العراق، ورغم أنه يعد من أكثر بلدان منطقة الشرق الأوسط وفرة في المياه ويشق أراضيه نهرا دجلة والفرات وعشرات الروافد والبحيرات، فإن البلاد تشهد تراجعًا كبيرًا في الزراعة في السنوات الماضية، وباتت الصحراء والرمال تزحف رويدًا رويدًا نحو المدن والمناطق التي كانت خضراء يومًا ما.

الأسطر التالية تقرأ في واقع الزراعة في البلاد وأسباب تراجعها، خاصة مع ورود تقارير عن أن العراق يزرع ربع أراضيه الصالحة للزراعة.

كيف تتدهور الزراعة في العراق؟

شهد العراق في السنوات الماضية تراجعًا كبيرًا في مساحات الأراضي المزروعة، إذ يحذر خبراء اقتصاديون من أن العراق بات ومنذ سنوات لا يزرع سوى 10 ملايين دونم من مجموع المساحة الصالحة للزراعة في البلاد التي تقدر بـ40 مليون دونم.

وفي هذا الصدد، يتحدث الخبير الاقتصادي خالد زكي عن أن العراق يهدر ثلاثة أرباع المساحات الزراعية المتوافرة من شمال البلاد إلى جنوبه، مرجعًا سبب تراجع الزراعة إلى سوء التخطيط والإدارة في وزارتي الزراعة والموارد المائية.

أسباب عديدة وراء تراجع الزراعة في العراق، ومنها سوء التخطيط وطرق الري القديمة وإهدار المياه

وبحسب زكي فإنه وفي حال استمر العراق في طرقه الزراعية التقليدية، فإن المساحات الزراعية الحاليّة ستشهد تراجعًا كبيرًا خلال السنوات القادمة، مشيرًا إلى أن مساحات الأراضي التي كانت ترزع في البلاد قبل عام 2003 كانت تقدر بنحو 63 مليون دونم، ما يعني تراجع المساحات الزراعية خلال الـ16عامًا الماضية إلى أكثر من 33%.

ويشير زكي إلى أن تراجع الزراعة في العراق لا يقف عند تراجع المساحات المزروعة فقط، بل يمتد إلى كمية الإنتاج في المساحات المزروعة ذاتها، إذ إن كمية الإنتاج الزراعي في الدونم الواحد تراجعت إلى نصف الكمية المنتجة عالميًا، رغم أن الدول المتقدمة استطاعت مضاعفة الإنتاج الزراعي إلى ضعف ما كانت عليه الحال قبل سنوات.

ما أسباب تراجع الزراعة في العراق؟

أسباب عديدة وراء تراجع الزراعة في العراق، منها سوء التخطيط وطرق الري القديمة وإهدار المياه، فضلاً عن تزايد حملات تجريف البساتين وتحويلها إلى مشاريع سكنية وتجارية.

ويعزو الخبير الاقتصادي باسم جميل أنطوان أسباب تراجع الزراعة إلى طرق الري والزراعة القديمة والمتخلفة المعتمدة من وزارتي الزراعة والموارد المائية، مؤكدًا أن العراق يزرع ربع المساحات الصالحة للزراعة وبكمية إنتاج تعادل ربع الإنتاج الزراعي، مقارنة بالدول الأخرى التي تزرع ذات المساحات الزراعية.

تعد إشكالية عدم حماية المنتج المحلي وفرط الاستيراد أحد أهم المشكلات التي تعيق نمو الإنتاج المحلي في العراق

وكشف أنطوان أن وزارة الموارد المائية ما زالت تعتمد طرقًا قديمة متخلفة بالري ومنها الري بالسيح الذي يتسبب بهدر كميات كبيرة من المياه، فضلاً عن تسببها بارتفاع نسبة الملوحة وتحول الأراضي الزراعية إلى بور، لافتًا إلى أنه لا جدوى اقتصادية من الزراعة ما لم يتم اعتماد طرق التنقيط والمرشات الحديثة وتبطين الجداول ورفع وإزالة التجاوزات الكبيرة على الأراضي الزراعية.

أسباب أخرى تعترض التنمية الزراعية في البلاد، ولعل أهمها تجريف الأراضي الزراعية وتحويلها من زراعية إلى سكنية أو صناعية، فرغم من أن الحكومة العراقية أقرت في عامي 2009 و2016 قانوني الغابات ومنع تجريف البساتين، فالواقع يشي بأن تجريف البساتين والتوسع السكاني على حساب الأراضي الزراعية لا يزال قائمًا.

فرط الاستيراد وعدم حماية المنتج المحلي

تعد إشكالية عدم حماية المنتج المحلي وفرط الاستيراد أحد أهم المشكلات التي تعيق نمو الإنتاج المحلي في العراق، ويعد القطاع الزراعي أحد أكثر القطاعات التي تعاني من مشكلة الاستيراد الأجنبي.

إذ تجتاح المنتجات الزراعية المستوردة من دول آسيوية وعربية الأسواق العراقية، وبحسب مقرر لجنة الزراعة في البرلمان العراقي في دورته السابقة عبد الهادي خير الله فإن العراق يستورد أكثر من 75% من المنتجات الزراعية من إيران وتركيا ومصر، ومن أبرز المنتجات الزراعية المستوردة الطماطم والخيار والبطاطس والباذنجان والفواكه بأنواعها.

يوضح المتحدث باسم وزارة الزراعة حميد النايف في حديثه لـ"نون بوست" أن الوزارة أرسلت إلى سلطات المنافذ الحدودية في الأشهر الماضية لائحة بـ12 مفردة زراعية ممنوعة من الاستيراد لحماية المنتج المحلي، إلا أنها ما زالت تدخل البلاد بطرق غير قانونية

وكان خير الله قد أوضح في حديثه لوسائل الإعلام أن إيران تأتي في المرتبة الأولى للدول المصدرة لمنتجاتها الزراعية إلى العراق، تتبعها تركيا ومصر، مشيرًا إلى أن إيران وحدها صدرت في فترة أربعة أشهر عام 2017 نحو 110 آلاف طن من السلع الزراعية.

من جانبه وضح المتحدث باسم وزارة الزراعة حميد النايف في حديثه لـ"نون بوست" أن الوزارة أرسلت إلى سلطات المنافذ الحدودية في الأشهر الماضية لائحة بـ12 مفردة زراعية ممنوعة من الاستيراد لحماية المنتج المحلي، إلا أنها ما زالت تدخل البلاد بطرق غير قانونية.

وكشف النايف أن هناك مافيات متخصصة بتهريب الخضراوات والفواكه الممنوعة من الاستيراد، مشيرًا إلى أنه لا سلطة لوزارة الزراعة على إيقاف دخول المنتجات الزراعية الممنوعة، إذ إن المسؤولية تقع على سلطات المنافذ الحدودية ووزارة الداخلية.

ويقول المزارع إبراهيم خليل من محافظة نينوى في حديثه لـ"نون بوست" إن مشاكل كثيرة تعترض التنمية الزراعية في البلاد، ولعل أهمها قلة الدعم الحكومي من بذور وأسمدة، فضلاً عن مشاكل الانقطاع المستمر في التيار الكهربائي الذي يؤدي إلى رفع تكاليف الري على المزارعين، خاصة في الأراضي الزراعية التي تعتمد على الري.

وأكد خليل أن من بين المشاكل الأخرى التي تؤدي بالمزارع أو الفلاح إلى ترك الزراعة، فرط الاستيراد الأجنبي وعدم حماية المنتج المحلي، ويضرب خليل مثالاً على ذلك في حادثة وقعت معه الصيف الماضي، إذ يشير إلى أنه تكبد خسائر كبيرة عند زراعته محصول البطيخ الذي يعرف محليًا بـ"الرقي أو الركي".

ويضيف خليل أن البطيخ المستورد من إيران بيع في الأسواق المحلية بـ350 دينارًا للكيلو الواحد، بينما كان يبلغ سعر المنتج المحلي قرابة الـ500 دينار، لافتًا أن المزارعين لم يتمكنوا من خفض الأسعار بسبب ارتفاع التكاليف.