تتكرّر في حياتنا العديد من المواقف والحالات التي نتجنّب فيها المواجهة والصدام والاحتكاك الصريح مع مَن حولنا، سواء من عائلة أو أصدقاء أو في العمل أو الجامعة وغيرها، فنلجأ بشكلٍ كبير إلى بعض الطرق الملتوية والغامضة للتعبير عن غضبنا أو استيائنا. فبدلًا من التصرّف بأنّك غاضب أو من الاعتراف بذلك، سوف تقوم ببعض السلوكيات الأخرى تبعًا للموقف بحيث لا تُظهر حقيقة غضبك. 

تٌعرف هذه السلوكيات في علم النفس بمصطلح السلوكيات العدوانية المستترة "passive aggressive behaviors"، فيما يميل البعض إلى تسميتها بمسمّيات أخرى مثل السلوكيات العدوانية الباردة أو الصامتة أو غير المباشرة. ووفقًا للجمعية الأمريكية لعلم النفس فيمكن تعريفها بأنّها السلوكيات التي نأتي بها لنعبّر بشكلٍ غير مباشر لكن متعمّد ومخطّط له عن غضبنا واستيائنا تجاه الأشخاص أو المواقف التي نمرّ بها. 

تشير الجمعية في موقعها على الإنترنت إلى أنّ هذه السلوكيات  العدوانية هي بالأساس وسيلةً للتعبير عن الذات والمواقف بشكلٍ متناقض ومزدوج، وعادةً ما تأتي على شكل من السلوكيات أو التصرّفات التي يمكن تحديدها وتعريفها، مثل التسويف وإلقاء النكت العدائية والسخرية والعناد والاستياء والعبوس واللامبالاة والنقد المتكرر والطعن بالظهر والاستبعاد الاجتماعي، أو قد تأتي على شكل فشلٍ متعمّد ومتكرر في إنجاز المهام الموكلة للفرد لإلحاق الضرر بغيره.

السلوكيات العدوانية المستترة هي التي نأتي بها لنعبّر بشكلٍ غير مباشر لكن متعمّد عن غضبنا واستيائنا تجاه الأشخاص أو المواقف التي نمرّ بها مثل التسويف وإلقاء النكت العدائية والسخرية والعناد والاستياء والعبوس واللامبالاة والنقد المتكرر وغيرها.

لنوضّح الفكرة أكثر علينا ربّما طرح عددٍ من الأمثلة التي قد نمرّ بها جميعًا بين الفينة والأخرى. فقد تكون قد مررتَ مرةً بموقف مع صديقٍ لك جعلك تنتظر كثيرًا لتأخره عن موعدكما. وعندما وصل إليك بدأ يُلقي اللوم على زحمة السير أو بسرد عددٍ من المبرّرات والأعذار لتأخّره. هنا، قد تنخرطان في موعدكما بشكلٍ روتينيّ وعاديّ. لكنْ لغضبك منه، قد تبادل حديثه بالبرود أو اللامبالاة، أو قد تُظهر امتعاضك واستيائك وتعبس وجهك أمامه دون أنْ تخبره عن سبب ذلك. أو قد تفتح حسابك على تويتر نهاية اليوم لتكتب أنّك مستاء وتعبّر عن صعوبة إيجاد الصديق وعن الوحدة المحتومة عليك وغرابتك عمّن حولك، وهكذا.

غالبًا ما يساوي الناس الغضب والسلوك العدوانيّ، لكن هناك العديد من الفروقات الواضحة. الغضب هو حالة من الإثارة النفسية، وعادة ما يكون استجابة لحدث غير سار أو تهديد خارجي. يأتي الغضب عادةً بشكلٍ تلقائي وغير مخطّط له، وغالبًا ما يكون كردود فعلٍ عاطفية أوتوماتيكية خارجة عن نطاق تحكّم الشخص. وليس أدلّ على ذلك من أنّ الكثيرين يكتشفون بعد الحادثة أنّ الأمر برمّته لم يكن يستحقّ ردّ الفعل ذاك، بل على العكس كان يمكن التصرّف بطريقةٍ مغايرة أقلّ غضبًا وأكثر اتّزانًا مع الحدث.

تأتي هذه السلوكيات كآلية للتكيف، خاصة عندما يفتقر الشخص إلى القوة والسيطرة النسبية أو للقدرة على التعبير عن نفسه

في حين أنّ العدوان المستتر هو السلوك الذي يهدف إلى التسبب بضررٍ وأذىً نفسيّ وعاطفيّ بأساليب ملتوية ومتعمّدة. وعادةً ما يكون أكثر سلبية من التعبير عن الغضب نظرًا لأنّ مستقبِله لا يمسك أيّ دليلٍ ضدّ من يمارسه يُفشي عن غضبه أو عن نيّته بإلحاق الأذى والضرر. فلو سألت صديقك لماذا تجاهلتني لأجابك "لا وقت لديّ". ولو سألتِ زوجك لماذا تعبس في وجهي لأجابك أنه "يمرّ بوقتٍ صعب في العمل". جميع تلك الإجابات هي محاولة للالتواء حول الإجابة والهرب من المواجهة والصدام الصريح عن الموقف ومشاعرنا ومشاكلنا وما يُزعجنا وما يغضبنا. 

لماذا نتصرّف بعدوانية مستترة؟

هناك عددٌ من الفرضيات التي تحاول تفسير أسباب انخراطنا في مثل هذه السلوكيّات. لكنّها غالبًا ما تكون كآلية للبقاء للتكيف مع بيئة بشرية صعبة، خاصة عندما يفتقر الشخص إلى القوة والسيطرة النسبية أو للقدرة على التعبير عن نفسه. يقترح البعض أنّها قد تنشأ من بيئة يتمّ فيها إحباط التعبير المباشر عن المشاعر أو قمعها أو عدم إيلائها أية أهمية. الكثير منّا يشعرون بأنّهم غير قادرين على التعبير عن مشاعرهم وأفكارهم ومواقفهم بشكلٍ منفتحٍ وسلس، لذلك يلجأون إلى طرقٍ ملتوية وبديلة لتوجيه غضبهم والتعبير عن استيائهم بشكلٍ مستتر وسلبيّ.

وفي حالاتٍ أخرى، يكون للموقف الذي تجد نفسك فيه تأثير على كيفية تصرّفك وسلوكك. فعندما تكون في موقفٍ لا يكون فيه الغضب مقبولًا اجتماعيًا، كما هو الحال في العمل والجامعة، تصبح أكثر ميلًا لإبداء ردود أفعال أكثر صمتًا وسريّةً من أنْ تعبّر بشكلٍ واضح عمّا يزعجك. على سبيل المثال، قد تتأخّر في تسليم وظيفتك لمديرك أو قد لا تردّ على الإيميل الإلكتروني الذي أرسله زميلك في العمل بقصد تعطيلهما وتعطيل العمل بدلًا من إخبارهما بوجهيهما عن غضبك منهما.

عادةً ما يكون السلوك العدوانيّ المستتر أكثر سلبية من التعبير عن الغضب نظرًا لأنّ مستقبِله لا يمسك أيّ دليلٍ ضدّ من يمارسه يُفشي عن غضبه أو عن نيّته بإلحاق الأذى والضرر

بعض الأشخاص يفضّلون السير في الطريق السهل دون الحاجة للتعامل مع مشاعرهم ومواجهة مصادر غضبهم بشكلٍ مباشر. عوضًا عن أنّ هذه السلوكيات تسمح للشخص بالانتقام من غيره من خلال الأساليب الملتوية التي تُنتج شعورًا مزيّفًا بالقوة والانتصار. فلا يتطلّب منك إحداث أذىً جسديّ حتى تنتقم من أحدهم، ربّما تلجأ إلى أساليب نفسية وعاطفية. فلو كنت غاضبًا من والدك، فأنت في الغالب لن تقوم بضربه أو صفعه، لكن يمكنك أن تتأخر بالقدوم للبيت أو بإحداث الفوضى فيه أو بافتعال شجار مع إخوتك حتى تستفزّه.

تدمّر العلاقات وتربكها

على المدى البعيد، تصبح السلوكيات العدوانية المستترة من أكثر العوامل تدميرًا للعلاقات وإرباكًا لها. والأسوأ من ذلك، أنك قد تصل إلى مرحلة تحتال فيها على نفسك مثلما تحتال على الآخرين، فلا تعود تعترف بدوافعك للتمرد أو الانتقام أو حتى تراها بهذه الطريقة، لأنّ الاعتراف بها  أمام نفسك قد يجعلك تشعر بالذنب أو يقلّل من لذة شعورك بالانتصار والقوة.

ومن جهةٍ ثانية، تعدّ هذه السلوكيات أكثر خطورةً من الغضب المباشر أو حتى ربما من الأذى الجسدي، لأنها بطبيعة الحال سلوكيات غامضة وملتوية لا تُظهر أيَّ علامات واضحة أو يقينة. فإذا أنتَ سألتَ صديقك عن سبب سلوكه قد ينكر بثقة كبيرة ما يجعلك تشكّ في نفسك وفي تفسيرك لسلوكه. ومن هنا تظهر خطورة هذه السلوكيات نظرًا لغموضها؛ فالدماغ غير قادر على التعامل بشكلٍ جيّد مع الغموض أو عدم اليقين.

تخبرنا هذه السلوكيات عن مدى تعقيد التواصل بين الأشخاص وبناء العلاقات المتزنة معهم. لكن في النهاية فنحن نستطيع من خلال الوعي الذاتي ومساءلة الذات ومراجعتها ومن خلال العمل على تحسين مهارات الاتصال والتواصل وتطوير العلاقات الفعالة مع من حولنا، تقليص انخراطنا في تلك السلوكيات وتجنّبها قدر الإمكان وتجنّب آثارها الضارة والسلبية علينا وعلى من حولنا.