ترجمة حفصة جودة

منذ أكثر من يومين يعتصم آلاف المحتجين في السودان داخل مقر القوات المسلحة السودانية وسط الخرطوم، مطالبين الجيش بالتدخل لدعم الانتفاضة الشعبية المستمرة منذ 4 أشهر، يتزامن احتلال المقر مع أكبر مظاهرة خرجت ضد النظام يوم 6 أبريل حيث انطلق الآلاف في الشوارع يهتفون بشارع الثورة الرئيسي "تسقط بس".

جزء مهم

يصادف يوم 6 أبريل اليوم الذي أعلنت فيه القوات المسلحة - في آخر ثورة شعبية للبلاد عام 1985 - وقوفها بجانب الشعب، لذا يبدو أن هذا الاعتصام تم بمساندة جزء مهم من الضباط والرتب في الجيش.

وفي صباح 8 أبريل اشتبك الجنود خارج مقر الجيش مع قوات الأمن والمليشيات التابعة للنظام في أثناء محاولتهم فض اعتصام المتظاهرين، مما أدى إلى مقتل اثنين من أفراد الجيش.

في آخر ثورتين بالبلاد أطاحتا بأنظمة استبدادية عامي 1964 و1985 قدم الجيش دعمًا مهمًا للمتظاهرين، وفي كلتا الحالتين كان هناك تعاون وتنسيق بين المجموعات المهنية التي تقود الاعتصام والمعارضين في الجيش.

كان عمل تلك الجماعات المهنية يشبه بشكل ما عمل ما يعرف الآن بتجمع المهنيين السودانيين التي قامت في نهاية الأسبوع بمحاكاة أسلافها ودعت إلى إعلان إضراب عام في السودان وطالبت بدعم الجيش للثورة.

سخط الراديكاليين

في عام 1964 رفض أعضاء منظمة الضباط الأحرار الذين تربطهم علاقة وثيقة بالجماعات الاشتراكية اليسارية العربية إطلاق النار على المتظاهرين، وفي 1985 قامت جماعة أخرى تحمل نفس الاسم بدور مشابه في تأكيد أن الجيش لا يستهدف الاحتجاجات الشعبية.

ما يدفع قيادة الجيش الآن للوقوف بجانب النظام رغبته في الحفاظ على الحكومة التي تخصص الغالبية العظمى من ميزانيتها لقطاع الدفاع

تشكلت كلتا المنظمتين من ضباط معارضين راديكاليين من رتب صغيرة، لكنهم كانوا على علاقة برتب مهمة في القيادة، ومع ذلك ففي المرتين لم يقم الضباط الأحرار بقيادة عملية الانتقال إلى الديمقراطية.

ففي 1964 أقنعت الرتب الوسطى والعليا الرئيس والقائد الأعلى للقوات المسلحة إبراهيم عبود بحل الحكومة التي يقودها الجيش، وفي 1985 أقام القائد الأعلى للقوات المسلحة عبد الرحمن سوار الذهب الرئيس العسكري جعفر النميري وأسس مجلس عسكري انتقالي.

نموذج مشابه

في الثورة الحاليّة التي دامت لفترة أطول من سابقتيها هناك القليل من العلامات التي تقول بأن نمطًا مشابهًا من ضغط الرتب الصغيرة وتدخل الرتب الكبيرة قد يعيد نفسه، فربما فشل القائد الأعلى للقوات المسلحة كمال عبد المعروف الماحي وبقية الرتب العليا في منع الضباط من دعم المتظاهرين في مقر الجيش، لكنهم لم يظهروا أي ميل للانضمام لهم.

قد يكون سبب رفض قيادة الجيش تحدي النظام عائدًا إلى حملة التطهير والتلاعب في قيادة الجيش التي قام بها عمر البشير بعد انقلابه الإسلامي عام 1989، حيث استبدل معظم الضباط الكبار بآخرين مخلصين لإيدولوجية الجبهة الإسلامية الوطنية.

على كل حال فقد انقسم الإسلاميون اليوم وفقدوا الكثير من الغطرسة التي تسببت في المشروع الحضاري الكارثي في التسعينيات، وما يدفع قيادة الجيش الآن للوقوف بجانب النظام والمنظمة الأمنية ليس التزامًا إيدولوجيًا بقدر ما هو خوف من الاتهام بأن له دور في جرائم الحرب المتعددة المتهم بها النظام، كذلك رغبته في الحفاظ على الحكومة التي تخصص الغالبية العظمى من ميزانيتها لقطاع الدفاع.

في عام 1985 وصل التنافس بين الجيش والمنظمة الأمنية للنميري "SSO" إلى درجة عالية، وخلال يومين من اتخاذ قادة الجيش قرارهم بالوقوف إلى جانب الشعب يوم 6 أبريل، تمكن الجيش من احتلال مقر "SSO" بسرعة ودون إراقة دماء وتفكيك المنظمة.

متظاهرون يرفعون علامة النصر على مركبة عسكرية أمام مقر قيادة الجيش

قام الجيش كذلك بحل الحزب الحاكم ومنع النميري من العودة إلى البلاد، وكانت النتيجة انتقالاً سهلاً للسلطة وتأسيس ديمقراطية متعددة الأحزاب خلال عام، وبجانب السيطرة على الثورة الشعبية تمكنت القيادة العسكرية من قمع تطلعات عدد من الضباط المتطرفين.

الإنذار الأخير

بعد 34 عامًا من ذلك وفي يوم 8 أبريل تواجه الرتب الصغرى من الجيش النظام وقواته الأمنية في الشوراع، لكن لا يبدو أن النتائج ستكون بالضرورة حاسمة وفورية، تأتي هذه الأحداث عقب الإنذار الذي وجهته منظمة تُدعى "فخامة القوات المسلحة" إلى قيادة الجيش وأعلنت أنه إذا لم تقف قيادة الجيش بجانب الثورة الشعبية خلال 24 ساعة فإن الضباط الصغار والعساكر سينزلون إلى الشوارع بملابسهم العكسرية الرسمية ويدعمون الثورة.

هناك عدة سوابق لتشكيلات سياسية في الجيش لمواجهة القيادة العليا، فقد حدث ذلك خلال انقلابي 1969 و1989 عندما قامت خلايا إيدولوجية داخل الجيش - مثل منظمة الضباط الأحرار - بالإطاحة بالديمقراطيات الناتجة عن الثورتين الشعبيتين في 1964 و1985.

انتقال مختلف للسلطة

إذا اندلعت الثورة الآن ضد قيادة الجيش مع وصول الثورة الشعبية إلى ذروتها، فقد يحدث انتقال مختلف تمامًا للسلطة وربما سيكون الصراع أكثر حدة مع القوات الأمنية الأخرى، فثورة ضباط الجيش الصغار تعكس انقسام الأجيال في الثورة بأكملها، حيث تدعو الأصوات الشابة إلى انتقال جذري للنظام الاجتماعي القائم.

من وجهة نظر الديمقراطيين السودانيين فهناك مخاطرة سواء وقفت القيادة الحاليّة أو قوة جديدة داخل الجيش، بجانب الشعب، فربما يسرقون الثورة وعملية الانتقال للحفاظ على امتيازاتهم التي يحصل عليها الجيش منذ 30 عامًا من الحكم الاستبدادي.

وكانت تصرفات الجيش المصري بعد الثورة الشعبية في مصر بمثابة تحذير للثورة السودانية، لكننا نأمل أن يكون ما حدث في آخر ثورتين عامي 1964 و1985 هو الاحتمال الأقرب.

المصدر: ميدل إيست آي