ربّما ولّى الزمان الذي كان فيه البوتوكس والعمليات التجميلية الأخرى حكرًا على الأشخاص الذين وجدوا أنفسهم على عتبة التقدّم في العمر فقرّروا حماية أنفسهم من آثار الشيخوخة والكبر والحفاظ على يناعة شبابهم ونضارته. فما نشهده في العاميْن الأخيرين هو هوسٌ شبابيّ عند كلا الجنسين بدءًا من مرحلة المراهقة أو بداية العشرينات.

وهو التريند الذي يُعرف باسم "Prejuvenation"، حيث يقوم الناس -رجالًا ونساءً- بعمليات تجميلية في العشرينات والثلاثينات من عمرهم لمنع ظهور علامات التقدّم في العمر على وجوههم من تجاعيد وترهلّات وخطوط رفيعة وغيرها بدلًا من انتظار ظهورها ومن ثمّ تصحيحها. ينتشر الأمر بشكلٍ مخيف بين أبناء جيل الألفية.

يبدو ذلك الهوس مخيفًا بلغة الأرقام. فقد ارتفع استخدام حقن البوتوكس في العالم بنسبة أكثر من 800% منذ عام 2000، فيما ارتفع استخدام مواد حشو الأنسجة اللينة وحقنها بنسبة 300% لنفس الفترة. تُعتبر تلك الأرقام منطقيةً مع ظهور ما يُعرف باسم عمليات شدّ الوجه الصغيرة "mini-facelifts" والتي توفّر للناس إمكانية القيام بخطوات تدريجية في الجراحة التجميلية، فيمكنهم تغيير عيونهم أو جبهاتهم أو ذقونهم أو خدودهم كلٍ على حدة. 

ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي وما أنتجته من عبادة الصورة والمظهر في تصاعد الهوس بعمليات التجميل

ولو جئنا لتفسير الأسباب النفسية وراء هذا الهوس لوجدنا أنّ عبادة الصورة والمظهر التي تدعمها وسائل التواصل الاجتماعي واحدةً من أهمّ العوامل في صعود تريند التجميل. إذ تعمل تلك الوسائل على وضع عددٍ من المعايير الاجتماعية للجَمال تدفع بالكثيرين إلى اتّباعها لمجاراة الآخرين وخوفًا من الاستبعاد أو عدم الموافقة.

عزّزت تلك المنصات بإعلاناتها المموّلة المباشرة وغير المباشرة ومن خلال جمعٍ كبيرٍ من المشاهير على الترويج لسهولة تلك العمليّات وضرورتها. حتى أصبح الخطاب فجأة لا بضرورة التخلّص من التجاعيد، بل باستباق حدوثها ومنعها من ذلك. ولا عجب أنّ الفتيات في بدايات العشرينات والثلاثينات يتأثرنَ بمن يشاهدنه من فنّانات ومؤثّرات وفاعلات على مواقع التواصل.

صعوبة بإظهار الانفعال وعرقلة لإبداء التعاطف

البوتوكس هو الاسم التجاري للعلاج التجميلي، أمّا طريقة عمله فتقوم على حقن العضلات بمادّة سم البوتيولينيوم "Botulinum toxin" الذي تُنتجه أحد أنواع البكتيريا ويعمل بدوره على إيقاف إطلاق الإشارات الكيميائية أسيتل كولين من النهايات العصبية. وهو ما يعني أنه لا يمكن تمرير الإشارات العصبية إلى الخلايا المجاورة، سواء كانت خلايا عصبية أخرى أو خلايا عضلية، مسببًا لشللٍ ارتخائيّ. أما الفلرات فهي مواد تحقن في البشرة لإعطاء مظهر معين ثابت للجلد، قد تكون مؤقتة تستمرّ لشهور أو دائمة يمكن استمرارها لمدة 10 سنوات. 

يشلّ البوتوكس وعمليات التجميل تعابير الوجه التي تكشف عن شعورنا اللاواعي بالغضب والسعادة والاشمئزاز والحرج والفخر وغيرها من المشاعر

ونظرًا لأنّ كليهما يعمل على شلّ الجلد وعضلاته، فليس هناك شكٌّ بأنهما يشلّان تعابير الوجه التي تكشف عن شعورنا اللاواعي بالغضب والسعادة والاشمئزاز والحرج والفخر وغيرها من المشاعر. أي أنها تحول بين الخاضعين لها وبين قدرتهم على إظهار مشاعرهم العميقة من خلال تعابير وجوههم. بتعبيرٍ آخر، يرى الكثيرون أنّ التواصل مع شخص خضع لعملية بوتوكس أو ما يشابهها يشبه التواصل مع صورة ثابتة وباردة؛ حيث قُتل جزء كبير من لغة الجسد وتعابير الوجه اللازمة لإيصال الرسائل والتواصل مع الآخرين.

من جهةٍ أخرى، تخبرنا إحدى النظريات أنّ جزءًا من تعاطفنا مع مَن حولنا قائم على إعادة تجسيد نفس المشاعر في أجسامنا. بعبارة أخرى، عندما ترى ابتسامة أحدهم فإنّ وجهك سيبتسم بطريقة تلقائية وغير واعية غالبًا، وعندما ترى أحدهم يتألّم فإنّ وجهك يُظهر على الفور انفعالاتٍ وتعبيراتٍ تشير إلى إحساسك بألمه في إشارةٍ منكَ لتعاطفك وتفهّمك لشعوره. فماذا سيكون شكل التعاطف إذا أصيبت عضلات الوجه بالشلل بسبب البوتوكس؟

تخيّل أنّك تتحدّث عمّا يقلقك مع شخصين اثنين؛ أحدهما تظهر تعابير وجهه بشكلٍ طبيعيّ فيما الآخر يجد صعوبةً بتحريك عضلاته وإبداء انفعالاته من حزنٍ وقلق، بالتأكيد ستشعر أنّ الأول يتعاطف معك بشكلٍ أفضل بينما يعجز الآخر عن ذلك وأنّ الأول يفهم شعورك فيما لا يُبدي الآخر أيّ إشارةٍ وجهية تدلّ على ذلك. باختصارٍ شديد، لا يحدّ البوتوكس من إظهار تعابير الوجه وحسب، ولكنه يعرقل التعاطف بين الناس أيضًا.

يُظهر الخاضعون للبوتوكس نشاطًا أقلّ في مناطق الدماغ المستخدمة لتفسير ومعالجة الحالات العاطفية عند الفرد

وقد وجد الباحثون بالفعل أنّ إعاقة القدرة على إظهار تعبيرات الوجه سواء بشكلٍ إراديّ مثل ارتداء واقي فم أو عن طريق الشلل المؤقتة من خلال حقن البوتوكس تؤدي إلى قدرةٍ أقل على قراءة تعابير وجوه الآخرين وفهم عواطفهم. فيما أثبتت دراسة أخرى أنّ الأشخاص الذين خضعوا لحقن البوتوكس يُظهرون نشاطًا أقلّ في مناطق الدماغ المستخدمة لتفسير ومعالجة الحالات العاطفية عند الفرد.

كما يمكن لصعوبة فهم وقراءة التغيّرات المفاجئة في مزاج وعواطف شخصٍ آخر، والتي يمكن له إظهارها من خلال تعابير وجهه، أنْ تؤدّي إلى صعوبات في ديناميكيات التواصل الاجتماعي والاتّصال الناجح بين البشر، وهو ما يثير القلق ويجعلنا نتساء إلى أيّ حالٍ سنصل بعد عقد أو أكثر من الزمان.

وفي حين يظنّ الكثيرون والكثيرات من أنّ البوتوكس وغيره من المواد التي تُحقن في الجسم لا تؤثّر مباشرةً على الدماغ، إلا أنّ الدراسات والأبحاث أثبتت أنّه يؤثّر على القدرة على التفكير بالعواطف ومعالجتها والتفاعل معها. قد تزعج هذه النتائج الكثيرين ممّن أغرقوا أجسامهم بتلك الموادّ، لكنّها الحقيقة على أيّة الحال.

بالنهاية، العديد من الأسئلة قد يكون من اللازم علينا طرحها في ظلّ هذا الهوس. كيف تؤثّر مثل هذه العمليّات ونتائجها على الروابط بين الأم وطفلها الرضيع على سبيل المثال؟ لا سيّما وأنّ الطفل يتعلّم التفاعل مع العالم عن طريق أمّه بشكلٍ أساسيّ، فإذا كانت الأمّ غير قادرة على إبداء تعابير الوجه بالطريقة الصحيحة، كيف يمكن لطفلها تقليدها وتعلّم التعاطف من خلالها؟ أو كيف تؤثّر على التفاعلات العاطفية بين البشر بشكلٍ عام كالحبّ والجنس والاتّصال الجسدي وغيرها، هل سنصبح في مرحلةٍ ما مجرّد وجوهٍ باردة لا تُبدي أيّ مشاعر ولا تفرّق بين أيّ انفعال؟