مدينة القدس، ملتقى الأديان وبؤرة الصراع دائمًا، على أرضها تعاقبت الحضارات الإنسانية عبر التاريخ، وحرص الجميع على أن يترك بصمته في القدس؛ كي لا يندثر ذكره وينمحي أثره، وفيها مئات الآثار والمعالم لكثير من الحضارات السابقة، لكن ما تزال الآثار العثمانية الأبرز والأكثر، فمعظم الآثار والمباني القديمة في القدس هى آثار وأوقاف عثمانية، تشكل حوالي 70% من الآثار الموجودة في القدس، فقد حكمت الدولة العثمانية المنطقة العربية وبلاد الشام أكثر من 4 قرون، أعطت للقدس لقب "القدس الشريف" ليرتبط اللقب بها إلى يومنا هذا.

سور القدس.. الصَّدَفة التي تحمي اللؤلؤة

بدأ الحكم العثماني بعد انتصار السلطان سليم الأول في معركة مرج دابق في 24 أغسطس/آب 1516، بعدها أصبحت القدس أرضًا عثمانية، ليبدأ السلاطين العثمانيون أعمال الإعمار والتطوير بالمدينة، ويبذلوا جهدًا كبيرًا لترك آثارهم فيها، فكانت الأسوار والشوارع والأسواق والحارات شاهدًا على ذلك، وكانت أكثر الخدمات والاستثمارات التي قُدمت في فلسطين كانت في عهد الدولة العثمانية.  

في العهد العثماني أمر السلطان سليمان القانوني بإعادة بناء سور القدس من جديد لمنح المدينة رمزية الحماية والأمن

في العهد العثماني أُلحقت القدس بولاية الشام، وتغيرت تبعيتها الإدارية أكثر من مرة، فأحيانًا كانت تتبع دمشق وأحيانًا بيروت، إلى أن أصبحت "متصرفية" عام  1874، وكانت تتمتع بوضع سياسي متميز عن بقية المقاطعات العثمانية، وتشمل وسط وجنوب فلسطين، وكان مركزها القدس وتضم بلدات رئيسية مثل غزة ويافا والخليل وبيت لحم وبئر سبع.

لم تدم فترة حكم السلطان سليم طويلاً، فقد وافته المنيَّة بعد مرج دابق بـ4 سنوات، وخلفه في الحكم ابنه سليمان عام 1520، ولُقَب بالسلطان سليمان القانوني، وقد أرسى قواعد الحكم في أرجاء الدولة، وأطلق مشاريع الإعمار والتنمية، وكانت أكثر الآثار والمشاريع التي أسستها الدولة العثمانية في عهده.  

عقب معركة حطين الشهير ة التي وقعت بين المسلمين والصليبيين، والتي استطاع فيها صلاح الدين الأيوبي فتح القدس عام 1187، دُمر أجزاء كبيرة من سور القدس المحيط بها، والذي كان قد بُني في العهد الكنعاني، ثم رُمم بالعصور اللاحقة (اليونانية الرومانية والصليبية والأيوبية والمملوكية).

السلطان العثماني سليمان القانوني

منذ معركة حطين أضحت القدس دون أسوار تحميها، فقد امتنع الأيوبيون عن إعادة بنائه خوفًا من حملات صليبية جديدة، لكن في العهد العثماني أمر السلطان سليمان القانوني بإعادة بناء سور القدس من جديد، رغم أن العثمانيين لم يبنوا أسوارًا كثيرة، لكن سور القدس كان مهمًا لمنح المدينة رمزية الحماية والأمن، رغم الاستقرار الذي كانت تنعم به.

استخدم العثمانيون أثناء إعادة بناء الأسوار القواعد القديمة لها، واستغرق بناء السور المحيط بالقدس قرابة 5 سنوات، وبإشراف مهندسين عثمانيين، ويصل طول السور حاضن البلدة القديمة إلى 4300 متر، وبارتفاعات مختلفة تصل إلى 12 مترًا أحيانًا بما يتلاءم مع جغرافية المكان، ويتراوح سمكه بين متر واحد و4 أمتار، ويعلوه 35 برجًا لحماية المدينة من المنطقتين الشمالية والشمالية الغربية ، ويجمع بين عراقة التاريخ وجمال البناء.    

ويتميز السور باختلاف حجارته وتنوعها، فهي ليست منسقة بشكل كامل لعدة أسباب أهمها أن أجزاء السور بنيت عبر فترات مختلفة، كان آخرها في العهد العثماني، حيث ارتفع حينها عدد سكان المدينة المقدسة من 2800 نسمة قبل الترميم إلى 14 ألف نسمة بعد الترميم، وقد أضيفت البلدة القديمة بالقدس وسورها إلى قائمة مواقع التراث العالمي في اليونسكو عام 1981.  

أعاد العثمانيون بناء سور القدس

أبواب البلدة القديمة

ضمن حملة السلطان القانوني الشاملة والواسعة للتجديد والإعمار، جرى إعادة بناء أبواب البلدة القديمة، وفُتحت في العهد العثماني 6 أبواب في سور القدس، سُميت الأبواب غالبًا بأسماء المدن أو الجهات التي تطل عليها، ومنها باب العامود وباب النبي داود وباب الرحمة.   

أقدم عدد من المستوطنين على إلصاق لافتة كتب عليها "شارع البطلات" فوق لافتة "شارع السلطان سليمان" الملاصق لمنطقة باب العامود

كان أشهرها باب العامود، الباب الرئيسي من بين الأبواب السبعة المفتوحة في سور البلدة القديمة، بل وأفخمها من الناحية المعمارية والزخرفية، وقد شهد تغييرًا ملحوظًا على مر زمن الدولة العثمانية كدليل على التطور في كل عهد، ويقترب اليوم من شكله العثماني الأصلي.

سُمي باب العامود بـ "باب دمشق" نسبة إلى وجهة المسافرين من خلاله باتجاه دمشق، كما كان الممر الرئيسي لجميع القوافل التجارية والأفواج السياحية التي كانت تؤم القدس، كذلك سُمي "باب نابلس" لأنه يتجه نحو نابلس، وكان الباب قبل الحصار على القدس أوائل التسعينيات المكان الذي تنطلق منه وتصل إليه الحافلات من جميع أنحاء الضفة والقطاع، وخلافًا لسائر أبواب البلدة القديمة، فإن لباب العامود مدرجًا كبيرًا يؤدي إلى الباب الذي أقامه السلطان سليمان القانوني عام 1538.  

ساحة باب العامود كما بدت عام 1965 وتظهر فلاحات القدس يحملن بضائعهن وسيارات النقل تنتظر الركاب

عانى باب العامود من اعتداءات الاحتلال الإسرائيلي الذي استهدف إجراء تغييرات ديمغرافية تعسفية بالمنطقة، وأصبح رمزًا للسياسات الإسرائيلية بالمدينة، بدءًا من القمع والاغتيال، مرورًا بمحاولات تهويده، والتضييق على ساكنيه، وأقدم عدد من المستوطنين على إلصاق لافتة كتب عليها "شارع البطلات" فوق لافتة "شارع السلطان سليمان" الملاصق لمنطقة باب العامود، وذلك تخليدا للمجندة التي قتلت في عملية باب العامود.

ويوجد للقدس 13 بًابًا، 8 منها مفتوحة، أهمها باب النبي داوود، الذي تعرض في الحروب العربية الإسرائيلية إلى التشويه بسبب الرصاص والقذائف، وعلى الواجهة الشرقية من الباب ما زالت الكتابات تخلد سنة البناء والآمر ببنائه، وفيها كُتب "أمَرَنا بإنشاء هذا السور المبارك مولانا السلطان سليمان ابن السلطان سليم بتاريخ 747 هجريًا".   

أمَّا الأبواب المغلقة فعددها 5 أبواب، وهي باب الجنائز والباب المفرد والباب المزدوج والباب الثلاثي، وباب الرجمة والتوبة الذي كثرت حوله روايات الإغلاق، فبعض المورخين يرون أن السلطان سليمان أمر بإغلاقه بسبب الأساطير الدينية حوله، فيما يرى آخرون أنه أغلق بسبب مخاوف الناس آنذاك من أن الفرنجة سيعودون ويحتلون القدس من خلال هذه البوابة في المنطقة الشرقية من المدينة، وظل مغلقًا إلى يومنا هذا.

قلعة القدس القديمة.. حصن المدينة الراسخ

كان تحصين مدينة القدس من أكبر هموم السلطان سليمان، وبالفعل فقد كان أول إجراء أمر به السلطان بعد الفراغ من ترميم الحرم القدسي ضمن جهوده الرامية إلي إعادة تفعيل النظام الدفاعي هو إعادة بناء بناء قلعة القدس القديمة الواقعة في الركن الشمالي الغربي للمدينة.

كعلامة بارزة على سيطرة الدين الإسلامي على المدينة أمر السلطان سليمان ببناء مئذنة مئذنة المسجد المستديرة فوق البرج الجنوبي للقلعة

وكانت القلعة مهدومة ومدمرة، ولم تعد صالحة للاستخدام، وأصبحت المدينة بلا قلعة تدافع عنها، إلا أن الترميم الذي جري عام 1531، وأضيف خلاله ممر شرقي للقلعة قد أخرجها من وضعها البائس بشكل نهائي، وكعلامة بارزة على سيطرة الدين الإسلامي على المدينة أمر ببناء مئذنة مئذنة المسجد المستديرة فوق البرج الجنوبي للقلعة، والتي ما زالت موجودة إلى يومنا هذا، ويُستدل من الكنارات المسننة التي تزين المئذنة علي أنها جزء من أعمال البناء التي بدأت في القدس عام 1524 بأمر من السلطان.  

وبحسب وصف الرحّالة التركي أوليا جلبي خلال زيارةٍ قام بها إلى القدس، أصبحت القلعة بعد بناءها مقرًا دائمًا لقيادة الجيش العثماني ومركزًا لإدارة المدينة وأوقافها، وجاء بناء القلعة في أضعف نقطة ببلدة القدس القديمة من ناحية التحصينات بالمقارنة مع حدودها الأخرى، كون الجهة الغربية للمدينة تقع في منطقة مرتفعة وغير محاطة بالجبال، وتقع القلعة على إحدى التلال الأربع المقامة عليها مدينة القدس، وبدأ السلطان القانوني ببناء البوابة الضخمة الشرقية لتكون بوابة فريدة بنمطها.

أمر سليمان القانوني بإعاة بناء قلعة القدس القديمة

ويسعى الاحتلال إلى إخفاء حقيقة إسلامية القلعة وتاريخها عبر تقديم تاريخ المدينة من وجهة نظر أيديولوجية "صهيونية"، حيث يطلق على قلعة القدس مسمى "قلعة داود"، في محاولة لنسبتها إلى النبي داود عليه السلام، كما أطلقوا اسم "برج داود" على برج فصايل الذي أقامه الملك الآدومي لولاية فلسطين في عهد الرومان "هيرودس" المؤسس الفعلي لقلعة القدس هيرودس المؤسس الفعلي لقلعة القدس، وعندما أثبتت الأبحاث الأثرية عدم وجود علاقة للبرج بداود نقل اسم برج داود إلى المئذنة التي بناها السلطان بن قلاوون.

ترميم مسجد قبة الصخرة والمسجد الأقصى

تمتاز مدينة القدس ببلدتها القديمة التي تُعَدّ إحدى المدن الإسلامية القليلة التي تم الحفاظ على سلامة طابعها التاريخي، والتي يجسد مظهرها الأثري الحالي ليس مراحل التطور في العصور الوسطى فحسب، ولكنه يمثل أيضًا وبشكلٍ جوهري المباني التي أنشأها السلطان العثماني سليمان القانوني، الذي خضغت القدس في عهده لبرنامج تطوير منتظم وشامل.

في العهد السلطان القانوني وُضع الختم العثماني على قبة الصخرة، وخلال 10 سنوات استمرت أعمال الترميم والتجديد والبناء

استأثرت قبة الصخرة بأول أعمال البناء الضخمة التي أنجزها السلطان لأنّها أهم الآثار الإسلامية في القدس وأقدمها، فهو أقدم بناء عريق عند المسلمين، والذي بُني في عهد الخلفة الأموي عبدالملك بن مروان، وهو عبارة عن مبنى مثمن منتظم محيط بصخرة المعراج، التي عرج إليها نبي الله محمد إلى السماوات العلى.

في العهد السلطان القانوني وُضع الختم العثماني على قبة الصخرة، وخلال 10 سنوات استمرت أعمال الترميم والتجديد والبناء، وأُدخلت الطبقة الزرقاء التي تغلَّف المسجد وتُسمى بـ"البلاط القاشاني"، وفيما بعد أضاف العثمانيون النوافذ الزجاجية الملونة ضمن التجديدات المستمرة في القدس، كما كُسيت قبة الصخرة بالرصاص، وكان هذا لونها في العهد العثماني

.  

أُدخلت في العهد العثماني  الطبقة الزرقاء التي تغلَّف مسجد قبة الصخرى وتُسمى بـ"البلاط القاشاني"

ترميم قبة الصخرة على يد السلطان سليمان الذي استغرق ما يقرب من 40 عامًا  دفع أوليا جلبي إلى كتابة الملاحظة التالية: "ولما كان السلطان العثماني في هذا الزمان هو أكثر حكام العالم تشريفًا واحترامًا، فقد جعل من هذا الصرح جنّةً لا مثيل لها على الأرض، لأنّ السلطان وحده هو القادر على أنْ يكون مالكاً لبيت الله".

قرر سليمان القانوني أن ينفذ المشروع الأهم في حياته، وهو مشروع "بِرَك سليمان"، الذي أمر بتنفيذها لتمد القدس بالماء

على بعد أمتار من قبة الصخرة، يقع الرئيسي في الحرم، ألا وهو المسجد الأقصى، الذي قام العثمانيون أيضًا بترميمه، فقد أرسل السلاطين مهندسين عثمانيين لإعادة ترميم المحراب والقبة والأجزاء الداخلية من المسجد الأقصى.

بِرَك سليمان.. حين جلب العثمانيون الماء للقدس 

كان سكان القدس على مر السنوات التي سبقت عهد العثمانيين يعانون شحًا كبيرًا في المياه، فقرر سليمان القانوني أن ينفذ المشروع الأهم في حياته، وهو مشروع "بِرَك سليمان"، الذي أمر بتنفيذها لتمد القدس بالماء، وتقع على بُعد 20 كيلومترًا من القدس، وتحديدًا في بيت لحم.  

بعد إنشاء البِرَك في بيت لحم، حيث تتجمع المياه، تم مد قنوات من المياه تسير في مسارات متعددة، حتى تصل إلى القدس لتغذي السكان والأهالي، وتتوغ في 5 سُبل منتشرة بين الحارات القديمة وأماكن تواجد الناس، وكان من أشهر تلك السُبُل "سبيل باب السلسلة وباب الواد وقاسم باشا والسلطان سليمان القانوني" الواقعة داخل سور الأقصى.

يجتمع الناس عند سبيل المياه يعبئون المياه ويتحدثون في شؤونهم

كان الناس يجتمعون عند سبيل المياه، يعبؤون المياه ويتحدثون في شؤونهم، فقد كان نقاط سُبل المياه ملتقى اجتماعيًا للناس، وفوق أسبلة المياه وُضعت عبارات عثمانية وجمل دينية، ووصل الماء إلى ساحات المسجد الأقصى، حيث غُذيت كؤوس المياه المنتشرة في الساحات بالمياه.

الجاذبية الجديدة للبلدة القديمة

كان البرنامج المنتظم لإعادة تفعيل مدينة القدس على يد السلطان العثماني سليمان الأول القانوني بمثابة قاعدة جديدة لمزيد من خطوات التطوير لتصبح المدينة مركزًا حضاريًا، وتحتضن الجزء الأكبر والأهم من المعالم والرموز والآثار التاريخية، بما فيها المسجد الأقصى وقبة الصخرة وكنيسة القيامة.  

ارتفاع عدد السكان إلى 3 أضعاف ما كان عليه خلال 30 عامًا يعد مؤشرًا على الجاذبية الجديدة للمدينة والتي نتجت عن برنامج التطوير واسع النطاق

وفي هذا السياق تفيد الاحصاءات بأن فترة حكم السلطان سليمان شهدت نموًا متزايدًا في عدد السكان، فينما كان عدهم لا يتجاوز 4 الآف نسمة عام 1525 ارتفع العدد غلى 12 ألف نسمة 1553، ويعد ارتفاع عدد السكان إلى 3 أضعاف ما كان عليه خلال 30 عامًا مؤشرًا على الجاذبية الجديدة للمدينة والتي نتجت عن برنامج التطوير واسع النطاق.  

تميزت البيوت والأسواق في القدس بنمط معماري خاص، ويظهر ذلك في المباني والحجارة والأرصفة، ووظهرت في العصر العثماني ثقافة بناء الشرقات والأقواس.

كثيرة هي المشاريع المعمارية في القدس، لكن جزءًا كبيرًا منها لم يعد موجودًا، كبرج الساعة الذي بُني في عهد السلطان عبدالحميد عام 1906، أيضًا محطة قطار القدس، والتي كانت تنافس خط سكة الحديد الحجازية، حيث وُصلت محطة سكة حديد القدس بالباب العالي بإسطنبول مباشرة.

صلوات المياه التي أقامها المسؤولون عقب وصول المياه إلى القدس

ويرجع الفضل في ذلك إلى إنشاء بلدية القدس في عام 1863، كثاني بلدية أُسست في الدولة والعثمانية بعد بلدية إسطنبول التي تحظى بهذا التكريم، وقد أسهمت هذه الخطوة في تطوير المدينة بنواحيها التجارية والعمرانية، والاقتصادية، والتعليمية.

وأعطى قانون البلديات لعام 1878 صلاحيات للبلدية من حيث مراجعة البناء وتنظيم الشوارع، ومد أنابيب المياه والإضاءة، والحفاظ على النظافة، كما تم تأمين مصادر دخل للبلدية بفرض الضرائب والرسوم والتبرعات. وأسهمت السلطة المركزية في هذا الدعم المادي مما جعل المدينة تتحول من سلطة محدودة إلى مؤسسة مهمة.

إرث الدولة العثمانية

في أواخر القرن الـ19 ضعفت الدولة العثمانية كثيرًا، وأصبحت تُلقَّب بـ"رجل أوروبا المريض"، فكثرت أزماتها وتراكمت ديونها بسبب الفساد والخلافات والاقتتالات الداخلية فيها.  

بدأ اليهود عملياتهم بتهويد القدس بطريقة منتظمة، فزالة ما يمكن إزالته من آثار الحضارات السابقة، وبالطبع كانت الآثار العثمانية الضحية الأبرز

كان قد وصل إلى سدة حكم الدولة العثمانية السلطان عبدالحميد الثاني عام 1876، وورث تركة مثقلة بالأعباء والهموم، في الوقت ذاته كان عدد من يهود العالم يصوبون أنظارهم باتجاه فلسطين لتصبح وطنًيا قوميًا لليهود.

كانت فلسطين تحت الحكم العثماني وقتها، الأمر الذي أدَّى إلى طلبهم من السلطان عبدالحميد أن يعطيهم فلسطين مقابل أن يقوموا بتسديد ديون الدولة العثمانية كاملة، لكن قوبلوا برفض الدولة العثمانية، ولاقى ممثلي اليهود فشل متكرر، ولم يستطيعوا الحصول على أي وثيقة تغير واقعهم الراهن في المدينة.

جاءت المحاولات التالية عبر اليهود الأوروبيين الذي كان بإمكانهم شراء العقارات بعد رفع الحظر على بيعها لغير العثمانيين، لذلك أصدر السلطان عبدالحميد عام 18882 قانونًا يمنع فيه هجرة اليهود إلى فلسطين كما يمنع بيع أي أراض منها لليهود.  

في هذه الأثناء ظهرت الحركة الصهيونية عام 1886، وتزعمها الطبيب النمساوي ثيودور هرتزل، وحملت الحركة المشروع إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، وكرر هرتزل- عن طريق الوسطاء – مطالب اليهود من السلطان عبدالحميد بأن يأخذوا فلسطين.

الجيش البريطاني بالقرب من الآثار التي تركتها الدولة العتمانية في القدس

كان رد السلطان حاسمًا هذه المرة، حيث قال في وثيقة الرفض: "لقد حصل شعبي على هذه  الإمبراطورية بإراقة دماء دمائهم وغذوها فيما بعد بدمائهم وسوف نغطيها بدمائنا قبل أن نسمح لأحد باغتصابها منا، وفلسطين لن تُقَّسم إلا على جثتنا، ولن أقبل بتشريحنا لأي غرض كان".

اندلعت الحرب العالمية الأولى، وأجهزت دول الاستعمار على الدولة العثمانية، لتغرب شمس الدولة العثمانية تاركة إرثًا كبيرًا وراءها، لكن دول الاستعمار المنتصرة في الحرب كانت تخطط لأمر آخر.

في عام 1916 وقَّعت فرنسا وبريطانيا اتفاقية سرية بينهما لتقسيم التركة العثمانية، عُرفت لاحقًا باتفاقية "سايكس بيكو"، التي قسمت بلاد الشام الواسعة، فوقعت سوريا ولبنان تحت الاستعمار والفرنسي، أمَّا فلسطين والأردن فوقعتا تحت الاستعمار البريطاني، ليبدأ عهد الاستعمار البريطاني في القدس.

بعد احتلال القدس بعام واحد، جاءت المصيبة الكبرى، حيث قام أحد المتطرفين اليهود بإحراق المسجد الأقصى، لتحترق فيه معظم الآثار القديمة

في مايو/أيار عام 1948، أعلنت بريطانيا إنسحابها من القدس وأعلنت "إسرائيل"عن دولتها، ومنذ اللحظة الأولى، كانت عيون اليهود على القدس، وفي ذلك العام احتل اليهود نصف مدينة القدس، تحديدًا القدس الغربية، في ذلك الوقت لم يستطعوا احتلال القدس الشرقية والبلدة القديمة.

لكن في حرب يونيو/حزيران عام 1967، استطاع اليهود احتلال كامل القدس، وضاعت القدس وقتها تمامًا، ومنذ تلك اللحظات بدأ اليهود عملياتهم بتهويد القدس بطريقة منتظمة، فزالة ما يمكن إزالته من آثار الحضارات السابقة، وبالطبع كانت الآثار العثمانية الضحية الأبرز.  

بعد احتلال القدس بعام واحد، جاءت المصيبة الكبرى، حيث قام أحد المتطرفين اليهود بإحراق المسجد الأقصى، لتحترق فيه معظم الآثار القديمة، فقد احترق الخشب العثماني الذي كان يزين المسجد من الأعلى، واحترقت ثريا السلطان عبدالحميد، كما احترق منبر صلاح الدين الأيوبي، الذي حرر القدس من الصليبيين.

بشكل عام، تكثر مشاريع التهويد في القدس، وفي القدس القديمة الواقعة داخل الأسوار بشكل خاص، وبسبب تلك المشاريع صادرت "إسرائيل" مئات الدونمات من أرض الوقف العثماني، لتقيم عليها معالم يهودية، مثل "كنيس الخراب" الذي أُقيم على أراضٍ وقفية، كما قامت "إسرائيل" بمصادرة أراضي "بِرَك سليمان" التي كانت تمد القدس بالميا في زمن العثمانيين، واليوم تحولت إلى مكان لإقامة الاحتفالات الصاخبة.

المئات من الآثار والمواقع الأثرية العثمانية وغير العثمانية والإسلامية والميسيحية مهددة بالإزالة والطمس بسبب سياسة التهويد الممنهجة من قِبل السلطات الإسرائيلية. لكن اليوم، وبعد غياب دام أكثر من مئة عام للدولة العثمانية عن القدس، تعود الروح العثمانية من جديد من خلال المشاريع التي تطلقها بعض المؤسسات التركية والفلسطينية للحفاظ على التراث القدس، في مبادرات شعبية وفردية لوقف الهجمة اليهودية الرامية لتهويد القدس وطمس المعالم غير اليهودية.