استحالة استمرار الأنظمة مرهون بلحظة شجاعة، لقد نقلت الشعوب الحرة الخوف إلى المنظومات الحاكمة المتلونة

تغمرنا الأخبار المتضاربة وتحملنا تياراتها، ليس لدينا مناعة إلا بجهد جهيد نمسي ونصبح ونبيت على حيرة المعري كل يعظم دينه/ حزبه/ أيديولوجيته ليت شعري ما الصحيح، أين الحقيقة فيما يجري؟ سأتظاهر بتجاهل الحقيقة التي ستأتي وحدها بعد نفاد التحاليل العبقرية، وسأكتب لمرة عن أحلام مواطن عربي عاش 50 عامًا تحت ديكتاتوريات متقلبة، فلم يفرح إلا قليلاً بلحظات حرية مسروقة، فمن التواضع اجتناب الزعم بتملك الحقيقة، الحقيقة الوحيدة أن جمهورًا كثيرًا يتغذي بأحلام الحرية وإن لم ينلها ولعلها تكون السبب الوحيد للبقاء على قيد الحياة، فهل تحرر الأحلام الأوطان؟ نعم لولا الحلم بالحرية لما خرج الناس إلى الشوارع، ولما سقطت جثث الرؤساء المتعفنة من على رقاب الخلق.

أنا أحلم إذًا أنا موجود

كوجيتو مواطن عربي مقهور في خبزه وأمنه ومستقبل أولاده، لكنه يصر على الحلم، يأتي عليه حين من الدهر فيستكين لكنه يخمر الحلم ويخرج، منذ السبعينيات لم تنقطع الانتفاضات العربية المطالبة بالحرية والكرامة وتأمين العيش الكريم، القمع يتتالي وقوافل الشهداء، ما من بلد عربي إلا وشهد سلسلة من الانتفاضات المحدودة (ثورات الخبز) الانقلاب يتلوه الانقلاب وأكاذيب الديمقراطية المزيفة تأتي ببرلمانات سفيهة تشرع للظلم والقهر وتبرر للطواغيت، ولكن قلوب الناس لم تمت، بل راكمت وعيًا وأحلامًا.

الحلم حق عربي لا ينازع، وأعلن عن نفسه بأجمل الأغاني وسيكبر رغم الثمن المكلف من الدم والعناء والخيبات المتكررة

قريبًا نحتفل بعشر سنوات من الشارع العربي الذي لم يهدأ بعد خروج نبيل وراق يصلح للروايات الرومانسية ويزيده الجزائريون إلقًا وبهاءً، إذ يكنسون شوارعهم بعد التظاهر كعلامة تملك للشارع، وفي عالم الأحلام الحية عرفنا الكندكات، أميرات مبجلات يحسن قياد الرجال دون تعاليم الجندر المضروبة، لم نكن نعرف عن السودان إلا أنه مزرعة بور والرياضيون يعرفون نادي المريخ السوداني، ولكن السودان بلد الحالمين بالحرية، وقد أشهروا الحلم على جيش من الأحذية، من كان يعتقد أن الشعب الصبور كان يختزن أحلامه بهذا الزخم الجميل؟

الحلم حق عربي لا ينازع، وأعلن عن نفسه بأجمل الأغاني وسيكبر رغم الثمن المكلف من الدم والعناء والخيبات المتكررة، الحلم منقذ من الضلال، لا نحتاج فيه إلى علوم الدين بل إلى وعي بالتاريخ والتنظيم والقدرة على المناورة، الحلم ينقل الخوف إلى أعداء الحالمين وهذه بداية فعل لا تتوقف في تحويل الأحلام إلى حقيقة.

أنا أحلم إذًا أنا أتقدم

الحلم يحدد الوجهة، الوجهة الحرية، والحرية شرط بناء لبقية أركان الحلم، الدولة العادلة والحوكمة الرشيدة بالتعليم العصري والإدارة العصرية والإبداع الفني، كم يلزم لذلك؟ الأكيد أن هناك ثمنًا من الزمن والجهد ولكنه أقل بكثير من الثمن المدفوع في تحمل كوابيس الديكتاتوريات المتهالكة، كان صبرًا يخمر الأحلام والآن جاء زمن الصبر على تحقيق الأحلام وقد أشهرت في وجه الظلم التاريخي، ما السبيل إلى ذلك؟

الخشية على الحلم تجعلنا نقول للحالمين من عوام الناس الذين لا يعقّدون سبل حياتهم بالنظريات السفيهة لا تنتظروا حلولاً من مفكرين ومثقفين تجار

هنا نوشك أن نقع في التعسف على أحلام الناس فنقترح حلولاً من ترهات النخب التي لا تحلم إلا بفضلات الديكتاتورية وقد فضحتها الشعوب إذ لم تحسن إدارة الثورات في موجة الربيع العربي الأولى فأعادت إنتاج زبانيتها وحقرت شعوبها كما كانت تفعل الأنظمة.

الخشية على الحلم تجعلنا نقول للحالمين من عوام الناس الذين لا يعقّدون سبل حياتهم بالنظريات السفيهة لا تنتظروا حلولاً من مفكرين ومثقفين تجار، غنموا فسكتوا وبرروا سابقًا ومستعدين لقيادة الشارع بمنطق (ما لا يدرك كله لا يترك جله) تلك المقولة المهادنة التي تقسّط الحلم على الحالمين كأنما يصرفونه لهم من جيوبهم.

الواقعية في زمن الحلم خيانة، فالأحلام أخرجتنا إلى الشوارع والأحلام هي من تقدر على دفع الأمور إلى أقاصيها فيكون بدء على طاولة نظيفة هكذا كان في الثورات الكبيرة التي غيرت العالم

هل هي مزايدة؟ لا هي شجاعة تحمل الكلفة دون تبرير لم يسأل أحد من سيدفع؟ وحدهم المبرمجون على الخنوع يضعون الكلفة أمام الشارع ليكف عن شنقهم في أحلامه الكبيرة، الشارع يقول بصمت من لم يكن في مستوى الحلم فلا يدخلن بيننا، ويقول الشارع في تونس أيها الواقعيون جدًا لقد عقدتم صفقات على أحلامنا، أين هذا الشارع لعله في خيالي؟ سيعبر عن نفسه قريبًا بشكل مختلف وضد جزاري الأحلام الكبيرة، هذا الشارع المجهول هو من ينبض قلبه مع شوارع السودان والجزائر وهو من يخرج كل مرة ليصيح من قلبه الشعب يريد تحرير فلسطين، هو نفس الشارع الذي لا يزال يبكي سقوط عاصمة الأمة بغداد، من لم يره ولم يستمع زفراته أعمى وأصم.

مسارات لا بد أن تفضي إلى أفق

أمام الشارع المنتفض (الجزائر والسودان) تجارب فشلت لأنها خفضت سقف الأحلام من خوف ومن جهل ومن طيبة في أحيان كثيرة، طيب غير منتجة لأنها تستسهل اختصار الطريق فتميل إلى الحل الأسهل، والحرية مكسب غال ولا بد له من ثمن.

استحالة استمرار الأنظمة مرهون بلحظة شجاعة، لقد نقلت الشعوب الحرة الخوف إلى المنظومات الحاكمة المتلونة

لا يمكن للحالة المصرية المخنوقة بالعسكر أن تستمر ولا يمكن للسودان أن يعيد تسويق انقلاب على طريقة السيسي ولو كان جميع ضباطه سوار الذهب رحمه الله ولا يمكن لجيش الجزائر أن يستنزف الشعب باسم الحفاظ على مكاسب ثورة التحرير، أكبر المكاسب الحاصلة رغم العسكر هي شعوب واعية ومستعدة للتضحية وقد أعلنت خروجها.

استحالة استمرار الأنظمة مرهون بلحظة شجاعة، لقد نقلت الشعوب الحرة الخوف إلى المنظومات الحاكمة المتلونة وقد آن أوان الضغط الأقصى للمكاسب الأرفع والحذر واجب من خطاب الوطنية المزيف، فالأنظمة أهدرت الأوطان منذ 70 عامًا وهي أقل حرصًا عليها من شعوبها التي تكنس طرقاتها، وعلى كل مثقف ومتعلم يحترم نفسه أن لا ينصب نفسه معلمًا على شعب يعرف كيف يسير في الشوارع يطلب الحرية، المكان الوحيد للمثقف أن يبالغ في تزيين الحلم، كل تدخل توجيهي آخر هو مناورة لإنقاذ المنظومات، الجملة المناسبة في هذه الأيام هي دع الشارع يتحمل ثمن حريته فقد استعد لها.

لقد كان الفقراء الأميون المنعوتون بالجهل والأمية هم من دفع الثمن من حياتهم لتحرير بلدانهم من الاستعمار المباشر وهم من سيتكفل بترسيخ الحرية بانتزاعها من أشداق الدبابات الوطنية التي لم تخض يومًا حرب من أجل سلامة الوطن وإنما كانت فوهاتها موجهة لصدر المواطن الذي دفع ثمنها لمعامل السلاح الغربية، سيزهر الحلم العربي وهذه جملة غير مقطوعة عن سياق.