أعلن وزير الدفاع السوداني، الفريق ركن عوض بن عوف، اقتلاع النظام الحاكم، واعتقال "رأسه الذي اصطدمت به منذ بداية الحراك الرئيس عمر حسن البشير"، وقرارات أخرى في أول بيان للمؤسسة العسكرية السودانية، انتصارا للشعب وفق قولهم.

رحيل البشير

بن عوف قال في بيان الجيش الذي تلاه إن الجيش السوداني عزل عمر البشير من منصبه والتحفظ عليه في مكان آمن، فضلا عن حل مؤسسة الرئاسة وحل مجلس الوزراء ووقف العمل بدستور 2005، وفرض حالة الطوارئ لمدة 3 أشهر، وفرض حظر التجوال لمدة شهر من الساعة 19 مساء.

وأعلن نائب البشير، في البيان أيضا، حل المجلس الوطني ومجلس الولايات وحكومات الولايات، وتشكيل مجلس انتقالي عسكري يتولى الحكم في السودان لمدّة عامين، على أن يتم الإعلان لاحقا عن تشكيلة هذا المجلس.

كما أعلن وزير الدفاع السوداني إغلاق المجال الجوي والمطارات وغيرها من نقاط الدخول، مع تأكيده على وقف إطلاق النار الشامل في جميع ربوع البلاد. ودعا عوف الحركات المسلحة في البلاد لبناء السودان، كما أكّد التزامه بتهيئة المناخ لانتقال سلمي للسلطة وإجراء انتخابات نهاية الفترة الانتقالية

قادت سياسات حكم الحزب الواحد والزعيم الأوحد التي أقرها البشير، السودان، إلى أزمات سياسية خانقة واقتصاد مشلول

في وقت سابق أفاد تقارير إعلامية بأن ضباطا من الجيش السوداني أبلغوا الرئيس عمر البشير أنه لم يعد رئيسا للجمهورية. وأعلنت القوات المسلحة السودانية صباح الخميس أنها بصدد إصدار بيان هام، بينما انتشرت آليات عسكرية في محيط القصر الجمهوري.

ويشتغل الفريق أول ركن عوض محمد أحمد بن عوف، حاليا منصبين كبيرين يقربانه من القصر الجمهوري، فهو النائب الأول لرئيس الدولة ووزير الدفاع في الوقت ذاته، وعمل بن عوف سابقا مديرا للاستخبارات العسكرية ونائبا لرئيس القوات المسلحة، وفي 2010 أحيل للتقاعد والتحق بوزارة الخارجية وعمل قنصلا للسودان في القاهرة ثم سفيرا في سلطنة عمان.

لكن البشير أعاده للحقل العسكري، وعينه في 2015 وزيرا للدفاع الوطني، وفي فبراير/شباط الماضي وإثر تصاعد الاحتجاجات، عينه نائبا أول له مع احتفاظه بحقيبة الدفاع.وقد رأى مراقبون في المنصب الجديد تهيئة للرجل لخلافة البشير. وفي الأسبوع الماضي أكد ابن عوف احترامه لتطلعات المحتجين.

في أثناء ذلك، قالت مواقع إلكترونية سودانية، إنّ بعض رموز حزب "المؤتمر الوطني" الحاكم، جرى اعتقالهم بوساطة قوة من الجيش السوداني، وتم اقتيادهم من منازلهم إلى مكان مجهول. ومن بين الموقوفين النائب السابق لرئيس الجمهورية علي عثمان محمد،  ومساعد الرئيس الأسبق نافع علي نافع، ووزير الدفاع السابق عبد الرحيم محمد حسين، وأحمد هارون الرئيس المفوض للحزب الحاكم، إضافة إلى والي الخرطوم الحالي الفريق هاشم عثمان، فيما لم يعرف بعد مصير البشير.

وزير الدفاع السوداني الفريق ركن عوض بن عوف

قادت سياسات حكم الحزب الواحد والزعيم الأوحد التي أقرها البشير، السودان، إلى أزمات سياسية خانقة واقتصاد مشلول وارتفاع في معدلات التضخم وصلت إلى 64%، وانهيار في العملة، وغياب للبنى التحتية، أما السجل الحقوقي فتخيم عليه ممارسات قمعية متواصلة.

ويعدّ السودان من أفقر الدول في العالم، فهو يحتل المرتبة 167 في مؤشر التنمية البشرية الصادر عام 2018، وذلك من مجموع 188 دولة حول العالم، أما معدل التضخم فقد بلغ 63,86 في يونيو/ حزيران الماضي، فيما بلغ معدل البطالة بين السودانيين 20%، بحسب بيانات رسمية، مع تنبؤات بأن مؤشر النمو لن يزداد هذا العام بأكثر من 0.5 % عن العام الذين سبقه، حين سُجلت نسبة 3.2 %.

ويعاني البنك المركزي السوداني من نقص في العملات الأجنبية الأمر الذي جعله يخفض قيمة الجنيه السوداني خلال 2018 أربع مرات، ما جعل أسعار عديد السلع الأساسية ترتفع بشكل كبير، الأمر الذي أثر سلبا على القدرة الشرائية للسودانيين.

جاء بانقلاب ورحل بانقلاب

هذا الإعلان، أنهى 30 سنة من حكم عمر حسن البشير للسودان، ووصل هذا السياسي والعسكري إلى السلطة بانقلاب عسكري سنة 1989 ضد حكومة الصادق المهدي المنتخبة، بمساعدة الحركة الإسلامية وزعيمهم حسن الترابي. وولد البشير في 1 يناير/كانون الثاني 1944 في قرية حوش بانقا القريبة من مدينة شندي شمالي السودان.

ويعتبر البشير أحد تلاميذ المفكر الإسلامي الراحل الدكتور حسن الترابي، ولفترة طويلة كان السودانيون يقولون إن البشير رئيس في النهار وتلميذ منضبط في الليل، وإن الترابي هو الحاكم الفعلي للبلاد. لكن البشير انقلب لاحقا على الترابي، وزج به في السجن أكثر من مرة.

في ديسمبر/كانون الأول 1999، انفرد البشير بالحكم وعلَّق الدستور وحل البرلمان والأحزاب السياسية وفرض أحكام الطوارئ وأعلن حظر التجوال وخلع البذلة العسكرية التي أوصلته للسلطة، وعيَّن نفسه رئيسًا مدنيًا، معلنًا حكومة إسلامية، وصار حاكم أكبر دولة إسلامية حينها وإحدى أفقرها أيضًا.

بدأ حراك السودان نهاية السنة الماضية، في مناطق مختلفة من السودان، منها العاصمة الخرطوم، احتجاجا على ارتفاع سعر رغيف الخبز

خلال فترة حكمه، عرفت السودان عقوبات اقتصادية قاسية من الإدارات الأمريكية المتتابعة، وكان الحدث الدراما في عام 1993، هو اتهام أمريكا للسودان بدعم الإرهاب وزعزعة الاستقرار الإقليمي وانتهاك حقوق الإنسان ومنع الحريات الدينية، وأدرجت واشنطن السودان في قائمة الدول الراعية للإرهاب، ردًا على استضافته زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن عام 1991، قبل أن يغادر الخرطوم عام 1996، تحت وطأة ضغوط أمريكية على السودان.

واتسمت السياسة الخارجية للبشير بالمراوغة والمناورة في المواقف شرقًا وغربًا، وكان آخرها التحول الدراماتيكي في الموقف السوداني تجاه رئيس النظام السوري بشار الأسد بعد عزلة استمرت لـ7 سنوات، كما باتت العلاقات الإسرائيلية السودانية تتصدر المشهد السياسي بشكل عام، خاصة بعد الحديث المتكرر من الجانب الإسرائيلي، بعقد سلسلة لقاءات سرية مع مسؤولين سودانيين، لبحث العلاقات الثنائية وتطويرها.

أما داخليا، فقد عرفت فترة حكمه أحداث كبرى، فقد فشلت - الحلول العسكرية التي اعتبرها نظام البشير الأداة الوحيدة للتعامل مع قضايا التهميش والنزاعات العرقية بالغة القدم والتعقيد - في تحقيق النصر للنظام وإخضاع المتمردين.

ومع مرور الوقت، فرشت سياسات البشير الطريق الحريري ودقت المسمار الأخير في نعش وحدة السودان، رغم أن عهده شهد نهاية الحرب الأهلية بعد 5 عقود من الدمار، وذلك بإبرام اتفاق سلام أنهي أطول حرب عرفتها إفريقيا.


وصل عمر البشير إلى السلطة عبر انقلاب

في عام 2005 وقعت حكومة البشير اتفاق سلام وتقاسم ثروة وسلطة بين الشمال والجنوب الذي حظي بحكم ذاتي، وذلك قبل أن يصوت الجنوبيون في استفتاء 9 يناير/كانون الثاني 2011 لصالح الانفصال وإنشاء دولة "جنوب السودان".

وفي دارفور اُتهم البشير بارتكاب جرائم إبادة في صراع خلف الكثير من الضحايا والنازحين، لذا أصدرت المحكمة الجنائية الدولية باسمه مذكرة اعتقاله عام 2008، بناءً على طلب المدعي العام للمحكمة لويس مورينو أوكامبو، متهمًا إياه بالتطهير العرقي وارتكاب جرائم ضد الإنسانية في دارفور، ويأتي هذا القرار بعد مرور أكثر من 7 أشهر من مذكرة أوكامبو التي وجهت أيضًا للبشير تهمة القيام بإبادة جماعية في الإقليم.

وفي 4 مارس/آذار 2009، أصبح عمر حسن البشير ثالث رئيس دولة تصدر المحكمة الجنائية الدولية مذكرة اعتقال بحقه بعد رئيس ليبيريا السابق تشارلز تايلر والرئيس السابق ليوغسلافيا سلوبودان ميلوسوفيتش.

محطات الحراك

بدأ حراك السودان نهاية السنة الماضية، في مناطق مختلفة من السودان، منها العاصمة الخرطوم، احتجاجا على ارتفاع سعر رغيف الخبز غلاء المعيشة وندرة السلع الأساسية، ليرتفع سقف المطالب فيما بعد إلى المطالبة بإسقاط نظام عمر البشير الذي يحكم البلاد منذ عقود عدة، ما دفع السلطات إلى اعلان حالة الطوارئ في بعض المدن لتطويق الاحتجاجات والحدّ من انتشارها.

شرارة هذه الاحتجاجات انطلقت من مدينة عطبرة المدينة الثانية في محافظة نهر النيل بعد عاصمتها الدامر، وتمّ ذلك يوم الأربعاء 19 ديسمبر/كانون الأول الماضي، عندما خرج طلاب المدارس وعمال السكة الحديد لتناول وجبة الإفطار بالمطاعم وسط المدينة غير أنهم فوجئوا بانعدام الخبز، فقاموا بإغلاق الشارع المؤدي إلى مبنى التلفزيون.

يصادف يوم 6 أبريل اليوم الذي أعلنت فيه القوات المسلحة - في آخر ثورة شعبية للبلاد عام 1985 - وقوفها بجانب الشعب

لحظات قليلة حتى تدخّلت قوات الأمن لمحاولة تفريقهم، فتحركوا نحو حديقة البلدية واتجهت التظاهرة شرقا نحو السينما الوطنية، وعَبَر المتظاهرون جسر الحرية حيث وصلوا إلى مبنى العموم (رئاسة السكة الحديد) وهتفوا قائلين: “السكة حديد تهز وترز″، ومن ثم توجهوا إلى كلية التربية التابعة لجامعة وادي النيل، التي يخضع طلابها للامتحانات سنوية ومنها إلى ورش السكة الحديد.

وردد المحتجون في المظاهرات التي شهدتها مدن البلاد الهتاف الذي بدأ في احتجاجات عطبرة "شرقت شرقت.. عطبرة مرقت" مع تخصيص المتظاهرين أسماء مدنهم. كما هتفوا بشعارات "الشعب يريد تغيير النظام"، و"حرية سلام وعدالة.. الثورة خيار الشعب"، و"نحن مرقنا ضد الناس الأكلو عرقنا.. ضد الناس القتلوا ولدنا".

بالرجوع إلى للشعارات التي ترفع في المظاهرات، فإن النظام الحاكم هو المسؤول عمّا بلغ إليه الوضع في السودان.  وهو ما تردده أيضا المعارضة، التي تتهم البشير بالفشل في التعاطي مع الأزمة السياسية الضاغطة وتدبير الموارد وبملاحقة المعارضين، إضافة إلى الفشل في التعاطي مع الحروب الثلاث، التي تديرها القوات السودانية مع المتمردين في كل من دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق.

اعتصام السودانيون أمام مقر القوات المسلحة في الخرطون

في السادس من ابريل/نيسان، دخل الحراك السوداني منعطفا جديدًا عبر تصعيد يعد هو الأبرز منذ بدايته في التاسع عشر من ديسمبر الماضي حيث دخل ألاف المحتجين اعتصاما مفتوحا أمام مقر قيادة القوات المسلحة، للضغط على الجيش للانحياز لمطالبهم، بالتزامن مع دعوة تجمع المهنيين السودانيين إلى إعلان إضراب عام في السودان وطالبت بدعم الجيش للثورة.

ويصادف يوم 6 أبريل اليوم الذي أعلنت فيه القوات المسلحة - في آخر ثورة شعبية للبلاد عام 1985 - وقوفها بجانب الشعب. في آخر ثورتين بالبلاد أطاحتا بأنظمة استبدادية عامي 1964 و1985 قدم الجيش دعمًا مهمًا للمتظاهرين، وفي كلتا الحالتين كان هناك تعاون وتنسيق بين المجموعات المهنية التي تقود الاعتصام والمعارضين في الجيش.

في عام 1964 رفض أعضاء منظمة الضباط الأحرار الذين تربطهم علاقة وثيقة بالجماعات الاشتراكية اليسارية العربية إطلاق النار على المتظاهرين، وفي 1985 قامت جماعة أخرى تحمل نفس الاسم بدور مشابه في تأكيد أن الجيش لا يستهدف الاحتجاجات الشعبية.