب السودان، بغرض خوض الانتخابات الرئاسية، بينما اتهم الرئيس سلفاكير نائبه مشار بالتخطيط لانقلاب، واصطدمت القوات الحكومية مع قوات اتهمتها بالتمرد داخل الجيش، ووصف كير مشار بأنه "رسول الخراب" الذي واصل أفعاله التي قام بها في الماضي، في إشارة واضحة إلى تحديّ مشار سلطة مؤسس الحركة الشعبية جون قرنق في مطلع التسعينيات.

فشل الترتيبات الأمنية والفترة الانتقالية

حالة انعدام الثقة، إضافة إلى الصراع الإثني والتاريخي بين قبيلتي الدينكا والنوير جعلت اتفاق السلام ينهار سريعًا بين الجانبين، فأبرز الانتقادات الموجهة إلى اتفاق 2015، أنه فشل في صياغة فترة انتقالية سلسة، وعاد القتال محل الهدوء النسبي بعد فرار رياك مشار من العاصمة جوبا، في يونيو/حزيران 2016، وإعلانه العودة إلى القتال من الخرطوم في سبتمبر/أيلول 2016، حينها أصدر رئيس جنوب السودان سلفاكير ميارديت قرارًا رئاسيًا بعزل نائبه الأول وزعيم المعارضة المسلحة رياك مشار من منصبه وتعيين تعبان دينق.

اعتقد سلفاكير حينها أن تعيين تعبان دينق بدلًا عن مشار يمكن أن يكون مرضيًا لأهالي قبيلة النوير التي ينحدر منها الرجلان، لكن نظرًا للكاريزما الكبيرة التي يتمتع بها مشار إضافة إلى سيطرته على العديد من المجموعات القتالية جعلت الصراع مستمرًا والقتال الدامي يدور في مناطق عديدة فضلًا عن جرائم اغتصاب واسعة على أساس عرقي في كثير من الحالات، بينما أجبر نحو ثلث السكان على النزوح.

رغم الانتكاسة التي لحقت باتفاقية السلام نتيجة عودة الاقتتال بين قطبي الصراع، في يونيو/حزيران 2016، فإن إقرار منظمة الإيغاد باحتواء رياك مشار في ضيافة جنوب إفريقيا والإعلان بأن الاتفاقية هي الإطار الأوحد لحل الصراع مع مطالبتها حكومة الوحدة الانتقالية بالتطبيق الكامل للاتفاقية الموقعة في أغسطس/آب 2015، جنّب البلاد مخاطر الانزلاق إلى حربٍ شاملة.

الاتفاق المذكور الذي وقّعه الطرفان بقاعة الصداقة في الخرطوم، شمل التوافق على حل المسائل العالقة في الحكم والترتيبات الأمنية في جمهورية جنوب السودان، ووافقت جميع الأحزاب السياسية بالجنوب كليًّا على التوقيع على اتفاق تقاسم السلطة والترتيبات الأمنية

في 2018، بدأ الرئيس السوداني عمر البشير عملية الوساطة بين سلفاكير ومشار بالتنسيق مع رئيس جمهورية أوغندا يوري موسيفيني، وكان للتحرك السوداني صداه، إذ إن تعاون السودان وأوغندا، وهما الطرفان الإقليميان الأساسيان، مكَّنهما من الضغط معًا على أطراف الصراع في جنوب السودان لوضع تعهد مبدئي بإنهاء كل أشكال النزاع المسلح وتوقيع إعلان الخرطوم في 27 من يونيو/حزيران 2018.

ولكل من السودان وأوغندا مصلحةً في إنهاء النزاع المستعر، فالأخيرة تأمل في طي صفحة النزوح وعدم الاستقرار الأمني في المناطق الحدودية مع الجنوب، بينما تنتظر الخرطوم جني ثمار السلام بالحصول على عوائد مالية تتمثل في رسوم عبور نفط الجنوب الذي كان متوقفًا طيلة سنوات الصراع.

الاتفاق المذكور الذي وقّعه الطرفان بقاعة الصداقة في الخرطوم، شمل التوافق على حل المسائل العالقة في الحكم والترتيبات الأمنية في جمهورية جنوب السودان، ووافقت جميع الأحزاب السياسية بالجنوب كليًّا على التوقيع على اتفاق تقاسم السلطة والترتيبات الأمنية، ومن إيجابياته أيضًا أنه حظي بدعم إقليمي لا بأس به.

عقبات وانتكاسات

بعد أقل من شهرين على الاتفاق المبدئي، رفض رياك مشار التوقيع على أحدث مسودة لاتفاق سلام مع حكومة جوبا، لإنهاء الصراع المستمر في الدولة الوليدة، وكشف وزير الخارجية السوداني الدرديري محمد أحمد للصحفيين، في الخرطوم، أن المعارضة بقيادة مشار وجماعة أخرى رفضتا التوقيع وطالبتا بضمانات.

بعد الجولات الشاقة وحالات الشد والجذب وقّع فرقاء جنوب السودان اتفاق السلام النهائي بالعاصمة الإثيوبية أديس أبابا، بحضور رؤساء دول الهيئة الحكومة للتنمية في شرق إفريقيا (إيغاد)

شكّل رفض مشار انتكاسة لاتفاق السلام المبدئي، لكن زعيم المعارضة عدل عن تصريحاته في اليوم نفسه الذي أعلن فيه رفضه التوقيع على اتفاق السلام مع الرئيس سلفاكير، بحسب الوسيط السوداني، وكان زعيم المعارضة في جنوب السودان رياك مشار قد قال في البداية إنه لن يوقع على اتفاق سلام نهائي مع حكومة الرئيس سلفاكير، الأمر الذي كان سيشكل انتكاسة لوساطة دول الجوار.

أخيرًا، وبعد الجولات الشاقة وحالات الشد والجذب وقّع فرقاء جنوب السودان اتفاق السلام النهائي بالعاصمة الإثيوبية أديس أبابا، بحضور رؤساء دول الهيئة الحكومة للتنمية في شرق إفريقيا (إيغاد) في سبتمبر/ أيلول من العام الماضي، ووقع كل من رئيس جنوب السودان سلفاكير ميارديت، وزعيم المعارضة المسلحة ريك مشار اتفاق السلام، بالإضافة إلى ممثلي فصائل المعارضة الأخرى.

وعلّق حينها رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد علي خلال كلمة في افتتاح قمة "إيغاد"، قائلًا: "توقيع فرقاء جنوب السودان للاتفاق النهائي للسلام، يأتي ضمن تحولات في الإقليم الذي يشهد عملية سلام كاملة"، وأضاف: "توقيع اتفاق السلام اليوم سينهي معاناة شعب جنوب السودان"، ولم ينسَ آبي أحمد أن يشيد بالجهود التي بذلها الرئيس السوداني عمر البشير في تسهيل عملية المفاوضات التي رعتها الخرطوم، قائلًا: "حكمة ومساعدة البشير لفرقاء جنوب السودان تجد كل التقدير من إيغاد".

تحديات أمام الاتفاق النهائي

صحيح أن وساطة "إيغاد" عالجت مخاوف دفعت بها إلى الهيئة الحكومية فصائل المعارضة الرئيسية (فصيل ريك مشار، وتحالف أحزاب المعارضة التسعة)، قبل أيام من توقيع الاتفاق، إلا أن المخاوف والشكوك لا تزال تنتاب مراقبين ومعنيين بالأوضاع في الدولة التي انفصلت عن السودان ومن أبرزها:

حذّرت دول الترويكا (الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا والنرويج) وقالت في بيان لها: "لا تزال تساورنا شكوك عن مدى التزام الأطراف باتفاقية وقف العدائيات (موقعة في ديسمبر/كانون الأول 2017)

1- قدرة الاتفاق على الصمود واستدامة الهدوء والاستقرار، لكونه يفتقد للدعم الدولي سياسيًا وماليًا، إلى جانب غياب الإرادة السياسية الجادة من جانب أطرافه.

2- عدم معالجة الاتفاق لقضايا التنمية والخدمات الضرورية التي يفتقدها المواطنون بسبب تفشي القبلية والفساد وأخيرًا الحرب الأهلية التي اندلعت منذ العام 2012.

3- المرارات التاريخية وحالة عدم الثقة بين طرفي النزاع، خاصة سلفاكير ورياك مشار.

4- تفاصيل بنود الاتفاقية وتفسيراتها فكل طرف يمكن أن يفسر لمصلحته خصوصًا بعض البنود غير الواضحة في تقاسم الثروة.

5- آليات المحاسبة عن الانتهاكات والجرائم التي وقعت خلال الحرب.

6- كيفية تقسيم الولايات وحدودها، وإعادة كتابة الدستور الدائم، حيث وضعت لها الوساطة حلولًا توفيقية وفضفاضة بحسب أطراف النزاع.

من جانبها حذّرت دول الترويكا (الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا والنرويج) وقالت في بيان لها: "لا تزال تساورنا شكوك عن مدى التزام الأطراف باتفاقية وقف العدائيات (موقعة في ديسمبر/كانون الأول 2017)، وتابعت "ندعم السلام، لكن نريد أن نرى التزامًا حقيقيًا من الأطراف يبدأ بتغيير منهجيتها وينتهي بوضع حد للعنف، وإطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين".

الترويكا رفضت التوقيع على اتفاق السلام بصفة ضامن، احتجاجًا على ما أسمته رفض الوساطة السودانية لمشاركتهم في المباحثات التي جرت بالخرطوم العام الماضي

فيما هاجم مايكل مكوي لويث وزير الإعلام والمتحدث باسم حكومة جنوب السودان، موقف المجتمع الدولي في أواخر يناير/كانون الثاني الماضي، قائلًا إنه يتسم بالغموض فيما يتعلق باتفاق السلام، وأضاف مكوي لوكالة أنباء الأناضول أن "بلدان الترويكا (أمريكا، بريطانيا والنرويج) والاتحاد الأوروبي يضعون الشروط والعراقيل أمام الاتفاق ويقولون إنهم لن يدعموه ما لم يلمسوا جدية الأطراف"، وتابع "إذا كانت لدينا قدرة على تنفيذ الاتفاق دون مساعدتكم فإننا لن نحتاجكم مرة أخرى، فنحن نحتاج دعمكم في الوقت الحاليّ فقط".

يُذكر أن الترويكا رفضت التوقيع على اتفاق السلام بصفة ضامن، احتجاجًا على ما أسمته رفض الوساطة السودانية لمشاركتهم في المباحثات التي جرت بالخرطوم العام الماضي حتى يتمكنوا من تضمين وجهات نظرهم في الوثيقة التي توصل إليها الأطراف.

وقال كريستوفر تروت المبعوث البريطاني الخاص لجنوب السودان في بيان، في أكتوبر/تشرين الأول 2018: "الترويكا رفضت التوقيع على وثيقة اتفاق الخرطوم للسلام، لأن الوساطة السودانية حرمتنا من المشاركة في المباحثات، وتقديم وجهات نظرنا في الاتفاقية"، أي بمعنى أنهم لا يريدون ضمان اتفاقٍ لم يشاركوا في التواصل إليه ولا يعرفون تفاصيله الدقيقة.

مستقبل الاتفاق

بعد مُضي 6 أشهر، من توقيع اتفاقية سلام جنوب السودان، فإنها لا تزال تواجه عقبات كبيرة، في وقت تشرف فيه الفترة ما قبل الانتقالية المقدرة بثمانية أشهر على نهايتها، رغم حالة الهدوء النسبي وعدم اندلاع مواجهات كبيرة طيلة هذه الفترة منذ التوقيع.

المجتمع الدولي يشترط على الحكومة والمعارضة معًا إبداء الرغبة والجدية والإرادة السياسية، مقابل أي تمويل أو دعم لعملية السلام في جنوب السودان

ولا تزال معظم البنود التي نصّت عليها مصفوفة تنفيذ الاتفاقية، تراوح مكانها بسبب غياب التمويل اللازم من الشركاء الإقليميين والدوليين، مما تسبب في تعطيل عملية جمع وتدريب القوات المشتركة وكتابة الدستور الانتقالي وتعديل القوانين الخاصة بالأمن الوطني وتفعيل عمل لجان وقف إطلاق النار.

فالمجتمع الدولي يشترط على الحكومة والمعارضة معًا إبداء الرغبة والجدية والإرادة السياسية، مقابل أي تمويل أو دعم لعملية السلام في جنوب السودان، في ظل مخاوف من احتمال انهيار الاتفاقية مثلما حدث في يوليو/ تموز 2016 عندما تجددت المواجهات داخل العاصمة جوبا، ما قاد لاندلاع القتال مجددًا، فعلى سبيل المثال قالت سفيرة المملكة المتحدة لدى جنوب السودان إن بلادها ستدعم اتفاق السلام الموقع بين الحكومة والمعارضة، شريطة أن ترى جدية والتزام الأطراف بتنفيذ بنوده كاملة.

وخلال الأشهر الماضية، استطاعت الأطراف الموقعة على الاتفاق إنشاء اللجان التي أقرتها الاتفاقية للقيام بالمهام المتعلقة بالفترة ما قبل الانتقالية، لكنها لم تستطع منذ تشكيلها الاضطلاع بالمهام الموكلة إليها لغياب الدعم والتمويل المطلوب.

الولايات المتحدة لم تخفِ عدم رغبتها في دعم اتفاق السلام، ففي ديسمبر/ كانون الأول الماضي، قال مستشار الأمن القومي الأمريكي جون بولتون إن بلاده لن تقدم مساعدات أو قروضًا مالية لحكومة جنوب السودان، لمنع من وصفتهم بـ"القادة المفسدين" من الاستمرار في ارتكاب المزيد من أعمال العنف، وفسّر بقوله "واشنطن قدمت لوحدها مساعدات لجنوب السودان تقدر قيمتها بـ3.76 مليار دولار في الفترة بين عامي 2014 و2018"، لافتًا إلى أن تلك الموارد لم تساهم في وقف العنف، وإقامة حكم يقوم على الشفافية وتنمية مستقرة.

إذا تم تثبيت النواحي الأمنية والعسكرية فإن قادة جنوب السودان قد يتجهون إلى تمويل تنفيذ الاتفاقية وتحسين البنية التحتية من مصادر أخرى بما تمتلكه بلادهم من احتياطٍ نفطي

إذًا، غياب التمويل خلال الفترة ما قبل الانتقالية، يشكل المهدد الرئيسي لاتفاق السلام في جنوب السودان، لا سيما أن حصيلة التنفيذ حتى الآن تبدو ضعيفة جدًا، ولم تتجاوز تشكيل اللجان وانعقاد الاجتماعات، دون خطوات حقيقية ملموسة.

ولكن إذا تم تثبيت النواحي الأمنية والعسكرية فإن قادة جنوب السودان قد يتجهون إلى تمويل تنفيذ الاتفاقية وتحسين البنية التحتية من مصادر أخرى بما تمتلكه بلادهم من احتياطٍ نفطي، وقد لمّح لذلك جيمس مورجان سفير جنوب السودان لدى إثيوبيا والاتحاد الإفريقي، عندما أشاد بالصين أواخر مارس/آذار الماضي قائلًا: "الصين لديها سياسة جيدة بشأن عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وتلعب دورًا إيجابيًا في جنوب السودان من خلال قواتها لحفظ السلام التي تبني الجسور والمدارس بالإضافة إلى أدوارهم المعتادة في حفظ السلام."

وذكر أن "الصين تُعد بالفعل شريكة تنموية رئيسية لجنوب السودان، ومع دخول جنوب السودان فترة من السلام النسبي بعد التوقيع على اتفاقية سلام سبتمبر 2018، أتوقع من الصين مساعدتنا في بناء الطرق والجسور وخطوط أنابيب النفط".

وفي الفترة نفسها، قام وزير النفط بجنوب السودان إزكييل لول جاتكوث، بزيارة للعاصمة القطرية الدوحة، التقى خلالها مبارك آل خليفة الرئيس التنفيذي لمجموعة QNB بالوكالة، وتباحث معه في كيفية دعم المؤسسة القطرية لرفع إنتاج جوبا من النفط ليصل الإنتاج إلى 350 ألف برميل يوميًا بحلول منتصف 2020.

ولا تزال المناقشات جارية بشأن كيفية رفع الاستثمارات القطرية لتطوير حقول النفط والغاز بجنوب السودان، كما ناقش المسؤولان أيضًا طرق تحسين العلاقات في مجالات التجارة والتنمية الاقتصادية والبنية التحتية ودعم الشركات الصغيرة والمتوسطة.

الكل سيربح من صمود اتفاق السلام، فالسودان يريد عودة الاستقرار إلى جارته الجنوبية ليستفيد من عائدات نفط جنوب السودان وليتوقف تدفق اللاجئين الجنوبيين وسيحسن قليلًا من سمعة الخرطوم التي تلطخت جراء الأزمات السياسية والاقتصادية وارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان

هذا بالنسبة لتعامل حكومة جنوب السودان مع الصعوبات المالية، أما التعامل مع الخطر الأكبر والمتمثل في تثبيت الاتفاق على الأرض وعدم اندلاع صراعات جديدة بين الطرفين فيبدو أن البوصلة تتجه هذه المرة تجاه الجانب الديني والعقدي لضمان الاتفاق، حيث من المقرر أن يستضيف البابا فرنسيس زعماء جنوب السودان المنقسمين الأسبوع المقبل في الفاتيكان لمساعدتهم على تعزيز اتفاق السلام الذي يهدف لإنهاء الحرب الأهلية في أحدث دولة في العالم.

وقد يزيد الاجتماع، الذي وصفه بيان للفاتيكان صدر الأربعاء الماضي بأنه "خلوة روحية"، من فرص قيام البابا بزيارة إلى جوبا عاصمة جنوب السودان، وقال وزير خارجية الفاتيكان الكاردينال بيترو بارولين للصحفيين إن الزعماء الذين سيشاركون في الاجتماع هم الرئيس سلفاكير والنائب الأول له، زعيم المتمردين سابقًا، ريك مشار والنواب الأربعة الآخرون للرئيس، وجميعهم من المسيحيين.

الكل سيربح من صمود اتفاق السلام، فالسودان يريد عودة الاستقرار إلى جارته الجنوبية ليستفيد من عائدات نفط جنوب السودان وليتوقف تدفق اللاجئين الجنوبيين وسيحسن قليلًا من سمعة الخرطوم التي تلطخت جراء الأزمات السياسية والاقتصادية وارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان، وكذا الحال بالنسبة لأوغندا، حيث تريد استئناف حركة التجارة بينها وجنوب السودان لتغطية العجز الأوغندي الداخلي، ووقف حركة النزوح والعنف على الحدود، أما المجتمع الدولي فهو في غنى عن أزمة جديدة تخلف كوارث إنسانية وصحية تضاف إلى الكوارث الأخرى.