منافسة قوية بين مرشحي الانتخابات الإسرائيلية

توجه الناخبون الإسرائيليون صباح اليوم إلى صناديق الاقتراع لاختيار 120 نائبا للكنيست (البرلمان) في انتخابات تعد الأشرس خلال العقدين الأخيرين حيث يواجه حزب الليكود الحاكم اختبارا شعبيا صعبا أمام عدد من الأسماء الجديدة التي يتمتع بعضها بشعبية ربما تهدد مستقبل رئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو.

رهانات عدة على تلك الانتخابات في الإبقاء على نتنياهو كرئيس للوزراء في ظل اتهامات الفساد التي تلاحقه أو استبداله بشخصية اخرى ربما يكون الأقرب لها قائد عسكري سابق، حديث العهد في السياسة، هو بيني غانتس، الذي يعد خصماً لا يُستهان به في هذا الماراثون.

اللافت للنظر في هذه الانتخابات تقارب حظوظ الأحزاب المتنافسة وهو ما يجعل من التنبؤ بالنتائج مبكرًا أمرا غاية في الصعوبة، وإن ذهبت استطلاعات الرأي إلى ترجيح كفة الليكود بفضل الانجازات التي تحققت مؤخرًا على يد الحليف الأمريكي، تلك الخطوات التي نسبها نتنياهو لنفسه مستندا عليها في دعايته الانتخابية.

منافسة حامية

من المرات القليلة التي يشارك في الانتخابات التشريعية أسماء بهذا الثقل في المشهد السياسي العبري، على رأسها نتنياهو الذي يحارب من أجل البقاء، إذ أنه لو خرج  منتصرا من المعركة الإنتخابية، سييتجاوز بذلك الراحل ديفيد بن جوريون كأكثر رئيس وزراء احتفظ بمنصبه في تاريخ اسرائيل. فقد تمكن من الفوز بثلاث مدد انتخابية منذ عام 2009، بالإضافة إلى رئاسته الحكومة في الفترة ما بين 1996 و 1998.

زعيم حزب الليكود استند في معركته من أجل البقاء إلى تقديم نفسه على أنه المرشح الوحيد المؤهل لحماية أمن اسرائيل وادارة علاقاتها الدولية، وأثناء رئاسته الوزارة وفي حملته الانتخابية، يرسم صورة لإسرائيل على أنها تواجه تهديدات منظمة من قبل إيران، وحزب الله اللبناني، وحركة حماس.

وفي المقابل يأتي القائد العسكري المخضرم بني غانتس كمنافس قوي لنتنياهو، مروجا لما توصف بقدراته الأمنية كرئيس سابق لأركان الجيش الإسرائيلي، ساعده في ذلك ما يتمتع به من مؤهلات ربما تقنع الناخب العبري، فالرجل وهو أحد أبناء الناجين من المحرقة اليهودية، تربى في مجتمع ريفي. وتقلد عدة مناصب مهمة في الجيش خلال خدمته التي امتدت عبر 38 عاما، وشملت هذه المناصب قائد القوات الإسرائيلية في جنوب لبنان أثناء الإنسحاب في عام 2000 ، وقائد القوات في الضفة الغربية المحتلة في بداية الانتفاضة الفلسطينية الثانية، كما عمل رئيسا للأركان من 2011 إلى 2015.

شكل تحالف تحت مسمى "تحالف أزرق وأبيض" نسبة إلى ألوان العلم الإسرائيلي، في شهر فبراير/ شباط مع يائير لبيد، زعيم الحزب الوسطي "يش آتيد"، ورئيسين سابقين لأركان قوات الدفاع الإسرائيلية، موشيه يعلون وجابي أشكينازي، وتعهد بتقديم طريقة مختلفة في إدارة الحكومة الإسرائيلية وإنهاء ما وصفه بالأسلوب الخطابي الإستقطابي لنتنياهو.

القائد العسكري بني غانتس

استند غانتس في حملته الدعائية إلى الحديث بلهجة حادة ضد إيران وكرر نفس مواقف رئيس الوزراء الإسرائيلي بخصوص النزاع الفلسطيني الإسرائيلي، وتجنب ذكر حل الدولتين، كما نفى الإنسحاب، أحادي الجانب، من الضفة الغربية المحتلة متعهدا بتعزيز بناء المسوطنات هناك والحفاظ على حرية حركة القوات الإسرائيلية في الضفة، وهي المداخل التي ربما يستميل بها أصوات اليمينيين.

هذا إضافة إلى تحالف ما يسمى باليمين الجديد، وزيرا التربية والعدل في الحكومة الإسرائيلية، نافتالي بينيت وآيليت شاكيد، حيث تركا حزب "البيت اليهودي" المناصر لبناء المستوطنات في ديسمبر/كانون الأول الماضي من أجل تشكيل حزبهما "اليمين الجديد"، الذي يعمل لإجتذاب الناخبين من العلمانيين والمتدينيين، ويقدم نفسه بديلا لنتنياهو.

تبنى الوزيران سياسات حادة تجاه الفلسطينيين. وانتقد بينيت نتنياهو لعدم استخدام الأخير القوة الكافية ضد مسلحي حماس في غزة، كرد فعل تجاه الهجمات بالصواريخ ضد تجمعات إسرائيلية، كما أقسما على "الحاق الهزيمة" بحماس لو فاز تحالفهما بالإنتخابات، وأعلن عن خطة ذات خمس نقاط من بينها "قصف جوي لحماس" و"اغتيالات محددة" لقادة الحركة بالإضافة إلى "نزع السلاح بشكل دائم" من قطاع غزة.

أبرز ما يميز خارطة الدعاية للانتخابات الحالية المواجهة الصعبة بين الخطاب الشعبوي الذي يتنباه نتنياهو والأمني الذي يعتمد عليه منافسه الأقوى غانتس

ثم يأتي موشيه فيغلين، الملقب بالحصان الأسود للانتخابات، والذي أعلن مشاركة حزبه "زيهوت" في العملية الانتخابية، علما بأن أكثر ما عرف به السياسي المتمرد هو تأييده لتشريع القنب (الحشيش)، كما أن لديه خليط من وجهات النظر الليبرالية والقومية المحافظة.

بدأ مشواره السياسي في حزب الليكود، ويرى حال فوزه في الانتخابات تقليل عدد الوزارات بشكل كبير ،وتغيير نظام التعليم الحكومي ليكون أقرب إلى التعليم الخاص. كما أنه يؤيد إنهاء تسجيل الزواج من خلال مقر الحاخامية، ما يسمح لأي شخص أن يتزوج من أي شخص آخر ويشمل ذلك المثليين. ليس هذا وحسب، بل طالب فيغلين بمساعدات عسكرية أمريكية لإسرائيل وإنهاء التجنيد الإلزامي للجيش الإسرائيلي.

هذا بخلاف مواقفه المتشددة تجاه الفلسطينيين، وتأييده لإلغاء اتفاقية أوسلو وضمَّ الضفة الغربية، ومنح الفلسطينيين خيار الهجرة أو البقاء كمقيميين دائمين، كما يدعو إلى نقل مكاتب الحكومة الإسرائيلية إلى القدس الشرقية.

الشعبوية في مواجهة الأمن

أبرز ما يميز خارطة الدعاية للانتخابات الحالية المواجهة الصعبة بين الخطاب الشعبوي الذي يتنباه نتنياهو والأمني الذي يعتمد عليه منافسه الأقوى غانتس، حيث انخرط رئيس الوزراء في خطاب سياسي شعبوي طوال حملته اللاذعة التي يقول مراقبون إنّها بلغت حدّ شيطنة العرب الإسرائيليين وغيرهم.

 وكما هو متوقع، أصدر نتانياهو تعهّداً مثيراً للجدل قبل ثلاثة أيام فقط من الانتخابات حول اعتزامه ضمّ مستوطنات في الضفة الغربية في حال فوزه، ويُمكن لتوسيع السيادة الإسرائيلية في الضفة الغربيّة أن يكون بمثابة رصاصة الرحمة على ما تبقّى من آمال متلاشية بحل الدولتين مع الفلسطينيين. ولطالما سعى اليمين المتشدد في إسرائيل إلى خطوة كهذه. 

الخطاب الشعبوي الذي اعتمد عليه نتنياهو سعى إلى تصدير نفسه على أنّه رجل الدولة الأساسي في إسرائيل، والتقى خلال فترة الحملات الانتخابية حليفه المقرّب الرئيس الأميركي دونالد ترامب، إضافة إلى الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والبرازيلي جاير بولسونارو. وسلّط نتانياهو الضوء علىى اعتراف ترامب بالقدس عاصمةً لإسرائيل، واعترافه بالسيادة الإسرائيليّة على مرتفعات الجولان، وقال إنّ الرئيس الأميركي كان على دراية بمخططاته لضمّ الأراضي.

من المرجح أن يكون نتنياهو قادراً على تشكيل تحالف أكثر من قدرة غانتس على ذلك، لارتباطه بعلاقة جيدة مع أحزاب الجناح اليميني الأخرى والأحزاب الدينية

وعلى الجهة الأخرى فقد استند غانتس البالغ 59 عاماً والذي شكّل تحالفاً وسطيّاً لتحدّي نتانياهو، إلى مزاعم الفساد ضدّ رئيس الوزراء لإثبات أنّ أوان رحيله قد آن، واصفا تعهّد نتانياهو بضمّ المستوطنات بأنه محاولة "غير مسؤولة" للحصول على أصوات الجناح اليميني.

غانتس اعتمد على البعد الأمني في خطابه، مبديا تأييده لتفعيل اتفاق سلام مع الجانب الفلسطيني لكن وفق الشروط العبرية، إذ يقول إنّه يفضّل "اتّفاق سلام مدعوم دولياً" يلحظ احتفاظ إسرائيل بكتل استيطانيّة كبيرة في الضفة الغربيّة وبالسيطرة الأمنية على المنطقة، لافتاً إلى معارضته أيّ خطوات أحاديّة.

الجنرال الصهيوني يسعى إلى تخطي خبرة منافسه من خلال التحالف مع رئيسي أركان سابقين للجيش إضافة إلى وزير المال السابق يائير لابيد لتشكيل تحالفه "الأزرق والابيض"، مؤكدًا أن كيانه المحتل بحاجة إلى التغيير وأن الانتخابات الحالية هي الفرصة المواتية لذلك.

منافسة قوية بين المرشحين

الليكودي الأكثر حظا

ما يقرب من 6.3 مليون ناخب عبري من مختلف الجماعات الدينية والعرقية سيحددون مستقبل الحكومة القادمة، على رأسهم الحريديم، وهم جماعة من اليهود الأورثودكس المتشددين، يزيد على المليون نسمة،كما يشكل العرب نحو خمس سكان البلاد، بيد أن مسوح أعداد الناخبين تشير إلى أن أقل من نصف من يمتلكون حق التصويت منهم يعتزم المشاركة بالتصويت في هذه الانتخابات.

استطلاعات الرأي تذهب إلى تساوي فرص المتنافسين الرئيسيين، ويتوقع أن يفوز كلاهما بنحو 30 مقعدا في الكنيست، غير أن أخرى تشير إلى أن النظام السياسي الإسرائيلي الذي يتصف بكثرة الأحزاب وتفتت أصوات الناخبين، يذهب بالميزة النسبية لصالح نتنياهو، إذ من المرجح أن يتمكن من تشكيل حكومة ائتلافية جديدة، وذلك حسبما يقول توم بيتمان مراسل بي بي سي في القدس.

بيتمان في تقرير له يشير إلى عدد من الخطوات التي اتخذها نتنياهو لتعزيز موقفه، منها عقده صفقة في فبراير/ شباط الماضي، تسهل على المرشحين من الجناح اليميني المتطرف دخول الكنيست، بجانب مغازلته قاعدة الناخبين اليمينيين، المتزايدة في إسرائيل، برسائل قوية حول الأمن، وتعهده مؤخرا باقتطاع مزيد من المستوطنات اليهودية، في الضفة الغربية المحتلة، في حال فوزه بالانتخابات.

وعليه يذهب بعض المحللين إلى أن من المرجح أن يكون نتنياهو قادراً على تشكيل تحالف أكثر من قدرة غانتس على ذلك، لارتباطه بعلاقة جيدة مع أحزاب الجناح اليميني الأخرى والأحزاب الدينية، إلا أن أخرين يعتبرون الجزم بفوز مرشح دون أخر قبيل إعلان النتائج الرسمية استباق للأحداث التي يبدوا أنها أكثر سخونة مما يعتقد البعض.