رفع قادة حزب نداء تونس الذي يقوده نجل الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي، التجميد عن رئيس الحكومة يوسف الشاهد، في مسعى منهم إلى عودة هذا الأخير لحزبهم استعدادًا للانتخابات التشريعية والرئاسية  القادمة، خاصة بعد تصدره نوايا التصويت في "الرئاسيات"، غير أنه من المستبعد أن يعود الشاهد إلى النداء نتيجة وصول العلاقة بينهم إلى طريق مسدود.

فتح أبواب العودة

رفع التجميد جاء استجابة لطلب مؤسس الحزب الباجي قائد السبسي الذي طالب بذلك خلال افتتاحه أعمال المؤتمر الانتخابي الأول لنداء تونس، وقال السبسي، السبت، موجهًا خطابه إلى أنصاره وقادة حزبه: "أطلب منكم رفع التجميد عن رئيس الحكومة يوسف الشاهد فهو ابن النداء"، وأضاف الرئيس التونسي "هذا خير لتونس وخير للنداء، وهذا طلبي الوحيد وبودّي أن توافقوا عليه".

وجاء تأكيد رفع التجميد عن طريق الناطق الإعلامي باسم الحزب منجي الحرباوي الذي أكّد في تصريح صحفي على هامش أشغال مؤتمر النداء، أن الأخير قرر خلال الجلسة العامة الاستجابة لطلب السبسي وصادق على قرار رفع التجميد عن الشاهد، رغم أن طلب الرئيس كان مفاجئًا.

يتهم يوسف الشاهد نجل الرئيس الباجي قايد السبسي بالوقوف وراء حملة المطالبة بإقالته، وبتدمير الحزب الحاكم نداء تونس وتصدير أزمة الحزب إلى مؤسسات الدولة

سبق أن قررت الهيئة السياسية لنداء تونس تجميد عضوية رئيس الحكومة يوسف الشاهد في صفوف الحزب، وإحالة ملفه إلى لجنة النظام في 14 من سبتمبر/أيلول 2018، وذلك بعد رفضه الإجابة عن استجواب داخلي للحزب يتهمه فيه بالخروج عن الخط الحزبي.

وتضمن الاستجواب حينها، 4 أسئلة تتعلق بعلاقته بالحزب وأسباب عدم تلبيته لطلب الرئيس الباجي قائد السبسي التوجه للبرلمان لنيل ثقته، فضلًا عن علاقته بحركة النهضة، وكذلك أسئلة عن مدى مسؤوليته عن الاستقالات الأخيرة في نداء تونس وعن مشروعه السياسي الجديد وعلاقته بكتلة الائتلاف الوطني المكونة من نواب مستقلين من النداء ومشروع تونس لصاحبه محسن مرزوق.

ويعود قرار التجميد آنذاك إلى توتر العلاقات بين الشاهد والمدير التنفيذي لنداء تونس حافظ قايد السبسي - نجل الرئيس - وبلوغ الصراع بينهما ذروته، ولم يخل من كيل الاتهامات بين الطرفين وتحميل كل منهما الآخر مسؤولية تدمير الحزب.

ويتهم السبسي الابن يوسف الشاهد باستهداف ممولي الحزب وجناحه المالي للترويج لشخصه على حساب الحزب، كما يتهمه بالتمرد على نداء تونس وعدم الانضباط لمقرراته، وكان حافظ قد اتهم في أحد الاجتماعات الحزبية الداخلية رئيس الحكومة بتوظيف أجهزة الحكم ومستشاريه وبعض وسائل الإعلام المحلية لتشويه حزب نداء تونس لخدمة غايات وأجندات انتخابية سابقة لأوانها وغير مشروعة.

في مقابل ذلك يتهم يوسف الشاهد نجل الرئيس الباجي قايد السبسي بالوقوف وراء حملة المطالبة بإقالته وبتدمير الحزب الحاكم وتصدير أزمة الحزب إلى مؤسسات الدولة ما أثر عليها سلبًا، ويرى الشاهد أن أزمة النداء أثرت على مؤسسات الدولة، حيث تسربت إلى مفاصل الدولة وأصبحت تهدد المسار الديمقراطي والتوازن السياسي في تونس، معتبرًا أن وجود القيادة الحاليّة على رأس حزب نداء تونس خطر على المشروع المجتمعي للبلاد.

ولم يكن الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي بمنأى عن هذا الصراع، فقد انتصر لابنه حافظ، ودعا الشاهد صراحة للاستقالة من رئاسة الحكومة أو التوجه إلى البرلمان لإعادة نيل الثقة، معتبرًا أن حكومته فقدت الحزام السياسي الداعم لها.

احتواء الشاهد من جديد

دعوة السبسي لرفع التجميد عن الشاهد، الغاية منها وفق الصحفية والباحثة التونسية في علوم الإعلام والاتصال عائشة الغربي "إعادة حزب نداء تونس الذي تأسس صيف 2012 إلى الواجهة في ظل التشتت والانقسامات التي تخللته وكانت سببًا في إضعاف قاعدته الشعبية وتقلصها منذ انتخابات 2014".

وترى الغربي في تصريحها لنون بوست أن "النداء يعوّل في كل أزماته على كاريزما الباجي قائد السيسي وقدرته على تجميع الفرقاء، للخروج من أزمته"، وكثيرًا ما يتدخّل السبسي رغم المانع الدستوري، في حل مشاكل النداء، خوفًا من تفكك كامل للحزب الذي أسسه.

وتقول الغربي: "دعوة السبسي لرفع تجميد عضوية رئيس الحكومة الحاليّ يوسف الشاهد خلال مؤتمر نداء تونس، تأتي بعد تصدر هذا الأخير لنوايا التصويت في الانتخابات التشريعية والرئاسية القادمة، وذلك بعد إنشائه لحزبه الجديد تحيا تونس الذي يضم قيادات سابقة في نداء تونس وعلى رأسها مستشار الديوان السياسي لدى رئيس الجمهورية سليم العزابي، إضافة إلى نواب الكتلة في البرلمان".

وتضيف "كل محاولة هي في الأصل لكسب رهان انتخابي، فلا أحد يمكن أن ينكر أن نداء تونس حزب انتخابات، وهو غير مؤصل ولا يمتلك بوصلة للاستمرار واستقطاب الجماهير، فقد تشكل لسبب وحيد وهو جمع مختلف المعارضين لحركة النهضة والفوز عليها في انتخابات 2014، وهو ما حدث فعلاً ولكن هؤلاء الحلفاء فشلوا في الانتصار للحزب فتشتت لأن المصالح الضيقة أهم من مصلحة الحزب".

أمام رفع حركة نداء تونس التجميد عن عضوية يوسف الشاهد، يبقى الخيار أمام هذا الأخير إما العودة أو الرفض

بدورها، اعتبرت الصحفية التونسية شذى الحاج مبارك، دعوة الباجي قائد السبسي لرفع التجميد عن يوسف الشاهد صلب حركة نداء تونس، سعي من مؤسس النداء لاحتواء الشاهد داخل الحزب من جديد، وتقول شذى: "باحتواء الشاهد سيضمن السبسي عودة القواعد التي أخذها الشاهد لمشروعه الجديد".

وفي يناير/كانون الثاني الماضي، أعلن العشرات من نواب البرلمان التونسي والوزراء، تشكيل حزب جديد يحمل اسم "تحيا تونس" من المتوقع أن يتزعمه رئيس الوزراء الحاليّ يوسف الشاهد، في حادثة هي الأولى في البلاد، فلم يسبق لرئيس حكومة تونسي أن أسس حزبًا وهو بمنصبه.

وجاء حزب الشاهد من رحم نداء تونس، فأغلب المنتمين إليه منشقين عن الحركة التي أسسها الرئيس الحاليّ للبلاد الباجي قائد السبسي، صيف 2012، لينضاف بذلك إلى قائمة الأحزاب التي ولدت من رحم هذه الحركة التي تصدرت المشهد السياسي في البلاد لفترة وجيزة ثم دبت فيها الخلافات فانقسمت واضمحلت.

صعوبة لمّ الشمل

أمام رفع حركة نداء تونس التجميد عن عضوية يوسف الشاهد، يبقى الخيار أمام هذا الأخير إما العودة إلى الحزب الذي منحه كرسي قصر الحكومة بالقصبة أو البقاء في الحزب الذي أسسه حديثًا ويبتغي من خلاله كرسي الرئاسة بقرطاج.

وترى الصحفية شذى الحاج مبارك صعوبة التحاق الشاهد مجددًا بحزب السبسي، وتقول في هذا الشأن لنون بوست: "لا أتصور أن يتخلى الشاهد عن مشروعه السياسي الجديد خصوصًا بعد نجاحه في ضم عدد واسع من الأنصار وتجلى ذلك من خلال عدد الحاضرين في اجتماعاته التي نظمها حزبه الناشئ بعدد من جهات البلاد".

وأضافت الحاج مبارك "سيتمسك الشاهد بتحيا تونس، وسيواصل مشواره السياسي بعيدًا عن حركة نداء تونس، خاصة أنه أصبح شخصًا غير مرغوب فيه من العديد من القيادات الندائية رغم كونه ابن الحركة".

يسعى الشاهد للفوز بالانتخابات القادمة

غير أن شذى لم تستبعد نهائيًا عودة الشاهد إلى حضن النداء مجدّدًا نظرًا للعديد من المؤشرات، حيث رأت أيضًا إمكانية اندماج الشاهد مع حركة نداء تونس في الفترة المقبلة لتكوين جبهة انتخابية واحدة تواجه حركة النهضة التي تعتبر المرشح الأبرز للفوز بالانتخابات القادمة.

وتقول الصحفية التونسية: "كل ما يحدث من تطورات على الساحة السياسية الآن في تونس على علاقة مباشرة بالاستعداد للاستحقاقات الانتخابية سواء منها الرئاسية أم التشريعية، وطبيعي جدًا أن تتشكل أحزاب جديدة أو تسعى أحزاب لتكوين جبهات وتسعى أحزاب أخرى لتخطي الصراعات ولو مؤقتًا حتى تظفر بالانتخابات".

بدورها، أكدت الباحثة في الإعلام والاتصال عائشة الغربي "صعوبة تخلي الشاهد بسهولة عن مولوده السياسي الجديد، خاصة نجاحه في توسيع قاعدته، خاصة أن قيادات حزبه لا ترحب بالفكرة"، مع ذلك رأت الغربي إمكانية تفكير الشاهد في أن يصبح مرشح العائلة الوسطية الحداثية ويعود إلى أحضان النداء متخليًا عن النهضة.