تشعر الكثير من أمهات هذا الجيل بالقلق بشأن أوزان أطفالهن وعاداتهم الغذائية اليومية، ومما لا شك فيه، لم يأتِ قلقهن هذا من فراغ، فما نقرأه ونشاهده من تقارير وأرقام عن سمنة الأطفال يشي بأن ثمة مشكلة عالمية حقيقية تستحق الخوف والقلق وإثارة الهواجس في نفوس الأمهات.

فقد حذرت منظمة الصحة العالمية من الأزمة الصحية التي يعاني منها سكان العالم وتزداد سوءًا كل عام، فهناك بالفعل أكثر من 124 مليون طفل يعانون من السمنة الآن، وهو رقم تضاعف أكثر من عشر مرات في العقود الأربع الماضية، ففي عام 1975 كان هناك 5 ملايين طفلة تعاني من السمنة، الرقم الذي ارتفع إلى أكثر من 50 مليون طفلة في العامين الآخرين، أما عند الأولاد، فقد قفز الرقم من 6 ملايين إلى 74 مليون في نفس الفترة وهي أرقام صادمة بكل تأكيد.

وما يستدعي القلق أكثر أن 5% من الأطفال ذوي الوزن الصحي في مراحلهم العمرية الأولى سيعانون من السمنة في الكبر، في حين أن أكثر من 79% من الأطفال السِمان سيعانون بالفعل من الوزن الزائد بعد البلوغ والمراحل المتقدمة الأخرى.

كيف تراقبين وزن طفلك؟

كثيرًا ما نُظر إلى أن وزن الطفل في سنواته الأولى لا يستدعي المراقبة والمتابعة، ففي معظم بلدان العالم، يتم وزن الأطفال وقياسهم خلال السنة الأولى من المدرسة أو في عامهم الأول عند الزيارات الطبية لأخذ التطعيمات والتلقيحات، لكن خبراء الصحة في الآونة الأخيرة يرون أن على الوالديْن مراقبة أوزان أطفالهم بدءًا من عامهم الثاني.

إذ تبدأ عادات الطفل الغذائية بالتغير مع العام الثاني من عمره لتصبح أكثر شبهًا مع بقية أفراد أسرته، فيتعلم الجلوس إلى المائدة وتكوين تفضيلاته الخاصة بالطعام، والتأثر بما يأكله الآخرون من حوله، وعلى الرغم من أن الكثيرين يعتقدون أنه من السهل اكتشاف فيما إذا كان الطفل يعاني من الوزن الزائد من خلال النظر إليه فقط، فإن الأمر ليس هكذا بالضرورة لا سيما مع صعوبة قياس مؤشرات كتلة جسم الطفل المتبعة مع البالغين.

على الوالديْن مراقبة أوزان أطفالهم بدءًا من عامهم الثاني، نظرًا لأن عادات الطفل الغذائية تبدأ بالتغير مع العام الثاني من عمره لتصبح أكثر شبهًا مع بقية أفراد أسرته

هناك عدة طرق خاصة بالأطفال يقوم بها الأطباء وأخصائيو الرعاية تعتمد على عمره من جهة، والمقارنة مع الأطفال في نفس العمر من جهةٍ ثانية. لذلك، فالخطوة الأولى لحماية طفلك من السمنة هي التحقق من وزنه ومؤشر كتلة جسمه عن طريق زيارةٍ لطبيب أطفال أو من خلال عدة مواقع على شبكة الإنترنت.

الخطوة التالية.. ماذا بعد قياس الوزن؟

قد تسأل نفسك ما الذي يمكنك القيام به بعد تأكدك من زيادة وزن طفلك أو من أنه معرض للزيادة، فربما لا يكون من السهل التحدث معه عن وزنه أو أكله الزائد، فهذه مخاطرة قد تؤدي لإحباطه أو إلى تعزيز الشراهة واضطرابات الأكل الأخرى لديه، ليس في الوقت الحاليّ وحسب بل من المحتمل أنْ يكون التأثير بشكلٍ دائم لاحقًا.

لذلك قد تكون النصيحة الأولى التي يجب على الوالديْن اتباعها هي عدم الحديث مع الطفل عن السُمنة أو رميه بالتعليقات عن وزنه وشكله، فالتعليقات الصادرة من أفراد الأسرة لها تأثير عميق يستمر لسنوات عند الطفل.

مفتاح حماية طفلك من الوزن الزائد هو خلق عادات صحية بشكلٍ تدريجي وبطريقةٍ أفضل لا تؤثر على صورة الطفل سلبيًا ولا تؤدي به إلى الاكتئاب أو أيٍ من اضطرابات الأكل

وفي حين يعتقد البعض أيضًا أن مجرد تشجيع أطفالهم على اتباع نظامٍ غذائي معين أو الحد من تناول بعض الأطعمة يساعد في حماية الطفل من السمنة، إلا أن الأمر لا يفي بالغرض مطلقًا، وإنما قد يأتي بآثار سلبية مثل ضعف احترام الذات والاكتئاب وزيادة الوزن لاحقًا نظرًا لأن الطفل قد ينظر لمثل هذه النصائح والإرشادات وكأنها رفضٌ لصورته أو ذاته وطلبٌ منه ببذل مزيدٍ من الجهد ليكون مقبولًا بين الآخرين.

إذًا كيف يمكن للوالدين التصرف وهما يشاهدان ازدياد وزن طفلهما؟ قد تكون النصيحة الأهم هي محاولة التأثير على عادات أكل الطفل دون الحديث عنها وإنما ببذل مزيدٍ من الجهد لخلق جوٍ يشجع أكثر على عادات الأكل الصحية ويتحدث بشكلٍ أقل عن الوزن وإنقاصه والخوف من زيادته.

تلعب اللغة والمفردات المختارة في توجيه الرسائل لطفلك دورًا مهمًا وكبيرًا في محاولاتك للتخلص من وزنه الزائد أو منع زيادته

فعلى سبيل المثال، لا تخبري طفلك بأن عليه ألا يأكل الحلوى أو المثلجات لأنها قد تزيد وزنه، بل ابحثي عن أساليب أكثر تركز على أنماط وسلوكيات الأكل اليومية التي يمكنك صنعها لطفلك. تحتاج هنا للتركيز على الصحة بدلًا من التركيز على الوزن، الأمر الذي يكون أسهل بمكان إذا كان شأنًا عائليًا، فالطفل بالنهاية يتأثر بمن حوله ويحاول تقليدهم.

لذلك قد يكون من الأسهل أنْ توجه الكلام لطفلك لا بالإشارة إليه وحده، وإنما بجعل العائلة جزءًا من ذلك، كأنْ تخبره أنكم في العائلة ستركزون على الطعام الصحي لأنه أفضل للصحة أو أنكم ستقومون بنشاطٍ بدني كالمشي نظرًا لأنه نشاط ممتع ويفيد الصحة.

وبكلماتٍ أخرى، تلعب اللغة والمفردات المختارة في توجيه الرسائل لطفلك دورًا مهمًا وكبيرًا في محاولاتك للتخلص من وزنه الزائد أو منع زيادته لاحقًا، أيْ أن مفتاح حماية طفلك من الوزن الزائد هو خلق عادات صحية بشكلٍ تدريجي وبطريقةٍ أفضل لا تؤثر على صورة الطفل سلبيًا ولا تؤدي به إلى الاكتئاب أو أيٍ من اضطرابات الأكل.

ما يعني أن تشجيعك للعادات الصحية ومحاولة تكرارها بشكلٍ يومي تساعدك بشكلٍ كبير في خلق نظامٍ صحي لعائلتك وطفلك رغم أن الأمر يبدو تحديًا كبيرًا في البداية، وعلى الرغم من أنه يعتمد على التعليم واستخدام أسلوب الحوافز والمكافآت، فإن القدوة الجيدة تلعب دورًا كبيرًا في التعلم أيضًا، وبالتالي لا تتوقع من طفلك أنْ يأكل الوجبات التي أعددتها أو الخضراوات والفواكه التي تقدمها له في حين أنك تستمر في تناول ما هو غير صحي أمامه أو أنك تسمح له بقضاء معظم وقته أمام شاشات التلفاز والهاتف حيث عشرات الإعلانات التي تروج للحلويات والأطعمة غير الصحية التي تتسلسل إلى عقله اللاواعٍ وتؤثر على سلوكياته.