ترجمة حفصة جودة

يرتبط مفهوم الجمال بين الفتيات في الشرق الأوسط ببياض البشرة، وعادة ما ينصح الأهل والأقارب الفتيات بتجنب الجلوس في الشمس حتى لا تصاب بشرتهن بالاسمرار، أما خزانات وطاولات غرف النساء فهي تمتلئ بعدد كبير من كريمات تفتيح البشرة، حيث تضع ملايين السيدات طبقة كريم بيضاء يوميًا كجزء من الروتين اليومي.

تنتشر إعلانات الجمال في كل مكان لتبيع كريمات تفتيح البشرة التي يظهر أثرها خلال أسابيع، لذا ليس مفاجئًا أن يكون هناك سوق مزدهر لمنتجات تفتيح البشرة رغم المخاوف الصحية المرتبطة بمستحضرات التجميل.

ذكرت صحيفة الغارديان في تقرير لها عام 2017 أن صناعة مستحضرات التجميل تبلغ قيمتها 4.8 مليار دولار ومن المتوقع زيادتها حتى 8.9 مليار دولار في عام 2027، لكن تلك الصناعة لا تخلو من المخاطر.

تنتشر مستحضرات تبييض البشرة بشكل كبير في إفريقيا والشرق الأوسط

تقول سارة البدوي طبيبة بريطانية سودانية إن هناك ثقافة جديدة تنمو في شرق إفريقيا تمجد البشرة الفاتحة، وتضيف: "هناك رجال لا يقبلون بالزواج سوى من امرأة بيضاء البشرة وهناك أغانٍ تمجد النساء ذوات البشرة البيضاء، لقد أصبحت تلك اللهجة هي السائدة في المجتمع السوداني، وأصبحت الإناث يقدرن أنفسهن من خلال لون بشرتهن، يمكنك أن تمشي في الشوراع لتشاهد النساء يختبئن من أشعة الشمس حتى تؤتي منتجات التفتيح ثمارها".

سمعت البدوي قصصًا لسيدات أصبن بحروق من الشمس كنتيجة عكسية لبعض أنواع الكريمات، فقد تسبب الاستخدام الدائم لها ببعض أضرار في الطبقة الواقية للجلد، كما تحتوي بعض الكريمات على سترويد "سموم منشطة" وزئبق وهيدروكينون وفقًا للهيئة العامة للصحة الوطنية في بريطانيا.

تتراوح الآثار الجانبية للمستخدمين بين تهيج الجلد والحروق وفي الحالات الأكثر خطورة يصبح الجلد رقيقًا وبه ندوب كما تصيب الكلى والكبد بالضرر، وهناك بعض المكونات التي تشكل خطرًا على الولادة عند استخدامها في أثناء الحمل.

ينصح الأطباء بعدم استخدام منتجات تجميل لا تحتوي على كثير من المعلومات عن مكوناتها

تقول أنجالي ماهتو - مستشارة جلدية في مؤسسة الجلد البريطانية وهي مؤسسة خيرية تمول أبحاثًا لأمراض الجلد والسرطان - إن كريمات الجلد التي لم تخضع للاختبار يتم الترويج لها في باكستان والشرق الأوسط ودول الكاريبي.

في المملكة المتحدة يمنع القانون بيع المنتجات دون اسم وعنوان المورد وقائمة المكونات، وإذا كان أي مكان يفتقر لأحد تلك المعلومات الأساسية فهذا يعني أنه تم استيراده بطريقة غير شرعية وربما يحتوي على مكونات ضارة، لكن في الشرق الأوسط هناك تساهل في اللوائح ومن الممكن بيع مثل تلك المنتجات في الأسواق والمتاجر دون أي تحذيرات أو معلومات تفصيلية.

تقول ماهتو: "يعد الهيدروكينون أحد أهم المكونات شيوعًا في تلك المنتجات، وهو يعمل من خلال تثبيط إنتاج صبغة الميلانين التي تمنح البشرة لونًا، ويؤدي الاستخدام المفرط لتدمير خلايا الجلد مما يسبب الشيخوخة المبكرة وإضاف الجلد".

يؤدي الاستخدام طويل المدى إلى ترقيق الجلد وضموره وظهور علامات التمدد وسهولة الإصابة بالكدمات، وزيادة مخاطر الإصابة بالعدوى والحبوب، ومع مرور الوقت يؤثر على الجسد بأكمله ويسبب ارتفاع الضغط والسكر وزيادة الوزن وهشاشة العظام.

في شهر يناير حظرت هيئة مراقبة الغذاء والدواء السودانية "DFCA" بيع تلك المنتجات لتنظيم الواردات والحد من آثارها الجانبية على الجلد، يقول ماوين أتيم الأمين العام للهيئة: "من الواضح أن استخدام مستحضرات التجميل في السودان يحدث دون تمييز رغم أنها تحتوي على الكثير من المواد الكيميائية".

يتبع السودان المبادرة التي اتخدتها رواندا وجنوب إفريقيا وكينيا وغانا، لكن هذه المنتجات ما زالت تباع في مصر ولبنان والأردن والعراق حيث تقل القيود على بيعها.

مخلفات الاستعمار

رغم المخاطر المرتبطة بالكريمات، فإنها ما زالت شائعة الانتشار، وفي المنطقة يرتبط مفهوم الجمال بشكل عميق بالاستعمار الذي تغلغل في المجتمع، ومع تفوق الأوروبيين سياسيًا واقتصاديًا في المجتمعات الاستعمارية أصبح اللون الأبيض مرتبطًا بالجمال.

ورغم أن السودان لم يكن جزءًا من الإمبراطورية البريطانية، فإنهم حاولوا فرض أنفسهم على الشعب السوداني تحت غطاء التحضر، واًصبحوا أوصياءً على الأمة مما أثر في كيفية رؤية السودانيين لأنفسهم.

أسرة استعمارية بريطانية في الهند في القرن الـ19

يقول النقاد إن اللون الأبيض أصبح رمزًا مجتمعيًا للتفوق وأصبح مؤثرًا في الزواج وفرص العمل، تقول إيمان محمد - 27 عامًا من القاهرة - إن استخدام المصريات لكريمات التفتيح يزداد بشكل كبير مع وجود مناسبات اجتماعية كبيرة، هذه الكريمات شائعة للغاية وتستخدمها المراهقات والسيدات حتى 40 عامًا للحصول على بشرة أكثر بياضًا، وعادة ما تتعرض السمراوات لضغوط ومقارنات مع أقرانهن البيضاوات.

تقول لينور سنقر - بريطانية مصرية - إنها تأثرت بإعلانات كريمات التفتيح في الشرق الأوسط التي تقول إن البشرة البيضاء أكثر جمالاً وكانت تلوم شركات الإعلانات على ذلك لكنها أدركت أنها كانت مخطئة، وتضيف: "تكبر الأجيال وهي تشاهد أفلام هوليوود التي تقدم ممثلات يتمتعن ببشرة بيضاء مثالية وكذلك إعلام الشرق الأوسط الذي تمتلك جميع الممثلات فيه بشرة بيضاء صافية".

في بداية هذا العام أصبحت خديجة بن حمو ملكة جمال الجزائر، لكنها تلقت تعليقات عنصرية بسبب لون بشرتها السمراء، وقال النقاد إنها لا تمثل الجمال الجزائري، لكن الكثير من الناس على الإنترنت دافعوا عنها.

لا تسخر من بشرتها وأنفها ثم تقول هذه ليست عنصرية

في مقابلة تليفزيونة مع بن حمو قالت إنها فخورة بشخصيتها وتدعو لمن انتقدوها بأن يهديهم الله للطريق القويم وتشكر ما شجعوها، وقالت إنها فخورة بتحقيق حلمها وفخورة بمدينتها أدرار التي نشأت بها.

تقول الكاتبة والمحللة هنا الخمري إنه لا يوجد نقاش عام في المجتمع العربي عن العنصرية بل إنهم ينكرون وجود اتجاه عنصري نحو الأشخاص السود، فكل شخص ذو بشرة سمراء تعرض لتعليقات عنصرية وألقاب مهينة.

حملة ضد شركات مستحضرات التجميل

تعرضت شركات مستحضرات التجميل للانتقاد الشديد بسبب حملاته الإعلانية في الشرق الأوسط وإفريقيا، فقد تعرضت شركة نيفيا للانتقاد بعد إعلانها الذي تظهر فيه امرأة سمراء تقول: "أحتاج لمنتج أستطيع أن أعتمد عليه حقًا في استعادة النقاء الطبيعي لبشرتي".

تعرضت الشركة للانتقاد مرة أخرى بعض حملتها في الشرق الأوسط تحت شعار: "الأبيض هو النقاء"، لكن الشركة أكدت أنها لا تشجع على تفتيح البشرة، وقالت في بيانها: "يرغب الأوروبيون في الحصول على بشرة سمراء بينما ترتبط معايير الجمال في آسيا وإفريقيا بالبشرة البيضاء، ونحن كشركة لمستحضرات التجميل نطور منتجاتنا حسب التفضيلات الثقافية للمكان، وبالطبع نلتزم بمعايير الصحة والأمان".

يقول المتحدث باسم شركة "Unilever" صاحبة منتج آخر معروف لتفتيح البشرة وهو "Fair and Lovely" إن الشركة لا تسوق لفكرة أن البشرة البيضاء مرغوبة أكثر، ويضيف: "نحن ندرك أن التسويق لتلك المنتجات قد يوحي بأن البشرة الداكنة غير مرغوبة، لكننا نضع مبادئ صارمة في التسويق ولا نربط بين لون البشرة وانجازات الشخص وقيمته".

لكن الحملة ضد الشركة ما زالت مستمرة بعد إعلان الشركة التي يقول إن استخدام الكريم سيجعلك مشهورة وجذابة، وفي 2016 انتشر هاشتاغ  #UnfairandLovely ونشرت آلاف السيدات صورهن في تحدٍ للإيدولوجية التي يعتقدن أنها بسبب الاستعمار، وطالما أن الناس ما زالوا ينتقدون البشرة السمراء، فإن تلك المنتجات ستستمر في الانتشار.

المصدر: ميدل إيست آي