حالة من الجدل أثارتها فرقة "مسار إجباري" الغنائية المصرية بطرحها - بالمشاركة مع الفنان الشعبي أحمد شيبة - أغنية جديدة بعنوان "انزل وشارك"، تحث المواطنين على المشاركة في الاستفتاء على التعديلات الدستورية المرتقبة خلال الفترة من 19-23 أبريل الحاليّ، والتي تواجه رفضًا شعبيًا كبيرًا بسبب تعزيزها لصلاحيات الرئيس السيسي.

تاريخ الفرقة الذي بدأ بالتمرد على القيود، رافضًا المسار الذي أُجبر المجتمع على التفكير من خلاله، محاربًا من أجل توسعة مساحة الإبداع، ينتهي به الحال للترويج لتلك القيود عبر أغنية مثّلت صدمة لكثير من محبي الفريق الذي حاز على شهرته من مواقفه الوطنية المستقلة عن فصيل بعينه.

وجهات نظر عدة وتأويلات متباينة بشأن التغير البيّن في مسار الفرقة، بين من يراها نقلة في منهجية أعضائها ومحاولة الخروج الآمن من هذا المأزق التاريخي الذي تحياه البلاد، وآخرون يتفهّمون حقيقة وحجم الضغوط التي مارستها السلطات المصرية للدفع بهم لاتخاذ هذا الموقف المفاجئ والصادم في آن واحد.

بداية متمردة

تأسس فريق "مسار إجباري" عام 2005 في مدينة الإسكندرية، على يد كل من هاني الدقاق "جيتار" وأيمن مسعود "كيبورد" وأحمد حافظ "باص" وتامر عطا الله "درامز"، وتأتي فكرة التسمية الساخرة اعتراضًا منهم على القيود التي يفرضها المجتمع لمحاولة تنميط أسلوب حياة الشباب مما يضيق مساحة الإبداع والابتكار.

تعتمد الفرقة على تقديم نوع جديد من الموسيقى التي تمزج بين موسيقى الروك والجاز والبلوز مع التراث الغنائي المصري، فساعد في تأسيسها عازف الترومبيت الفرنسي Benoit Fabry الذي كان مقيمًا في الإسكندرية آنذاك، ثم انضم عازف الجيتار شادي ناجي إلى الفريق في الفترة من 2006 وحتى 2008.

بداية الفريق كانت متمردة في المقام الأول، حيث حمل أعضاؤه لواء الخروج عن المألوف ومناهضة التقاليد الثابتة التي شلّت أركان المجتمع فحبسته داخل تابوهات لا تتحرك، وهو ما حوّل الجزء الأكبر من الشارع إلى مسوخ تفتقد للإبداع والتجديد، ومن ثم جاء المضمون المقدم ليلقي بحجر في المياه الراكدة.

لم تكن"مسار إجباري" الفرقة الوحيدة التي سعت إلى الترويج للنظام الحاليّ وسياساته، فقبلها وخلال مؤتمر الشباب العالمي الأخير قدمت فرقة "بلاك تيما" أغنية وطنية كذلك وهو ما أثار الجدل وقتها أيضًا

في البداية اهتمت الفرقة بالقيام بجولات في أماكن مختلفة، وشاركت في العديد من المحافل والمهرجانات، المحلية والإقليمية والدولية،  فقدّمت عروضًا في أوروبا وأمريكا، وشاركت بمهرجانات إفريقية في تنزانيا، هذا بخلاف العروض العربية لا سيما في الخليج وشمال إفريقيا.

شهرة الفريق ونجاحاته الشعبية كانت بوابة العبور للدخول إلى عالم السينما والمسرح، فشارك في عدة أفلام منها فيلم "حاوي" للمخرج إبراهيم البطوط وفيلم "ميكروفون" للمخرج أحمد عبد الله وبعض الأفلام التسجيلية الأخرى، بجانب عدد من العروض المسرحية منها عرض "سطور من دفاتر مصر" مع جماعة المسرح البديل، وهو عرض يدمج الحكي بالموسيقى وتم عرضه في عدد من العواصم والمدن العربية منها القاهرة والإسكندرية وبيروت وتونس وصفاقس.

في 2011 كُرم الفريق بمقر مؤسسة اليونيسكو في باريس وتم إعطاء مسار إجباري لقبArtist for Intercultural Dialogue between the Arab and Western worlds، كما حصل على جائزة أحسن موسيقى تصويرية في مهرجان المركز الكاثوليكي السينمائي عن فيلم حاوي، وفي عام 2014 حصل على جائزة Middle East Music Award كأحسن فريق في العام.

تميزت بدايات مسار إجباري بالتمرد على القيود المجتمعية

تحوّل أم ضغوط؟

انقسم الشارع بشأن الأغنية الأخيرة للفرقة إلى فريقين: الأول يرى أن ما حدث تحوّل طبيعي في ظل رغبة أعضاء الفرقة بالانتصار لمصالحهم الشخصية والمهنية، خاصة بعد فتح باب الشهرة أمامهم ودخولهم عالم السينما والمسرح، الأمر الذي كوّن لهم جمهورهم الخاص وحصد لهم شعبية جارفة.

حزمة من الانتقادات وجهها أنصار هذا الفريق لما سموه "تخلي الفرقة عن مبادئها وتمرّدها" مثلها مثل غيرها من الجماعات والكيانات والأشخاص التي تحولت مواقفها وتبدلت توجهاتها مع مرور الوقت في ظل حالة تضييق الخناق وتقليم الأظافر التي ينتهجها النظام الحاليّ ضد كل من يغرد خارج السرب.

لم تكن "مسار إجباري" الفرقة الوحيدة التي وافقت -أو ربما أجبرت- على الترويج للنظام الحاليّ وسياساته، فقبلها وخلال مؤتمر الشباب العالمي الأخير قدمت فرقة "بلاك تيما" أغنية أثارت الجدل وقتها، ما دفع بعض روّاد مواقع التواصل الاجتماعي إلى السخرية من هذا التحوّل الواضح، متوقعين انضمام فرق أخرى لهذا المسار الجديد على رأسها فرقة "كايروكي".

نشر مغني الفريق هاني الدقاق قبل أيام صورة لابنته على "فيسبوك" مع تدوينة لمح فيها إلى أنه مستعد أن يفعل حتى ما يخالف قناعاته لأنه خائف عليها، إلا أنه وبعد ساعات من نشرها قام بحذفها

فريقٌ آخر تفهّم الأسباب والدوافع التي ذهبت بالفريق إلى هذا الطريق، مستندين في ذلك إلى ثوابت الفرقة ومنهجها الواضح الذي كان سببًا في جماهيريتها بين الشباب على وجه الخصوص، مرجعين هذا التحول إلى الضغوط التي تعرضت لها من السلطات الأمنية.

وجدان أشرف، الصحفية المقيمة بالإسكندرية أشارت إلى وجود أدلة واضحة على تلك الضغوط، كاشفة أن مغني الفريق هاني الدقاق نشر قبل أيام صورة لابنته على "فيسبوك" مع تدوينة لمح فيها إلى أنه مستعد أن يفعل حتى ما يخالف قناعاته لأنه خائف عليها، إلا أنه بعد ساعات من نشرها قام بحذفها، الأمر الذي يشير إلى أمر ما غير مفهوم.

الصحفية الإسكندرانية في تصريحاتها لـ"نون بوست" أشارت إلى أن الفرقة تعرضت لمضايقات عدة خلال السنوات الأخيرة لا سيما بعد مشاركتها في بعض الأفلام السينمائية والأعمال المسرحية، وذلك بسبب منهجها في الغناء الذي يعتمد على التمرد على الواقع ويطالب بفتح آفاق جديدة من الإبداع في كل شيء، الأمر الذي فُسر من البعض على أنه معارضة من نوع آخر.

عبد الرحمن عطية، طالب بجامعة الإسكندرية، أحد أبرز المعجبين بـ"مسار إجباري" قال في حديثه لـ"نون بوست" إن "الفرقة تعي تمامًا أن تمسّكها بثوابتها المعلنة منذ نشأتها وتغريدها خارج السرب المرسوم هو سبب ما حققته من نجاحات حتى الآن، وأي تغيير في تلك الثوابت يعني انهيارها كما حدث مع غيرها".

الطالب الجامعي أوضح أن الصدمة التي تسببت بها أغنية "انزل وشارك" رغم استفزازها لكثير من محبي الفرقة إلا أنهم التمسوا العذر لها إيمانًا منهم أنها لم ولن تكون إلا نتيجة ضغوط عليهم، في ظل حالة استقطاب واضحة، وتابع: "الفرقة ليست بالقوة التي تستطيع أن ترفض إملاءات السلطة.. معذورين".

الأندرجراوند وثورة يناير

عرفت مصر تيار موسيقى الأندرجراوند منذ عقود، وهي موسيقى متمردة في اللحن والكلمات والشكل والمضمون وتخرج عن آليات سوق الغناء التجاري الذي يهدف إلى الربح من دون اعتبار مضمون ما يقدم من أغانٍ،  إلا أن صيتها لم يتحقق بشكل كبير إلا عقب ثورة يناير 2011 التي خرج من رحمها عدد من الفنون البديلة.

ارتبط مصطلح أندرجراوند الذي يعني بالإنجليزية "تحت الأرض" بالفرق المستقلة في مصر بسبب الدولة التي لم ترعها ولم تعطها فرصًا للظهور لتظل دفينة تحت الأرض، بحركات المقاومة وخلق البدائل، ومع ظهور الحركات الفنية الجديدة في الستينيات كجزء من الثقافة البديلة التي كان يخلقها الشباب في ذلك الوقت، بدأت الفرق الموسيقية تتشكل في الغرب لتقدم فنونها في الشوارع الخلفية ومحطات مترو الأنفاق، وتولّد ثقافة بديلة للتيار السائد (الـ Mainstream).

ومع اشتعال الثورة نجح هذا النوع من الفنون في كسب مساحة كبيرة في الشارع، معبرًا عن أحلام وآلام الشباب، مشاركًا لفرحتهم ومشاطرًا أحزانهم، فأصبح لفرق عدة مثل كايروكي ومسار إجباري وبلاك تيما ووسط البلد جماهيرية كبيرة اجتذبت الكثير من النجوم للعمل معها بعدما ذاع صيتها.

ومع مرور الوقت خرجت تلك الفرق من تحت الأرض لتصبح رقمًا مؤثرًا في المشهد الفني السائد، فاستعانت بهم الشركات في الترويج لمنتجاتها مثل كوكاكولا وفودافون وموبينيل، بعد أن كانت الإعلانات تعتمد على كبار نجوم الفن السائد كعمرو دياب وإليسا ونانسي عجرم.

من الواضح أن الأيام القادمة ستشهد نقلة نوعية كبيرة في مسار القوى الناعمة في مصر في ظل حالة الاستقطاب التي تحياها البلاد خلال السنوات الأخيرة

وبعد الشوارع والميادين بات هذا النوع من الغناء يفرض نفسه على ساحات الغناء الشهيرة في ظل إقبال جماهيري كثيف، خاصة بعد تقديم تلك الفرق موسيقاها في الأوبرا أو الساقية أو مسرح الجنينة، ثم تحول الأمر إلى إنتاج ألبومات خاصة بكل فريق، بعدما أيقنت شركات الإنتاج أهمية وقيمة تلك الموسيقى المقدمة.

وبالفعل أنتجت شركة ستار جيت للإنتاج الفني لفرقة "وسط البلد" ألبوم "قربيلي"، ولفرقة "بلاك تيما" ألبوم "بحار" وغيرها من الألبومات الأخرى بجانب المهرجانات والحفلات في الداخل والخارج، هذا بخلاف توجه بعض الفرق للإنتاج لنفسها هربًا من قيود الرقابة وشركات الإنتاج كما فعلت كايروكي بطرح ألبومها الأخير على موقع "يوتيوب".

كما أصبحت الحفلات المقامة في شواطئ مصر ومنتجعاتها السياحية أرضًا خصبة لتلك الفرق، فأقيمت حفلات جمعت بين كارول سماحة ومسار إجباري، وأخرى للفريق نفسه مع محمد حماقي، كذلك شاركت سميرة سعيد بحفلة مع شارموفرز، وهو ما يعكس حجم ما وصلت إليه فرق الأندرجراوند من شعبية وجماهيرية كبيرة في مصر.

وفي المجمل، من الواضح أن الأيام القادمة ستشهد نقلة نوعية كبيرة في مسار القوى الناعمة في مصر في ظل حالة الاستقطاب التي تحياها البلاد خلال السنوات الأخيرة، وإحكام القبضة الأمنية وتوظيف كل أدوات الضغط لضمان عدم الخروج عن السرب، في ظل رفض أنصاف الولاء، الأمر الذي ربما يحمل الكثير من المفاجآت بشأن مواقف وتوجهات كيانات كانت في الماضي علامات فارقة في التمرد والمواجهة.