يحاول الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، جاهدًا، النأي بفرنسا عن العملية العسكرية التي بدأها حليفه في ليبيا اللواء المتقاعد خليفة حفتر، رغبة في احتلال العاصمة طرابلس، حتى لا يظهر كأنه ضد الإجماع الدولي الداعم لحكومة الوفاق الوطني المنبثقة عن اتفاق الصخيرات قبل نحو ثلاث سنوات ونصف من الآن، غير أن هذه المساعي باءت بالفشل إلى حد اللحظة لعمق التورط الفرنسي في دعم حفتر عسكريًا ودبلوماسيًا.

تطمينات فرنسية

أكدت السفارة الفرنسية في ليبيا، أمس الإثنين، في تغريدة لها على موقعها الرسمي على توتير، لقاء سفيرة باريس لدى ليبيا بياتريس دوهليلين، بناء على طلب منها، وزير الداخلية في حكومة الوطني بليبيا فتحي باشاغا، حيث تم إعادة التأكيد على دعم فرنسا لحكومة الوفاق، ولا أجندة خفية في ليبيا.

وقبل ذلك، أفادت وكالة "رويترز" نقلاً عن مصدر في الرئاسة الفرنسية بأن باريس لم تتلق إخطارًا مسبقًا بالعملية التي شنتها قوات المشير خليفة حفتر في ليبيا، وأنه ليس لديها أي أجندة خفية، وقال مصدر دبلوماسي في الرئاسة أمس الإثنين: "فرنسا ليس لديها أي إخطار مسبق عن تقدم قوات القائد خليفة حفتر باتجاه العاصمة طرابلس، وفرنسا لا تحاول تهديد وتقويض عملية السلام في البلاد سرًا".

تبتغي باريس من خلال هذه التطمينات تأكيد حيادها والتزامها بالشرعية الدولية التي تساند حكومة الوفاق الوطني التي يقودها فائز السراج

المصدر قال أيضًا: "الحاجة العاجلة في ليبيا الآن هي لحماية السكان المدنيين ووضع حد للقتال وعودة جميع الأطراف الأساسية إلى الحوار"، مشددًا أن فرنسا ليس لديها أي "أجندة خفية"، وأكد أيضًا أن فايز السراج  رئيس حكومة الوفاق الوطني يجب أن يبقى اللاعب الأساسي، وعليه أن يحتوي ويدير العملية السياسية التفاوضية.

في غضون ذلك، تلقى رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني السيد فائز السراج أمس الإثنين مكالمة هاتفية من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وتناولت المكالمة، وفق بيان صادر عن المجلس "مستجدات الوضع الأمني، وتداعيات العدوان الذي تتعرض له العاصمة طرابلس وعدد من المدن الليبية الأخرى، حيث أعلن الرئيس الفرنسي رفضه الكامل لمهاجمة العاصمة وتهديد حياة المدنيين وضرورة وقف هذا الهجوم".

وخلال حضوره اجتماع لمجموعة الدول الصناعية السبعة في مدينة دينار شمال غرب فرنسا، قال وزير الخارجية الفرنسية جان إيف لودريان: "في ليبيا لا مكان للانتصار العسكري، الانتصار لن يكون إلا سياسيًا"، كما دعا سفير فرنسا لدى الأمم المتحدة فرانسوا ديلاتر، الجمعة، جميع الأطراف في ليبيا إلى الامتناع عن التصعيد.

وقال ديلاتر في تصريحات للصحافيين قبيل انعقاد جلسة مغلقة لمجلس الأمن عن ليبيا: "في الوقت الذي أتحدث لكم فيه، فإن قوات خليفة حفتر تقترب أكثر وأكثر من طرابلس"، وأضاف: "ندعو كل الأطراف إلى وقف التصعيد الذي سيأخذ البلاد مجددًا إلى الفوضى".

وأكد السفير الفرنسي دعم بلاده لجهود الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، ومبعوثه الخاص غسان سلامة، الرامية لإنهاء الوضع الحاليّ إطلاق زخم سياسي، وأردف قائلاً: "نطالب جميع الأطراف للعمل بشكل إيجابي، ونؤكد ضرورة عقد المؤتمر الوطني الجامع في موعده باعتباره حجر أساس، مع التشديد على أنه لا يوجد حل عسكري للأزمة".

دعم سخي لحفتر

هذه التطمينات التي تحاول السلطات الفرنسية تقديمها منذ بداية الحملة العسكرية لحفتر ضد طرابلس، الخميس الماضي، تبتغي من خلالها السلطات في باريس تأكيد حيادها والتزامها بالشرعية الدولية التي تساند حكومة الوفاق الوطني التي يقودها فائز السراج.

وبالنظر إلى علاقة باريس واللواء المتقاعد خليفة حفتر منذ عودته إلى ليبيا، يتبين زيف هذه التطمينات، فالسلطات الفرنسية لم تدخر جهدًا لدعم حفتر في جميع الخطوات التي قام بها رغم يقينها التام بتهديده للاستقرار في ليبيا، فكلما تراجعت مكانة حفتر في البلاد، وجد الدعم من "صديقه" الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي يدعي لعب دور الوسيط المحايد في الأزمة الليبية.

وما فتئت فرنسا تدعي الحياد ووقوفها على مسافة واحدة بين جميع الفرقاء الليبيين، وتقود الوساطات بينهم، وآخرها احتضانها لمؤتمر دولي برعاية الأمم المتحدة، التقى خلاله الأطراف الليبية المتنافسة واتفقوا على خريطة طريق تهدف إلى حل القضايا المتنازع عليها لتمهيد الطريق لإجراء انتخابات تدعمها الأمم المتحدة قبل نهاية 2018.

غير أن موقفها على الأرض كان عكس ذلك، فباريس لا تخفي دعمها اللواء المتقاعد خليفة حفتر الذي تتهم قواته بارتكاب جرائم حرب، على حساب رئيس الوزراء المعترف به أمميًا فايز السراج الذي تسيطر قواته على العاصمة الليبية طرابلس وعلى غرب البلاد.

تأمل باريس في الحصول على النصيب الأكبر من السوق الليبية وتأمين أسواق مستقبلية لإصلاح اقتصادها المتردي

رغم تأكيدها المتواصل على ضرورة الحفاظ على الاستقرار في شمال إفريقيا وبلدان الساحل، والحرب على الإرهاب والخوف من تحول ليبيا إلى بيئة رئيسية حاضنة لـ"داعش" والتنظيمات الإرهابية المختلفة، تعمل فرنسا على دعم أكبر الميليشيات المسلحة في ليبيا، وهي قوات الكرامة التي تكن العداء لحكومة الوفاق.

وكشفت العديد من التقارير الإعلامية والاستخباراتية الدولية، مشاركة جنود فرنسيين وطائرات فرنسية مقاتلة إلى جانب قوات الكرامة التي يقودها حفتر في العديد من المعارك التي قادتها في ليبيا، من ذلك معركة درنة، ومعارك الجنوب.

ويساهم التدخل العسكري الفرنسي المتنامي في ليبيا في مزيد من تعقيد العملية السياسية في هذا البلد العربي الذي يشكو من فوضى السلاح والإرهاب وتجارة البشر، ويؤكد العديد من الليبيين أن التدخل الفرنسي في بلادهم غير مبرر، فهي لا تملك حق التدخل في ليبيا سواء أكان تدخلاً عسكريًا مباشرًا أم غير مباشر.

ولم يكن دعم فرنسا لحفتر عسكري فقط، بل دبلوماسي أيضًا، فدائمًا ما تصر السلطات الفرنسية على وجود حفتر، وهو الذي يفتقد لأي شرعية، في الاجتماعات التي احتضنتها باريس لبحث سبل إيجاد حل للأزمة الليبية المتواصلة منذ سنوات.

حفتر.. مطية فرنسا للانفراد بالثروات الليبية

يرى حكام قصر الإليزيه أن وجود خليفة حفتر في أعلى هرم السلطة في ليبيا، سيمكنهم من الانفراد بالثروات الليبية، ذلك أنهم يعتقدون أن التعامل مع ديكتاتوريين وأشخاص أقوياء كجنرالات الجيش والأمن الذين يستطيعون فعل أي شيء دون مراعاة القانون، أفضل من التعامل مع حكومات هشة منتخبة بصورة ديمقراطية.

تأمل فرنسا في الحصول على النصيب الأوفر من النفط الليبي

يؤكد العديد من المتابعين للشأن العام في ليبيا، أن باريس مأخوذة في ليبيا بمطامع تاريخية في الجنوب الليبي الذي كان ضمن مستعمراتها في شمال إفريقيا، كما أنها تنظر إلى تمدد الجماعات المسلحة على أنه أحد أكبر التهديدات لأمنها الاقتصادي في منطقة الصحراء الكبرى التي تنشط فيها كبريات الشركات الفرنسية بحثًا عن الذهب واليورانيوم والنفط.

فضلاً عن ذلك تبحث فرنسا، وفق مراقبين، عن نفوذ فقدته في المنطقة، وضمان موطئ قدم واضح وثابت على مستوى الملف الليبي، كما أن باريس تسعى من خلال الملف الليبي إلى العودة لشمال إفريقيا والإمساك بزمام الأمور هناك.

تأمل باريس في الحصول على النصيب الأكبر من السوق الليبية وتأمين أسواق مستقبلية لإصلاح اقتصادها المتردي، في ظل المنافسة مع العديد من القوى الإقليمية في ليبيا خاصة بمجال النفط، فليبيا تحتوي على ثروات هائلة من النفط وتقدر احتياطاتها بنحو 46.6 مليار برميل، وهي الأكبر في إفريقيا.