تسعى الكثير من دول العالم لإقصاء الدولار الأمريكي كعملة رئيسية من التعاملات الخارجية عبر إيجاد بدائل أخرى تنجيها من الأزمات المالية والعقوبات الاقتصادية والضغوط السياسية، ولذلك دعت الكثير من البلدان إلى الاعتماد على العملة الأوروبية في التبادلات التجارية أو حتى خلق نظام نقدي عالمي جديد، مثلما تحلم الصين.

ومن بين جميع هذه الخيارات، تزايدت الدعوات إلى حصر عمليات الاستيراد والتصدير بالعملة المحلية لا سيما عقب الحرب التجارية التي شنتها الولايات المتحدة الأمريكية وأثرت سلبًا على ثبات ونمو الأنشطة التجارية في السوق الدولية بسبب التقلبات الحادة في أسعار الصرف، كما هو الحال بالنسبة إلى تركيا التي فقدت عملتها الوطنية أكثر من 40% خلال العام الماضي.

لماذا تساند بعض دول العالم فكرة استخدام العملة المحلية؟

في الآونة الأخيرة، أعلنت العديد من الدول عزمها تقليص استخدام الدولار في التجارة للحد من هيمنة العملة الأمريكية وتجنب عدوانية ترامب التجارية، مثل روسيا التي ذكرت أنها شرعت في استخدام العملات المحلية في تجارتها مع دول الشرق الأوسط وجنوب شرق آسيا وأمريكا اللاتينية وإفريقيا، بالإضافة إلى تركيا التي دعت دول مجلس تعاون البلدان الناطقة بالتركية ودول مجموعة الدول الثمانية الإسلامية النامية إلى السير على نفس الخطى، والعراق وإيران أيضًا اللتين قررتا استخدام اليورو والعملات الوطنية في التسويات التجارية البينية.

تأتي هذه القرارات كمحاولة لتقليل الخسارات المتعلقة بتقلبات أسعار العملات الأجنبية في الأسواق واستبدالها بأرباح على المدى البعيد، ولا شك أن تحقيق هذه الخطوة يستلزم الكثير من التمهيد والتفاهم بين الأنظمة الاقتصادية والمصرفية التي تتبادل فيما بينها المشاريع والاستثمارات، لكن بشكل عام يتوقع الخبراء زيادة الحاجة إلى هذا النوع من المعاملات التجارية في المستقبل، ليس فقط تجنبًا لتبعات العقوبات الاقتصادية وإنما لاهتمام العالم بالاقتصاد والإنتاج المحلي إجمالًا، وتركيز الكثير من الدول على تنمية اقتصاداتها الوطنية والتخلي عن الموارد والمعاملات الأجنبية المعقدة والمتغيرة باستمرار مع أسعار الصرف.

وبالتالي المساهمة في تحقيق نهضة اقتصادية من خلال السماح للمؤسسات الصغيرة ومتوسطة الحجم المنافسة في السوق عبر توسيع مشاريعها وخلق فرص عمل وزيادة الإنتاجية الاقتصادية والابتكارات في جميع القطاعات، بالجانب إلى أهميتها بالنسبة للمقترضين المحليين الذين تتعرض أنشطتهم التجارية غالبًا للإفلاس عند حدوث توترات اقتصادية حادة وخاصةً لمن يعيشون في المنطقة العربية التي تشهد الكثير من النزاعات المسلحة وعدم الاستقرار السياسي الذي يسبب لها صدمات اقتصادية متتالية.

وما يجعل اقتراض العملية الأجنبية خيار محفوف بالمخاطر هو انخفاض قيمة العملة المحلية وزيادة سعر الفائدة المحلي، ما يجعل تكلفة الدين الخارجي كبيرة وهذا ما يفسر سبب فرض الضرائب على الديون الخارجية بالعملة الأجنبية التي تهدف إلى الحد منها.

وإذا لم تكن تحتفظ بالاحتياطيات الأجنبية فهي تخسر خط الدفاع الأول في وجه هذه الاضطرابات مثل مصر التي انخفضت لديها معدلات السياحة والاستثمار الأجنبي في السنوات الأخيرة وهي المصادر الأساسية للعملة الأجنبية، انتهت هذه الزعزعة بإضعاف الثقة بالعملة الوطنية ما أدى إلى زيادة الطلب على الدولار وانخفاض الاحتياطات الأجنبية وتذبذب أسعار الصرف، وبالتالي انهار نشاط المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وهي المحرك الرئيسي للنمو الاقتصادي، بسبب نقص التمويل والسيولة الأجنبية، وكان الاقتراح الأفضل لحل هذه الأزمة هو البدء باستخدام العملة المحلية في التعاملات التجارية وتحديدًا مع الدول العربية التي تمثل 15% من مجمل واردات مصر.

هذه الإستراتيجية قد لا تجلب لهذه الدول تحسينات ملحوظة في مستويات المعيشة إلا أنها تسمح لهم بمواصلة أنشطتهم التجارية في الاقتصاد العالمي وتعزيز المنافسة على الصعيد المحلي والإقليمي

الوضع نفسه يجري في العراق الذي عانى لسنوات طويلة من النزاعات المسلحة والحروب والتوترات السياسية التي دفعته إلى حافة الخطر خاصةً مع انخفاض أسعار النفط الذي تعتمد عليه الدولة ويمثل 95% من مجمل الإيرادات الحكومية، ومع استمرار معدل الأسعار بالهبوط، اضطر العراق إلى السحب من الاحتياطات الأجنبية التي كانت تبلغ 76.1 مليار دولار وانخفضت إلى 55.8 مليار عام 2015، وبما أن تخلي الاقتصاد العراقي عن إيرادات النفط أمر مستحيل، فإن خلق نظام تجاري قائم على تبادل الموارد الاقتصادي بالدينار العراقي يضمن الاستقرار النسبي وتوفير 12 مليار دولار في السنة.

مع العلم أن هذه الإستراتيجية قد لا تجلب لهذه الدول تحسينات ملحوظة في مستويات المعيشة إلا أنها تسمح لهم بمواصلة أنشطتهم التجارية في الاقتصاد العالمي وتجنب تكاليف التجارة بالعملة الأجنبية وتعزيز المنافسة على الصعيد المحلي والإقليمي، ومع ذلك قد تدفعهم لخسارة شركاء تجاريين إذا لم يتوصلوا إلى تفاهمات بشأن أساسيات التعامل بالعملة الوطنية.

رغم التوقعات التي تشير إلى زيادة الاهتمام العالمي بالعملة المحلية، فإن الأعين في نفس الوقت تتجه إلى الاحتياطات الصينية والروسية من النقد الأجنبي التي تعتبر مجتمعة ثاني أكبر الاحتياطات في العالم وذلك لحماية نفسيهما من إملاءات أو ضغوط الإدارة الأمريكية، وإذا استطاعتا تحقيق هذا الهدف، فسيكون التأثير العاطفي على الأسواق المالية العالمية كبيرًا، ما يعني أن الدولار الأمريكي قد يزاح من عرش العملات، وإن لم تكن هذه الخطوة منطقية، فإن إصرار الصين على استخدام عملة موحدة ليس خيارًا مستبعدًا.