في يناير/كانون الثاني 2018 انطلقت مسيرات الخلاص الكبرى من ميدان الشعبية في مدينة الخرطوم بالسودان احتجاجًا على سياسات الحكومة الاقتصادية وارتفاع أسعار الخبز الذي وصل سعره إلى 5 جنيهات، وحتى حين استعاد الشعب السوداني شرارة الحراك الشعبي في ديسمبر/كانون الأول 2018 كان الاقتصاد هو الفاعل الرئيسي والمحرك الأبرز للشارع، فلم يهدف الشعب السوداني إلى إسقاط نظام البشير في البداية، وهو الأمر الذي يؤكد أن الأزمات الاقتصادية الطاحنة هي ما دفعت الجموع للخروج إلى الشارع، فما تركة الاقتصاد الثقيلة التي خلفها البشير؟ وهل ستنتهي أزمات السودان الاقتصادية بعد خروجه؟

تركة نظام البشير الثقيلة في أرقام

أظهرت بيانات جهاز الإحصاء في السودان أن نسبة التضخم في البلاد تضاعفت من 25% في ديسمبر 2017 إلى 50% في يناير 2018 مما أدى إلى ارتفاع أسعار السلع الأساسية والإستراتيجية بنسبة 300% بداية عام 2018، وفشلت الحكومة السودانية فشلًا ذريعًا في السيطرة على جماح التضخم في البلاد الذي يعد من أعلى معدلات التضخم في العالم.

لا يمكن بأي حال من الأحوال إغفال أثر العقوبات الأمريكية المفروضة على السودان خلال العقدين المنصرمين التي أدت إلى تجميد الأصول المالية للسودان داخل الولايات المتحدة الأمريكية

جدير بالذكر أن التضخم في السودان لا يتربط فقط بأسعار السلع والخدمات ولكن له علاقة مباشرة بانهيار العملة السودانية، ففي أكتوبر/تشرين الأول من العام الماضي خفضت الحكومة السودانية قيمة العملة المحلية بشدة، ومن جهة أخرى يعاني السودان من فقده لعدد كبير من مصادر النقد الأجنبي، فبعد انفصال الجنوب عام 2011 خسر السودان أكثر من 70% من ثروته النفطية هذا إضافة إلى ضعف سيطرة الدولة على مناجم الذهب وسهولة تهريبه.

ولا يمكن بأي حال من الأحوال إغفال أثر العقوبات الأمريكية المفروضة على السودان خلال العقدين المنصرمين وأدت إلى تجميد الأصول المالية للسودان داخل الولايات المتحدة، وبسبب انهيار العملة تفاقمت في السودان أزمة شح السيولة النقدية في أواخر عام 2018، إذ ظهرت الطوابير الطويلة على ماكينات الصرف الآلي بعد قرار البنوك بوضع حد أقصى للسحب لا يتعدى 2000 جنيه وهو ما يُقدر بنحو 40 دولارًا أمريكيًا ثم خفضت الحكومة هذا المبلغ إلى 500 جنيه بما يعادل 10 دولارات.

إجراءات الحكومة السودانية التقشفية زادت من غضب الشعب

منذ نهاية عام 2011 اتجهت الحكومة السودانية إلى إجراءات تقشفية كان وقعها مدمرًا على المواطن السوداني رغم تدرجها، وتركزت تلك الإجراءات في خفض الإنفاق العام وزيادة الإيرادات الجمركية والإيرادات الضريبية، وبدأت تلك الإجراءات بخفض دعم السلع والخدمات، إذ أعلنت الحكومة أنه بحلول عام 2019 سيتم رفع الدفع بالكامل.

يمكن القول إن الإجراءات التي اتخذتها الحكومة الانتقالية الجديدة ستؤثر بالسلب على أداء الاقتصاد بما يعزز الركود ويرفع سعر السلع والخدمات الأساسية

ورغم أن جميع الأرقام تؤكد فقر السودان، فإنه وطبقًا لتقرير مؤسسة الشفافية الدولية فإن السودان من أكثر الدول فسادًا في الشرق الأوسط والقارة الإفريقية حيث يحتل المرتبة 175 من أصل 180 دولة مدرجة في هذا المؤشر.

هل من الممكن حل التحديات الاقتصادية التي خلفها البشير؟

بعد أن نجحت الاحتجاجات الشعبية في إسقاط البشير أضحى سؤال حل التحديات الاقتصادية ملحًا، فهل يمكن في حال استقرت أوضاع البلاد سياسيًا أن تتحسن الأوضاع الاقتصادية بالتبعية؟

يمكن القول إن الإجراءات التي اتخذتها الحكومة الانتقالية الجديدة ستؤثر بالسلب على أداء الاقتصاد بما يعزز الركود ويرفع سعر السلع والخدمات الأساسية، ويزيد من ضبابية المشهد أن الحكومة لا تملك أي أدوات اقتصادية أو مالية لحل الأوضاع ولا تلجأ إلى حيل مؤقتة مثل فرض حالة الطوارئ والدفع بالعسكر إلى صدراة المشهد.

ووفقًا لما ذكره الخبير الاقتصادي السوداني محمد الناير فإن الرؤية الاقتصادية في السودان غير واضحة حاليًّا بعد محاولة الانقلاب العسكري خاصة فيما يتعلق بسعر صرف العملة المحلية وحركة النشاط الاقتصادي، وأضاف الناير أن تصحيح المسار الاقتصادي يتوقف على قبول الحكومة العسكرية الانتقالية داخليًا وخارجيًا مما سيؤدي إلى استقطاب قروض ومنح تعينها على توفير التمويل اللازم لعملية تسيير الاقتصاد، هذا بالإضافة إلى اتخاذ قرارات من أجل استقطاب تحويلات المغتربين ودعم استقرار سعر الصرف والاستفادة من عائدات التعدين وخاصة الذهب والعمل على سد جميع نوافذ تهريبه خارج البلاد وإزالة كل العقبات أمام الصادرات غير البترولية.

رغم موارد السوادن الهائلة التي من المفترض أن تشكل عامل جذب للاستثمارات الأجنبية فإن هناك الكثير من العوائق التي تجعل الاستثمار في السودان أمرًا صعبًا

وفي سياق متصل قال الخبير الاقتصادي السوداني، آدم مختار، إن الوضع الاقتصادي ينذر بكارثة ربما تؤدي لشلل تام بشكل مباشر على المنتجين والمستهلكين. ويؤكد مختار عدة تخوفات أكبرها دخول السودان في حالة من الفوضى نتيجة قلة الغذاء والخبز والوقود والنقود، ويضيف أيضًا أن إغلاق بعض الجسور ومنع وصول المواطنين إلى الأسواق الرئيسية سيزيد من غضب الشارع وبالتالي لن تتحرك عجلة الاقتصاد.

وبالنسبة لمجال الاستثمار، فعلى الرغم من موارد السوادن الهائلة التي من المفترض أن تشكّل عامل جذب للاستثمارات الأجنبية، هناك الكثير من العوائق التي تجعل الاستثمار في السودان أمرًا صعبًا، حيث ذكر المستثمر السوري عامر زيني مدير سلسلة مطاعم "فونديور" بالسودان، في وقت سابق، أن أكبر عائق يواجهه هو تذبذب سعر الصرف الذي يؤثر بدوره على تحديد سعر المنتج والخدمة، وأشار الزيني إلى أنه حين بدأ استثماره في السودان خلال عام 2016 كان سعر صرف الدولار نحو 14 جنيهًا في حين بلغ في أوائل عام 2019 ما يقارب 55 جنيهًا.

لعنة ديون السودان.. التحدي الاقتصادي الأعظم

تبلغ الديون الخارجية للسودان نحو 58 مليار دولار وفق آخر إحصاء رسمي، تشمل الفوائد، كما أن السودان لديه ميراث ثقيل من الديون المجمدة منذ أربعة عقود، وفضلاً عن تخلفه عن سداد مدفوعات الديون منذ أوائل الثمانينيات فقد خضع السودان لعقوبات أمريكية بسبب الصراع في إقليم دارفور لنحو عقدين وحتى عام 2017.

بعد إسقاط البشير تعالت أصوات المواطنين والخبراء الاقتصاديين والسياسيين للمطالبة بحذف السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب والإعفاء من الديون الخارجية

ويعيش السودان في عزلة عن الأسواق الدولية منذ سنوات طويلة فرغم أن الولايات المتحدة رفعت معظم عقوباتها عنه منذ فبراير/شباط 2017، فإنها أبقت السودان في قائمة الدول الراعية للإرهاب، وباستثناء الصومال فإن السودان البلد الوحيد في العالم الذي يدين بمتأخرات لصندوق النقد الدولي تمثل أكثر من 80% من إجمال المتأخرات المستحقة للصندوق.

وبعد إسقاط البشير تعالت أصوات المواطنين والخبراء الاقتصاديين والسياسيين للمطالبة بحذف السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب والإعفاء من الديون الخارجية، ولكن تلك المطالبات لم تصل إلى نتيجة تذكر حتى الآن، حيث قال خبير الاقتصاد الدولي الدكتور التجاني الطيب إن إعفاء الدول من ديونها الخارجية له آلياته، ويقول الطيب إن هناك ديونًا أسبقية غير قابلة للخصم أو الإعفاء وعلى الدولة دفعها أولًا تمهيدًا لمعالجة الديون الأخرى، وهذه الديون الأسبقية قيمتها ملياري دولار، مقسمة بين مليار دولار لصندوق النقد الدولي ومليار دولار للبنك الدولي.

ويضيف الطيب أنه كي يُعالج موضوع الدين الخارجي وصولًا لمرحلة الإعفاء يجب على السودان أولًا دفع الملياري دولار ثم أن تطلب الدولة من صندوق النقد الدعوة إلى عقد اجتماع لنادي باريس يتم فيه مناقشة الديون الثنائية الرسمية، ويردف الطيب بأنه لا يمكن الذهاب لنادي باريس دون دعم سياسي خارجي قوي واتفاق بين الأطراف الداخلية السودانية على هذا الخيار.

جدير بالذكر أن السعودية والإمارات أعلنتا في 21 من أبريل/نيسان تقديم دعم مالي للسودان بقيمة 3 مليارات دولار سيتم تقسيمه إلى 500 مليون دولار تودع في البنك المركزي وباقي المبلغ لتلبية الاحتياجات الداخلية الملحة في السودان، وأعربتا كذلك عن تأييدهما لقرارات المجلس العسكري الانتقالي.

يُذكر أن السودان شريك أساسي في التحالف العسكري الذي تقوده الرياض وأبو ظبي ضد الحوثيين في اليمن، حيث يقاتل آلاف الجنود السودانيين في صفوف التحالف الذي بدأ عملياته العسكرية منذ مارس 2015، وتجدر الإشارة إلى أن مبلغ المساعدات سيعمل فقط على تحريك الماء الراكد ولكنه يظل مسكنًا فقط للأزمة، فالاقتصاد السوداني بحاجة إلى قرارات جذرية تمس هيكل الاقتصاد وليس مجرد أموال تتدفق عليه من الخارج.