يدخل الحراك السوداني منعطفا جديدًا عبر تصعيد يعد هو الأخطر منذ بدايته في التاسع عشر من ديسمبر الماضي حيث دخل ألاف المحتجين اعتصاما مفتوحا أمام مقر قيادة القوات المسلحة، للضغط على الجيش للانحياز لمطالبهم، في وقت تشهد فيه الشوارع والميادين السودانية زخما غير عادي إثر دعوات الخروج والانضمام للمعتصمين.

المتظاهرون يواصلون اعتصامهم لليوم الثالث على التوالي وسط مناوشات أمنية وتهديد بالتصعيد حال عدم الاستجابة لمطالبهم المرفوعة على رأسها تنحي الرئيس عمر البشير وتشكيل حكومة انتقالية لإدارة شئون البلاد خلال المرحلة المقبلة لحين إجراء انتخابات رئاسية.

السلطات السودانية أغلقت عددا من "الكباري" الرابطة بين الخرطوم وأم درمان من جهة، وبين الخرطوم وبحري من جهة أخرى، في محاولة لمنع وصول المزيد من المتظاهرين إلى محيط مقر قيادة القوات المسلحة، وبينما تحكم الإجرءات الأمنية قيودها، نجح الكثير من المحتجين في الوصول إلى موقع الاعتصام، في ظل درجة حرارة زادت عن الأربعين.

ورغم دعوات فض الاعتصام من قبل قوات الأمن، إلا أن القوى السياسية المعارضة المشاركة (قوى إعلان الحرية والتغيير) تعول على المؤسسة العسكرية الانتصار لإرادة الشارع والانضمام لصفوف الشعب وهو التساؤل الذي بات عاملا مشتركا على كافة ألسنة السودانيين.. فهل يفعلها الجيش؟

يجب الاستماع للمحتجين

في أول رد فعل رسمي على الاعتصام أمام مقر قيادة القوات المسلحة عقد البشير اجتماعا بمقر إقامته لمجلس الدفاع والأمن الوطني الذي يرأسه، حيث أكد على أهمية "جمع الصف الوطني وتحقيق السلام، وضرورة الاحتكام لصوت العقل لتجنيب البلاد الانزلاق نحو الفتن" بحسب وكالة الأنباء السودانية "سونا".

وأكد المجلس وفق الوكالة أنه اطلع "على تقارير مفصلة حول الوضع السياسي والأمني الراهن، واتخذ جملة من التدابير التي من شأنها تعزيز السلام والاستقرار بالبلاد"، موضحًا أن "المحتجين يمثلون شريحة من شرائح المجتمع التي يجب الاستماع إلى رؤيتها ومطالبها" ومشيرًا إلى "حرص الحكومة على الاستمرار في الحوار مع الفئات كافة، بما يحقق التراضي الوطني".

لكن يبدوا أن مخرجات الاجتماع لم ترضي طموحات المعتصمين الذين أصروا على استكمال حراكهم حتى تحقيق مطالبهم التي أعلنوا عنها مرارا وتكرارا في بيانات عدة، مؤكدين على سلمية الاعتصام وعدم الانزلاق إلى ما يهدد أمن وأستقرار المجتمع السوداني.

محاولات الفض أثارت الكثير من المخاوف لدي السودانيين خشية تكرار التجربة المصرية في فض ميدان رابعة العدوية والنهضة أغسطس 2013

ورغم محاولات الفض التي ناوش بها بعض عناصر الأمن بين الحين والأخر على مدار اليومين الماضيين إلا أن المرابطين أمام مقر قيادة الجيش لم يتزحزحوا عن مكانهم في الوقت الذي تتزايد فيه أعداد المعتصمين ساعة تلو الأخرى، وهو ما لاقى أصداء إيجابية على المستوى الداخلي والخارجي وضع البشير ونظامه في موقف حرج.

وشهد محيط قيادة الجيش السوداني حضوراً لافتاً لمشاهير الفن والرياضة والمسرح والدراما، حيث بث ناشطون في مواقع التواصل الاجتماعي مقطع فيديو لاثنين من أشهر الفنانين الشباب وهما عصام البنا ومنتصر هلالية، وهما يرددان أغانيَ وطنية أمام الحشود، وتمكن المعتصمون لأول مرة من إدخال مكبرات الصوت إلى مكان الاعتصام.

الشرطة تفض والجيش يتدخل

ومع استمرار لليوم الثالث، شنت صباح اليوم الإثنين، قوات الأمن السودانية، هجوما لفض الاعتصام بشتى السبل، مستخدمة في ذلك الرصاص الحي، الأمر الذي أدى إلى سقوط 6 قتلى وإصابة العشرات، بعضها إصابات خطيرة في إحصائية أولية، فيما تحدى المعتصمون تلك المحاولات وصمدوا في أماكنهم.

محاولات الفض أثارت الكثير من المخاوف لدي السودانيين خشية تكرار التجربة المصرية في فض ميدان رابعة العدوية والنهضة أغسطس 2013، حيث نقل بعض الشهود أن وحدات أمنية أطلقت قنابل صوتية من بعيد على المعتصمين أعقبتها بإطلاق كميات كثيفة من الغاز المسيل للدموع، ما أثار في البدء ارتباكاً في صفوف المعتصمين، لكن سرعان ما تماسكوا واستعادوا تنظيم أنفسهم ليشرعوا من جديد في ترديد الهتافات، المطالبة بتنحي البشير ونظامه.

وفي المقابل واجهت أفراد من قوات الجيش محاولات فض الشرطة وتدخلت لحماية المتظاهرين بعدما تصاعدت الأمور إثر مقتل ستة متظاهرين، وذلك بحسب شهود عيان نقلت عنهم  وكالة الأنباء الفرنسية قولهم إن قوات الجيش السوداني انتشرت في محيط مقر القيادة العامة في الخرطوم

وقال المتظاهرون إن اعتصامهم سيستمر إلى أن يسقط النظام، مؤكدين سلمية حراكهم، وكانوا قد طلبوا -خلال مظاهرات السبت الماضي الحاشدة- من المؤسسة العسكرية تأييد مطالبهم

5 مطالب للمعتصمين

أصدر قوى إعلان الحرية والتغيير بيانا ظهر اليوم عبر فيه عن امتنانه للجهود التي بذلها الشعب السوداني الثائر للتخلص من مرحلة الفساد التي خيمت عليه العقود الثلاثة الأخيرة، لافتا إلى أن الجماهير ظلت  تقدم الدروس الملهمة في النضال والتضحية وفي ابتداع وتنويع أساليب المقاومة السلمية منذ اندلاع ثورتها المجيدة في ديسمبر ٢٠١٨ والتي لم تجدِ معها كل أدوات البطش والتنكيل، ولم يفلح إعلان الطواريء في إرهاب جموع السودانيات والسودانيين الثائرة.

البيان  المنشور على الصفحة الرسمية للقوى على موقع التواصل الاجتماعي "فيس بوك" أشار إلى أن الثورة السودانية بلغت مرحلة فاصلة ومهمة بموكب ٦ أبريل الذي احتشدت فيه جماهير الشعب السوداني بشكل غير مسبوق، وقد قررت الجماهير الاعتصام أمام مباني القيادة العامة لقوات الشعب المسلحة حتي إعلان سقوط النظام وسطرت ملاحم رائعةً وصموداً باسلاً في وجه سلطة وحشية تبتغي البقاء في الكرسي على جماجم الناس ووسط بحور دمائهم.

في حالة تجاوب الجيش السوداني مع مطالب المواطنين وإجبار البشير على إعلان عدم الترشح في الانتخابات الرئاسية المقبلة، فلن يكتفي المحتجون بذلك، بل يتوقع أن يرتفع السقف إلى تنحيته فورا

كما تقدمت القوى بخمسة مطالب أساسية أولها: تأكيد مطلب شعبنا بالتنحي الفوري للرئيس ونظامه دون قيدٍ أو شرط، ثانياً: تكوين مجلس من قوى إعلان الحرية والتغيير وقوى الثورة التي تدعم الإعلان، على أن يتولى هذا المجلس مهام الإتصال السياسي مع القوات النظامية والقوى الفاعلة محلياً ودولياً من أجل إكمال عملية الإنتقال السياسي وتسليم السلطة لحكومة مدنية إنتقالية متوافق عليها شعبياً ومعبرة عن قوى الثورة.

ثالثاً: دعوة القوات المسلحة لدعم خيار الشعب السوداني في التغيير والانتقال إلى حكم مدني ديموقراطي وسحب يدها عن النظام الحالي الذي فقد أي مشروعية له، وقطع الطريق أمام محاولاته البائسة لجر البلاد للعنف أو للإلتفاف على مطالب الثورة وإعادة إنتاج نفسه، رابعاً: دعوة المجتمع الإقليمي والدولي لدعم مطالب ثورة الشعب السوداني، والتأكيد على رغبتنا الجادة في بناء علاقات متوازنة تقوم على احترام أسس الجوار وتعمل علي التعاون المشترك من اجل مصلحة الشعوب وسلامها واستقرارها وازدهارها.

أما المطالب الخامس فدعوة الجماهير في العاصمة الخرطوم والولايات لمواصلة الحراك الثوري الباسل ومواصلة الصمود في الشوارع والمياديين حتى يتحقق هدفهم برحيل النظام. وستواصل تنسيقية قوى إعلان الحرية والتغيير إصدار الموجهات الخاصة بفعاليات الحراك.

هل ينحاز الجيش للشارع؟

التساؤل الأبرز الآن على ألسنة الشارع السوداني، هل يفعلها الجيش وينحاز للمحتجين؟ سؤال بدت الإجابة عنه إسدال كامل لستار الاحتجاجات المندلعة منذ أكثر من 3 أشهر، وإن كان المضي في التفاصيل ربما يعيد النظر في كثير من ملامح المشهد العام الذي يزداد كل يوما تعقيدا رغم وضوح رؤية الغاضبين.

في مقال تحت عنوان "الجيش.. والانحياز للشعب" للكاتب السوداني الشفيع خضر سعيد يقول: "قبل عدة أسابيع، وجماهير الشعب السوداني الثائرة تهدر في شوارع مدن السودان للشهر الثالث على التوالي، سألني المحاور الصحافي قائلا: 'الكرة في ملعب من الآن؟'، فأجبته: 'الكرة الآن في ملعب القوات المسلحة السودانية، الجيش، وهي ركلة جزاء عليه أن يركز حتى يسددها في المرمى'".

ويضيف: "لم تنفذ ركلة الجزاء حتى كتابة هذه السطور، بسبب الصراع العنيف الذي تفجر وسط ضباط الجيش بين الرتب المنادية بالانحياز إلى الشارع والتي تطالب القيادات العليا بتنفيذ ذلك تفادياً لأي انقسام وصدام دموي محتمل، والقيادات العليا المتمنعة والموالية للرئيس".

ويرى الكاتب أن "التاريخ الناصع للجيش السوداني لم يمنعه من التورط في انقلابات عسكرية ذات طابع حزبي، تقليدي أو يساري أو إسلامي، وكذلك التورط في الحروب الأهلية، الوجه آخر للصراع السياسي في السودان ... لكن كل هذا التورط لم يسلب الجيش السوداني وطنيته وديمومة صحو ضميره، فكانت انفعالاته

أما الكاتب محمد أبو الفضب فيرى أنه "إذا كان التونسيون والمصريون والليبيون وأخيرا الجزائريون لم تتجاوز فترة الاستجابة لمطلبهم بشأن رحيل أنظمتهم بضعة أسابيع، ففي ظل الأوضاع المتدهورة في السودان من الممكن أن يستمر الأمر لمدة طويلة، لعدم قدرة كل طرف على الحسم والقبض على المفاتيح الرئيسية، وخوفا من المعطيات القاتمة للمرحلة اللاحقة"

وأضاف في مقال له "إذا تمكن أحد الطرفين من كسب الجولة لصالحه بتسجيل النقاط أو الضربة القاضية، فإن الخطورة تكمن في الترتيبات التالية، فقد اشتعلت التظاهرات خلال الأيام الماضية، وكأنها استمدت زخمها حيال المواجهة مع الرئيس عمر حسن البشير مما وصلت إليه التطورات في الجزائر، حيث انتصرت إرادة الشعب في تنحية الرئيس بوتفليقة عن المشهد تماما"

وتابع: في حالة تجاوب الجيش السوداني مع مطالب المواطنين وإجبار البشير على إعلان عدم الترشح في الانتخابات الرئاسية المقبلة، فلن يكتفي المحتجون بذلك، بل يتوقع أن يرتفع السقف إلى تنحيته فورا، وهو سيناريو سلكته انتفاضات عربية، حيث تبدأ شرارة التظاهر بهدف أمني وحقوقي أو سياسي أو اقتصادي محدد، ثم تتصاعد وتعلن الانتقام من أقطاب النظام برمته.

وفي المجمل.. تبقى الساعات القادمة تحمل الإجابة عن الكثير من التساؤلات التي فرضت نفسها خلال الأيام الماضية، لاسيما مع التسريبات التي تخرج بين الحين والآخر بشأن تعاطف قطاع كبير داخل القوات المسلحة مع مطالب المحتجين، الأمر الذي ربما يضع مستقبل البشير على المحك.