رحل الرئيس السوداني عمر حسن البشير عن السلطة بعد أكثر من 30 سنة في الرئاسة، وحلّ محلّه مجلس انتقالي عسكري، قال إنه سيحكم البلاد لسنتين، الأمر الذي رفضه السودانيون، معتبرين أن ما حصل لا يعدو أن يكون إلا "انقلابا عسكريا" والتفافا على الحراك الشعبي، مطالبين برحيل كلّ النظام وتسليم السلطة إلى حكومة مدنية تؤمّن الفترة الانتقالية.

ترقب لمعرفة أعضاء المجلس العسكري الانتقالي

ساعات قليلة بعد إعلان وزير الدفاع السوداني، الفريق ركن عوض بن عوف، اقتلاع النظام الحاكم، واعتقال "رأسه، حتى أطلّ بن عوف مجدّدا، وهو يؤدّي القسم رئيسا للمجلس العسكري الانتقالي الذي تولى السلطة في البلاد.

وبث التلفزيون السوداني مساء الخميس مشاهد أداء وزير الدفاع للقسم رئيسا للمجلس العسكري الانتقالي في حضور رئيس القضاة عبد المجيد إدريس. كما أدى رئيس أركان الجيش كمال عبد المعروف الماحي القسم أمام بن عوف نائبا له.

من المنتظر أن تعقد اللجنة السياسية العسكرية المكلفة من قبل المجلس العسكري لقاء جامعا مع القوى السياسية في السودان بعد ظهر اليوم

يشتغل الفريق أول ركن عوض محمد أحمد بن عوف، حاليا منصبين كبيرين يقربانه من القصر الجمهوري، فهو النائب الأول لرئيس الدولة ووزير الدفاع في الوقت ذاته، وعمل بن عوف سابقا مديرا للاستخبارات العسكرية ونائبا لرئيس القوات المسلحة، وفي 2010 أحيل للتقاعد والتحق بوزارة الخارجية وعمل قنصلا للسودان في القاهرة ثم سفيرا في سلطنة عمان.

لكن البشير أعاده للحقل العسكري، وعينه في 2015 وزيرا للدفاع الوطني، وفي فبراير/شباط الماضي وإثر تصاعد الاحتجاجات، عينه نائبا أول له مع احتفاظه بحقيبة الدفاع.وقد رأى مراقبون في المنصب الجديد تهيئة للرجل لخلافة البشير. وفي الأسبوع الماضي أكد ابن عوف احترامه لتطلعات المحتجين.

بعد معرفة رئيس المجلس العسكري الانتقالي، يتطلّع السودانيون إلى معرفة باقي أسماء قيادة المجلس الذي سيقود المرحلة الانتقالية في الفترة القادمة، حتى يدركوا الخطوات التي يبتغي العسكر القيام بها بعد أن استولوا على حكم البلاد.

وكشفت وكالة الأنباء السودانية فجر اليوم الجمعة أنه تم تأجيل إعلان أسماء المجلس العسكري في انتظار مزيد من التشاور، دون أن توضح طبيعة الجهات المعنية بالتشاور، ولا المدّة الزمنية لهذه المشاورات ولا أطرافها.

من المنتظر أن تعقد اللجنة السياسية العسكرية المكلفة من قبل المجلس العسكري لقاء جامعا مع القوى السياسية في السودان بعد ظهر اليوم، على يلتقي عوض محمد أحمد بن عوف مع الإعلام المحلي والدولي للحديث حول برنامج وأجندة المجلس العسكري ونظرته للتعاطي مع المرحلة الراهنة.

وكان وزير الدفاع عوض بن عوف قد تلا في أمس الخميس البيان الأول للجيش، معلنا "اقتلاع النظام والتحفظ على رأسه بعد اعتقاله في مكان آمن"، في إشارة إلى عمر البشير. كما أعلن تشكيل مجلس عسكري يتولى إدارة شؤون البلاد لفترة انتقالية مدتها عامان، وفرض حالة الطوارئ لمدة ثلاثة أشهر وحظر التجول لمدة شهر، وتعطيل العمل بالدستور.

انقلاب والتفاف على مطالب الشعب

هذه القرارات التي اتخذها المؤسسة العسكرية، وصفها غالبية الشعب السوداني وقوى المعارضة الحزبية وتجمع المهنيين بـ "الانقلاب العسكري"، مؤكّدين تواصل حراكهم إلى غاية تحقيق مطالبهم واقتلاع كلّ النظام وليس رأسه فقط.

وقالت "قوى إعلان الحرية والتغيير" التي تشكلت مع اندلاع الاحتجاجات ضد البشير في ديسمبر/كانون الأول الماضي، في بيان مشترك: "ندعو شعبنا للحفاظ على اعتصامه أمام مباني القيادة العامة للقوات المسلحة وفي بقية الأقاليم وللبقاء في الشوارع في كل مدن السودان... حتى تسليم السلطة لحكومة انتقالية مدنية تعبر عن قوى الثورة".

من جهته، أعلن "تجمع المهنيين" السوداني المعارض، رفضه لما وصفه بـ"الانقلاب" ودعا إلى استمرار الاحتجاجات لحين تسليم السلطة لحكومة انتقالية مدنية. وقال التجمع، في بيان: "مستمسكون بالميادين والطرقات التي حررناها عنوة واقتداراً حتى تسليم السلطة لحكومة انتقالية مدنية تعبر عن قوى الثورة".

واعتبر التجمع -وهو كيان نقابي مستقل- أن "سلطات النظام نفذت انقلاباً عسكرياً تعيد به إنتاج ذات الوجوه والمؤسسات التي ثار شعبنا العظيم عليها". ودعا أبناء الشعب "للمحافظة على اعتصامه الباسل أمام مباني القيادة العامة للقوات المسلحة وفي بقية الأقاليم وللبقاء في الشوارع في كل مدن السودان".

من جانبه، وصف الاتحاد الإفريقي ما حدث في السودان بـ"الانقلاب"، قائلاً إنه "ليس الحل المناسب للوضع في السودان"، فيما طالب الأمين العام للأمم المتحدة بـ"عملية انتقالية في السودان تلبي تطلعات شعبه إلى الديمقراطية".

الاعتصام متواصل إلى حين تحقيق المطالب

شعبيا، فرغم إعلان حالة الطوارئ، وبدأ تطبيق حظر التجول في البلاد، فقد واصل المحتجون اعتصامهم الذي بدأ يوم 6 أبريل/نيسان الجاري أمام القيادة العامة للجيش، حين طالبوا بتنحي عمر البشير، معلنين رفضهم لقرارات الجيش ومطالبين بتسليم السلطة للمدنيين.

بدأ حراك السودان في ديسمبر/كانون الأوّل الماضي، من مدينة عطبرة المدينة الثانية في محافظة نهر النيل بعد عاصمتها الدامر

كما خرج الآلاف من السودانيين إلى شوارع الخرطوم ومدن السودان الأخرى، هاتفين "تسقط تاني"، وذلك بعد أن كانوا يهتفون قبل رحيل البشير بـ "تسقط بس"، رغم تحذير قيادة الجيش ممّا وصفتها  بـ"المخاطر التي قد تترتب على عدم الالتزام بحظر التجوال".

وقال الجيش في بيان أوردته وكالة الأنباء الرسمية "سونا" إن "على المواطنين الالتزام بذلك (حظر التجول) للمحافظة على سلامتهم ونظراً للمخاطر التي قد تترتب على عدم الالتزام بحظر التجوال بالتوقيتات المعلنة". وحسب البيان، فإن حظر التجول يسري من الساعة العاشرة ليلاً بالتوقيت المحلي ولغاية الساعة الرابعة فجرا.

في تصريح لنون بوست، قال الصحفي السوداني خالد أحمد، إن "قرار القيادة العسكرية مرفوض، وهو استمرار للنظام القديم، وهو بمثابة التفاف على مطالب الثورة"، وأكّد خالد أن الجماهير لن تتراجع إلى حين تنفيذ كلّ المطالب وتسليم السلطة لحكومة مدنية انتقالية.

وعرفت أعداد المعتصمين أمام قيادة الجيش، تزايدا كبيرا، حيث التحق الآلاف من الشباب بالاعتصام، مردّدين هتافات تندد بقيادة النائب الأول للرئيس السوداني المخلوع عوض بن عوف للمجلس العسكري وتطالب بإسقاطه.

منصات التواصل تتفاعل

لم يكن التنديد بالانقلاب ميدانيا فقط، فقد اشتعلت منصات التواصل الاجتماعي بالتعليقات المندّدة باستيلاء الجيش على السلطة والالتفاف على الحراك الشعبي السوداني، وتعليقا على بيان الجيش نشرت " روضة عبد الله" صورة أكّدت من خلالها استمرار الاعتصام. وكتب روضة فوق الصورة "تسقط وتسقط وتاني تسقط وبس البيان مرفوض جملة وتفصيلا رغم انهو غااااامض... "

كما غرد ناشط يضع اسم "أمير" على حسابه في موقع "تويتر" قائلا، "ثورة مستمرة وبس.. تمخض الجبل فولد فأراً.. بيان ملئ بمراوغات النظام لإعادة تدوير النفايات كما هي منذ ثلاثين عاماً." ويقصد أمير بكلامه بيان الجيش السوداني الذي أعلن فيه تنحية البشير وتولي السلطة.

وكتب ناشط سوداني يضع اسم مستعار، تعليقا على بيان الجيش، "شالو حرامي وجابو حرامي، زي ما سقطت تسقط تاني، الشعب المعلم العارف حقه وقاعد مرابط في ساحة الاعتصام." ونشر مع هذه التغريدة مقطع فيديو يؤكّد فيها وعي الشعب.

وتبدو " ريم الطيب" غير راضية أيضا عن الوضع الحالي، حيث غردت على حسابها في موقع توتير وقالت: "المسرحية الحاصلة دي بتذكرني لما انخلع علي عبدالله صالح وحل بدالو عبد ربه وكان قاعد شكلاً بس كرئيس لكن كل التوجيهات والقرارات لسه بتجي من علي صالح! هو الجيش زاتو ما راضين بابن عوف نرضى نحنا!! ابن عوف الإِصدار الآخر للبشير فـ زي ما سقطنا بشه برضو نسقط عفه."

بدوره غرّد ناشط أخر على حسابه الخاص على موقع التواصل الاجتماعي توتير، قائلا، "عمر البشير و ابن عوف وجه واحد لعمله واحده."

وشارك أحد المغردين ويدعى "محمد نبيل"على حسابه في موقع "تويتر" أيضاً فيديو يظهر بعض المواطنين السودانيين في الشوارع صباح اليوم، منددين بالانقلاب، ومطالبين باستكمال ثورتهم إلى حين تحقق كل مطالبها.

وبدأ حراك السودان في ديسمبر/كانون الأوّل الماضي، من مدينة عطبرة المدينة الثانية في محافظة نهر النيل بعد عاصمتها الدامر، لينتقل بعد ذلك إلى العاصمة الخرطوم وباقي المدن، احتجاجا على ارتفاع سعر رغيف الخبز غلاء المعيشة وندرة السلع الأساسية، ليرتفع سقف المطالب فيما بعد إلى المطالبة بإسقاط نظام عمر البشير الذي يحكم البلاد منذ عقود عدة، ما دفع السلطات إلى اعلان حالة الطوارئ في بعض المدن لتطويق الاحتجاجات والحدّ من انتشارها.

في السادس من ابريل/نيسان، دخل الحراك السوداني منعطفا جديدًا عبر تصعيد يعد هو الأبرز منذ بدايته في التاسع عشر من ديسمبر الماضي حيث دخل ألاف المحتجين اعتصاما مفتوحا أمام مقر قيادة القوات المسلحة، للضغط على الجيش للانحياز لمطالبهم، بالتزامن مع دعوة تجمع المهنيين السودانيين إلى إعلان إضراب عام في السودان وطالبت بدعم الجيش للثورة، وبعد 6 أيام أعلن الجيش تنحية البشير وتولي الحكم.