عُقدت بالأمس ستة مؤتمرات صحفية في آن واحد من أجل إطلاق الخبر التاريخي الخاص برؤية أول صورة حقيقية يراها الإنسان لثقب أسود يقع في مركز مجرة M87 على بعد نحو 55 مليون سنة ضوئية عن الأرض، وتقدر كتلته بأكثر من 6.5 مليار كتلة شمسية، إذ نجح تلسكوب أفق الحدث أو ما يُطلق عليه "إيفينت هورايزون" وهو مشروع دولي مشترك بدأ خلال عام 2012 في التقاط الصورة وذلك باستخدام شبكة عالمية من أجهزة التلسكوب المتمركزة في الأرض.

تلسكوب أفق الحدث.. كيف التقط الصورة؟

بداية جاءت تسمية تلسكوب أفق الحدث من المكان نفسه الذي يحيط بالثقب الأسود، حيث يفقد الضوء القدرة على الهرب وحالما يتجاوز جسيم أفق الحدث فإنه لا يستطيع المغادرة أبداً لأن قوى الجاذبية هائلة جدًا في تلك المنطقة، وعليه فإن كل ما يحدث داخل حدود الثقب الأسود من المستحيل معرفتها، ولمحاولة معرفة ما يحدث هناك نحتاج إلى تلسكوب أفضل من هابل الفضائي بنحو 1000 مرة وهو أمر مستحيل، لكن في عام 2016 راودت علماء الفلك فكرة عبقرية، فماذا لو استخدمنا المراصد الموجودة عوضًا عن استخدام تلسكوب جديد؟

وبالفعل بدأ فريق أفق الحدث البحثي في استخدام 8 مراصد موجودة بالفعل في دول مختلفة منها مرصد في صحراء أتاكاما التشيلية وواحد في هاواي وآخر في المكسيك وهناك أيضًا  في جبال أريزونا وسييرا نيفادا الإسبانية والقارة القطبية الجنوبية، واستكمالاً لتنفيذ الفكرة فقد كان من المفترض أن يتم ربط المراصد جميعًا على هيئة شبكة عملاقة تعمل كمرآة تلسكوب عملاق بعمق نحو 10 آلاف كيلومتر ناحية الثقب الأسود بتقنية خاصة تُسمى "مقياس التداخل ذي خط الأساس الطويل جدًا – VLBI"، وكل المطلوب هو أن تعمل جميع المراصد في أوقات متزامنة بدقة متناهية وباستخدام ساعات ذرية مترابطة معًا وفي النهاية سنحصل على صورة واضحة المعالم لما يحدث في منطقة الثقب الأسود.

مع مطلع عام 2018 بدأت عملية تحليل بيانات المراصد من فريق متخصص من الخبراء والمحللين مكون من 200 شخص عملوا حينها على دراسة وتحليل المعلومات حتى وصلت إلينا الصور التي رأيناها اليوم 

بمجرد توصيل المراصد معًا بدأت عملية تلقي المعلومات، إذ وصل حجم البيانات التي تلقاها مرصد واحد فقط نحو بيتابايت أي ما يقدر بمليون جيجابايت من البيانات والمعلومات وهي كمية مهولة، وعليه تم إرسال وسائط تخزين البيانات إلى مرصد هايستاك بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا بالولايات المتحدة ومعهد ماكس بلانك في مدينة بون بألمانيا، ولكن حدثت مشكلة صغيرة وهي أن مرصد من الثمانية كان يقع في القارة القطبية المتجمدة وبما أن كمية البيانات رهيبة فمن المستحيل إرسالها عبر الإنترنت ولذا كان لزامًا على فريق البحث أن ينتظر موعد انطلاق رحلات الطيران إلى مكان المرصد وهو الأمر الذي لم يحدث إلا في 13 من ديسمبر 2017.

مع مطلع عام 2018 بدأت عملية تحليل بيانات المراصد من فريق متخصص من الخبراء والمحللين مكون من 200 شخص عملوا حينها على دراسة وتحليل المعلومات حتى وصلت إلينا الصور التي رأيناها اليوم التي لا يقتصر إنجازها العلمي على مجرد الالتقاط فقط ولكن أيضًا على معجزة حدوث التقاط الصور في مجرة تبعد عن الأرض بنحو 55 مليون سنة ضوئية.

ما الثقوب السوداء؟

حين تموت نجوم السماء المضيئة تنهار مكوناتها من الأشعة والغاز وينضب وقودها من الهيدروجين فتفقد توازنها ثم تبدأ بالتقلص تحت تأثير الجاذبية وتتحول إلى مستعر أعظم يُطلق عليه اسم سوبرنوفا ثم تتحول إلى ثقوب سوداء.

جاذبية تلك الثقوب السوداء هائلة ولا يمكن تصورها، إذ من المستحيل لأي شيء أن يمر بالقرب منها، حيث تلتهم الثقوب السوداء كل الكواكب والنجوم حتى الضوء لا يمكنه الخروج من تلك الثقوب، ولهذا أُطلق عليها اسم السوداء فهي لا تشع ولا ترسل أي ضوء.

بشكل أكثر تفصيلاً قام العالم بيير سيمون لابلاس بعمل المزيد من الأبحاث عن النجوم المظلمة وتوقع أن يكون قطر هذه النجوم في حال كانت كتلتها مساوية لكتلة الشمس 6 كيلومتر

بدأ تاريخ الثقوب السوداء خلال عام 1784 حين كان العالم الجيولوجي جون ميتشيل يفكر في نظرية نيوتن للجاذبية، ففي إحدى محاضراته داخل قاعة الجمعية الملكية في لندن تحدث ميتشل مع طلابه عن النجوم المظلمة فأخبرهم أنه في حال كان لدينا نجم ضخم للغاية ولديه جاذبية مهولة فإن ضوء هذا النجم لن يصل إلينا أبدًا.

وبشكل أكثر تفصيلاً قام العالم بيير سيمون لابلاس بعمل المزيد من الأبحاث عن النجوم المظلمة وتوقع أن يكون قطر هذه النجوم في حال كانت كتلتها مساوية لكتلة الشمس 6 كيلومتر، وبعد الثورة المعرفية الهائلة التي طالت مجال الفيزياء في القرن العشرين صاغ عالم الفلك الألماني كارل شفارتزشيلد فكرة النجوم المظلمة بشكل أكثر تنظيمًا، حيث ذكر أن انضاغط جسم ذو حيز هائل إلى نقطة مفردة سيؤدي بالضرورة إلى تغيير نسيج الفضاء حوله بشكل لن يسمح للضوء بالإفلات، ولكي يتسنى للضوء الخروج يجب أن يكون على بعد معين يجب أن يتجاوزه، وضع له مقياس فيما بعد أُطلق عليه اسم "أفق الحدث" أو فوهة الثقب الأسود، وبالنسبة لتسمية الثقب الأسود فقد أطلقها العالم الفيزيائي جون ويلير وأخبرنا أن الثقب الأسود هو منطقة ذات جاذبية كبيرة لا يستطيع الضوء أو أي جزيء الإفلات منها.

ما علاقة أينشاتين بالثقوب السوداء؟

 في 4 من نوفمبر 1915 نشر أينشتاين مقاله العلمي الذي سيتحول فيما بعد إلى اللبنة الأولى لأعظم إنجازات البشرية العلمية والفكرية: النظرية النسبية العامة، وبموجب تلك النظرية فإن الأجسام الكبيرة في الكون تحدث انحناء في نسيجه، كما يمكن أن تحدث هذه الأجسام بسبب كتلتها الضخمة تموجات تنتشر عبر الكون بسرعة الضوء سميت فيما بعد باسم موجات الجاذبية، وبتطبيق نظرية أينشتاين على الأجسام الضخمة في الكون مثل النجوم النيوترونية والثقوب السوداء يمكننا العثور على موجات الجاذبية وهو الأمر الذي تحقق فعليًا حين التقط مرصد لايغو في 14 من سبتمبر/أيلول 2015 الموجات الناجمة عن اندماج ثقبين أسودين هائلين.

بعد اكتشاف الأمس أضحى لدينا جميعًا يقين ثابت أن دراسة الكون المادي لا تزال تحمل لنا قدرًا هائلاً من المفاجآت

ما المثير هنا؟ المثير أن نظريات أينشتاين قدمت بشكل مفصل وتنبأت بظاهرة الثقوب السوداء، فالنظرية التي وضعها أينشتاين عام 1915 تقول إن الأجسام الكبيرة ذات الكتلة الضخمة لا تجذب بعضها ولكنها تحدث تعرجات في المكان الذي توجه فيه وهذا المكان ليس مجرد فراغ ولكنه كيان أشبه بالقماش الرفيع الذي سيتأثر قطعًا إذا وضعنا بداخله جسم ضخم، إذ سيحدث انعطاف في المكان وهو الأمر الذي يحدث بين الأرض والشمس، فالشمس لا تشد الأرض بشكل مباشر كما ذكر نيوتن ولكن الأرض قريبة بما يكفي لتظل حبيسة انعطاف داخل نسيج الكون المحاط بالشمس.

عالم الفيزياء الألماني ألبرت أينشتاين

وفي 11 من فبراير/شباط 2016 حين التقط مرصد لايغو اندماج ثقبين أسودين أحدهما ناتج عن نجم يزن نحو 36 ضعف وزن الشمس والنجم الآخر يزن 29 ضعف وزن الشمس أي أن مجموعهما يجب أن يبلغ 65 ضعف وزن الشمس ولكن الكتلة الجديدة بلغ وزنها فقط 62 ما يعني اختفاء كتلة مهولة تبلغ ثلاثة أضعاف حجم الشمس والحقيقة أنها لم تختفِ بالمعنى الحرفي ولكنها تحولت إلى طاقة وفقًا لنظرية النسبية الخاصة وهي نظرية وضعها أينشتاين قبل نظريته العامة بنحو 10 أعوام وتنص على أن الكتلة قد تتحول إلى طاقة أو العكس وأن كيلوغرامًا واحدًا يساوي 90 مليون مليار جول من الطاقة.

بعد اكتشاف الأمس أضحى لدينا جميعًا يقين ثابت أن دراسة الكون المادي لا تزال تحمل لنا قدرًا هائلاً من المفاجآت وأن باب العلم فُتح على مصراعيه أمام اكتشافات ونظريات كبرى سُتكمل الصورة الحاليّة، وأن عالم الفيزياء سيحمل لنا قدرًا كبيرًا من الإنجازات العظيمة، تلك الإنجازات التي وُضعت إرهاصاتها الأولى منذ أكثر من مئة عام، ففي السنوات القليلة المقبلة سنتمكن من معرفة أسرار الجانب المظلم من الكون الذي يبلغ وفقًا للنظريات العلمية نحو 80% من حجمه.