كل ما مرت به المنطقة يمثّل تجارب مغموسة بالآلم التي يستلهم منها ثوار السودان حكمتهم

يتحرك ثوار السودان بنضج ملفت، كأنهم أصحاب تجارب عامرة في كيفية الهدم والبناء بعد تفجير ثورة عظيمة، تصدوا لها في وقت أدار لهم العالم أجمع ظهره، وتجاهلتهم وسائل إعلام المنطقة، بجميع أشكالها وألوانها، والآن يعطون الدرس الثاني للجميع، في كيفية إدارة الأزمة، اعتمادًا على تناسخ الأنظمة العربية، وتطابق معظم تصرفاتها خلال الـ 9 سنوات الماضية. 

دروس من ذهب 

منذ نهاية 2010، وحتى الآن، والمنطقة تعطي العالم أجمع دروس العمر، تساقط رؤوس الديكتاتورية وكأنهم أشباح مرت على خيالنا، من حسني مبارك، وزين العابدين بن علي، وعلي عبد الله صالح ، إلى معمر القذافي، وآخيرًا عمر البشير وبوتفليقة.

كل ما مرت به المنطقة، يمثل تجارب مغموسة بالآلم، يستلهم منها ثوار السودان، الذين يتصدر الواجهة فيهم شباب وطلاب جامعات، كيفية قيادة التحول الديمقراطي، دون الانزلاق في فخ الفوضى، وإن كان التوسع في الاعتقالات، والمطالبة بالتطهير والعزل السياسي، يبدو كشبح مخيف، وقد ينحرف عن أهدافه، ويقود إلى تجميع قوى ناقمة على الثورة، للعمل ضد أهدافها، وبالتأكيد سيكون هؤلاء الأقوى والأكثر تنظيمًا من خبراتهم السابقة، ولا سيما إذا وجدوا تعاونًا من المجلس العسكري، الآن أو لاحقًا.   

تحرك ثوار السودان بوعي كبير، لتجنب عمل مواجهات مسلحة مع الجيش، على شاكلة النموذج السوري والليبي الآن، ودائمًا ما يؤكدون على سلمية الاحتجاجات بالقول والعمل، رغم حثهم على بقاء الثورة في الشارع

ربما أفضل ما يميّز ثورة السودان، قيادتها من تجمع المهنيين، الذين يضعون زمام المبادرة في أياد وعقول غير مؤدلجة، بل نشطاء ينتمون إلى مجموعات سياسية مختلفة، تدرك أهمية الوحدة، بحسب تعبير سارة عبد الجليل، المتحدثة باسم جمعية المهنيين السودانيين، ويخلص الجميع للمجد والتاريخ القومي للسودان دون حساب لأي فكر أو توجه على آخر، فجميع أبناء المنطقة فقدوا ثقتهم في دور الأحزاب السياسية التقليدية الإصلاحية، والتي أثبتت أنها غير قادرة على التصرف كعوامل للتغيير السياسي، بجانب عدم ثقتهم اللافتة في الشعارات البراقة، ووعود التمكين، دون العمل على الأرض، ما دعاهم للاستمرار في الشارع، منذ عزل البشير ووزير دفاعه ورئيس أركانه، وحتى الآن، لتجنب حدوث سيناريو شبيه بما حدث في دول الربيع العربي، وهو ما يحدث في الجزائر أيضا؛ فعهد الثقة بالوعود، انتهى وولى إلى غير رجعة. 

كما يتحرك ثوار السودان بوعي كبير، لتجنب عمل مواجهات مسلحة مع الجيش، على شاكلة النموذج السوري والليبي الآن، ودائمًا ما يؤكدون على سلمية الاحتجاجات بالقول والعمل، رغم حثهم على بقاء الثورة في الشارع، فهتاف سلمية فقط، لم يعد يساوي الحبر الذي يكتب به على لافتات، بل يجب ان يترجم إلى أهداف ووسائل ضغط، ومدى زمني يحققه على أرض الواقع، حتى لا تنتهي البلاد إلى ما وصلت إليه معظم بلدان الربيع العربي، التي غمرتها رياح الثورة، وجعلتها بين خيارين، فإما صدام ينذر بحرب أهلية، أو تسيد عقليات الميلشيات مثل الحوثيين في اليمن، وتزايد عدم الاستقرار وتدهور الوضع الأمني، وصعود المتطرفين والتكفيريين من أمثال داعش. 

تكشف الخطابات الثورية والسياسية للثوار، إبصارهم بكيفية التعامل مع النظام العربي الجديد، الذي استطاع إعداة تشكيل العلاقات الإقليمية بين القوى التقليدية الكبيرة في المنطقة، وانضمام الولايات المتحدة لدعم هذا النظام الإقليمي، الذي تقوده مصر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، وأجندة التوافقات في الشرق الأوسط بين مراكز القوى، مصر وإيران والعراق و "إسرائيل" والمملكة العربية السعودية وتركيا، لذا يتعاملون مع الخارج عمومًا بحذر شديد، حتى يقضوا على أي ملمح قد يؤدي لتسريع جذب البلاد إلى العنف، إذا ما غابت الحلول المعقولة للجميع. 

الاستفادة من الزخم الشعبي 

يعرف ثوار السودان أهمية استغلال الروح الثورية في الحشد للبقاء بالميادين، من أجل أهداف الثورة؛ فالدعم الشعبي للاحتجاجات الجماهيرية، انخفض بشكل ملحوظ، في جميع أنحاء المنطقة وهو ما أفشل ثورة البحرين على سبيل المثال، قبل أن تتدخل القوات الخليجية لإفشال التظاهرات، وتسبب ضعف الحشد في عدم اكمال ثورات المغرب والأردن والجزائر من قبل، بسبب الخوف من زعزعة الأمن.

والأمن لدى الكثير من المواطنين في المنطقة مقدمٌ على الديمقراطية، التي أثبتت التجربة أن أغلب التيارات الثورية المتصارعة في المنطقة، لايفقهون في أبجدياتها، ولايعرفون منها غير ديمقراطية الصندوق، لحسم الصراعات الأيدلوجية، التي جعلت لدى المواطنين تيمة جديدة تمامًا لتفسير الصراع بين الجميع ضد الجميع، فإما أنت وطنيًا، أو أن تكون خائنًا، لذا فالتعبئة الجماهيرية، تحمل دائمًا إمكانية حدوث تغيير جوهري من البداية، نحو سياسات أكثر ديمقراطية .

هذا الوعي السوداني، يؤكد أنه على معرفة كبيرة بالأدبيات الخاصة بالثورات، التي تستفيد من الماضي كمقياس للحاضر، وتقارن بين الأحداث في العالم العربي، وتدرك التغيير الجذري المطلوب

ويشعر السودانيون بمدى فداحة فاتورتة اللامبالاة السياسية، لذا يعملون بكل قوة، حتى يبقى صوتهم مسموعًا لكل الأطراف الداخلية والإقليمية، التي يتوقعون أن يمارسون عليهم ضغوطًا سلبية لإبقاء السودان في محيط الجوار الإقليمي غير الديمقراطي، ما ينذر بتعطيل عملية الديمقراطية المحتملة في السودان؛ فأكثر النتائج إيجابية في الحشد بالبلدان العربية، كانت بعد انطلاق الثورات عام 2011، حيث امتلأت شوارع القاهرة وتونس والرباط وصنعاء وعواصم العالم العربي بالمحتجين، الذين لم يحققوا مكاسب من السلطة، بعد عقود من الطاعة الخائفة، إلاعندما رفعوا أصواتهم للتعبير عن مظالمهم والمطالبة بالتغيير.

هذا الوعي السوداني، يؤكد أنه على معرفة كبيرة بالأدبيات الخاصة بالثورات، التي تستفيد من الماضي كمقياس للحاضر، وتقارن بين الأحداث في العالم العربي، وتدرك التغيير الجذري المطلوب، فالتغيير الهيكلي والقيادة ضروريان للثورات، لذا يتصدى اتحاد المهنيين للقيادة بشكل واع، ويحاول بالعروض الشعرية والموسيقي في محيط الميدان،  تكوين قصة حب بين الثورة وأبنائها، تعينهم على عمل تحولات تاريخية لبلادهم، فالمقاومة دائما هي الوسيلة الأهم لإحداث وعي سياسي ومدني وعاطفي لم يكن موجودًا من قبل، حتى لا يتحكم في أبناء الثورة "الحظ" وتبقى قصة نجاحهم أمر نسبي. 

الاهتمام بالاقتصاد 

أكثر ما يلفت الانتباه في الثورة السودانية، اهتمامها بالاقتصاد، فهو سبب الانتفاضات الأول دائمًا، ولا سيما أنه لم يحتل الكثير من اهتمامات أجندة بلدان الربيع العربي، التي سبقت السودان في الثورة على الممالك القديمة، فالبطالة المنتشرة في المنطقة، وعدم المساواة الاقتصادية، والتطلعات المحبطة للحصول على مزيد من الحرية والمشاركة السياسية للفئات الاجتماعية التي شعرت بأنها مستبعدة إلى حد كبير من فوائد التنمية الاقتصادية يجعل ثوار السودان يضعونه في مقدمة أهدافهم. 

الأمل معقود على ثوار السودان، في الاستفادة من الاحتجاجات لإبقاء التفاؤل، أن المجتمعات في المنطقة لم يعد بالإمكان تجاهلها، وحتى لاتعود البلدان العربية إلى الوهن والكآبة، وتحويل أي احتجاج إلى مؤامرة، ويبقى الرهان عليهم، لتأسيس نظام جديد، لايشبه أركان النظام القديم

وتتحدث الدراسات عن أن البطالة وضعف الاقتصاد هما من أهم أسباب تعثر النمو العربي، بداية من عام 2005 – 2010، التي فاقت معدلات البطالة فيها الـ 25 %، واستمرت في الارتفاع في عامي 2011 و 2012، حيث كان أعلى معدل للبطالة بين مختلف المناطق النامية وفقًا منظمة العمل الدولية. هذه الأسباب قادت إلى تسريع وتيرة الصراع مع السلطات الحاكمة، بسبب الدور الاقتصادي المتراجع للدول العربية، وعدم قدرتها على تعزيز نمو وتمكين منظمات المجتمع المدني المستقلة التي تضغط تقليديًا من أجل الإصلاحات الاقتصادية والسياسية، وهي جملة ملاحظات، العمل عليها يضغط بقوة سيقود إلى الإصلاح السياسي المنشود، وتنفيذ التقدم الاجتماعي والاقتصادي، بمزيد من الحرية والمشاركة السياسية.

الأمل معقود على ثوار السودان، في الاستفادة من الاحتجاجات لإبقاء التفاؤل، أن المجتمعات في المنطقة لم يعد بالإمكان تجاهلها، وحتى لا تعود البلدان العربية إلى الوهن والكآبة، وتحويل أي احتجاج إلى مؤامرة. ويبقى الرهان عليهم لتأسيس نظام جديد لا يشبه أركان النظام القديم، حتى وإن تم ذلك بأدوات جديدة وأذرع اقتصاديه قوية. نظامٌ لا يرمي نفسه في متاهات حكم ديني يقود البلاد إلى أجواء غير متسامحة، تقضي في النهاية على الأخضر واليابس!