مع انطلاق الثورة السورية وخروجها عن الطابع السلمي وتحولها إلى حرب طاحنة بين مختلف الأطراف المتصارعة للسيطرة على الأرض وفرض نمط حكمها في سوريا، كانت الطائفة الكردية الطرف الأضعف في حلقة الصراع، حتى إنها أصبحت في وقت من الأوقات، مهددة في وجودها وديمومتها وامتدادها خاصة بعد اقتراب تنظيم الدولة الإسلامية من إطباق السيطرة على مدينة عين العرب كوباني أواسط العام 2014.

كان هجوم تنظيم الدولة على عين العرب، واحدًا من أكبر الأخطاء الإستراتيجية التي قام بها إثر إعلانه "الخلافة الإسلامية" وتنصيب أبي بكر البغدادي خليفة، فقد خسر في تلك المعارك التي خاضها ضد وحدات حماية الشعب الكردية وحلفائها من البيشمركة ووحدات من الجيش السوري الحر، المئات من مقاتليه المتمرسين في حرب المدن، جراء استهدافهم المباشر من طائرات التحالف الدولي التي دخلت بقوة في تلك المعارك، وألحقت دمارًا بالغًا لم يرمم إلى حد الآن بالمدينة.

بعد أشهر من القتال والدمار، خسر تنظيم الدولة الأرض وأعاد الأكراد انتشارهم على الميدان بعد أن تلقوا دعمًا واسعًا من التحالف الدولي وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية، ليبدأوا في إعلان تمددهم من منطقة إلى أخرى في سوريا، مبتلعين مساحات واسعة من الأراضي السورية بعد انتزاعها من سيطرة التنظيم، ليس هذا فحسب، بل استطاعوا اعتقال المئات من مقاتلي التنظيم وعائلاتهم، ليصبحوا بذلك الورقة الأصعب على الأرض.

أقل من 5 سنوات كانت كفيلة بإلحاق هزيمة مدوية بتنظيم الدولة الإسلامية وتشتيت مقاتليه وقتل عشرات الآلاف منهم، كما كانت كافية بأن يصبح الأكراد الورقة الأصعب في الحرب السورية

يعتبر تنظيم الدولة أخطر جماعة جهادية عرفها التاريخ المعاصر، لذلك لم يكن من السهل على خصومه هزيمته خلال السنوات الأربعة الأولى من إعلانه التمدد خارج العراق إلى سوريا أواسط العام 2013، حيث حشدت الولايات المتحدة الأمريكية تحالفًا ضم أكثر من ستين دولة لمحاربته ومنعه من التمدد أكثر في مرحلة أولى، قبل أن تبدأ في مرحلة تدميره واجتثاثه في مرحلة ثانية، كما لم يكن سهلاً على خصومه فهم تركيبته الهيكلية وبنيته القيادية بعد إعلان "الخلافة" صيف العام 2014.

أقل من 5 سنوات كانت كفيلة بإلحاق هزيمة مدوية بتنظيم الدولة الإسلامية وتشتيت مقاتليه وقتل عشرات الآلاف منهم، كما كانت كافية بأن يصبح الأكراد الورقة الأصعب في الحرب السورية، نتيجة الدور الكبير الذي قدموه في إيقاف تمدد التنظيم وانتزاع المدن التي كان يسيطر عليها واحدة تلو الأخرى، كما عاد موضوع إقامة الدولة الكردية ليحتل مكانًا مهمًا على طاولة المفاوضات.

ليس هذا فحسب ما جناه الأكراد من الحرب السورية، فرغم آلاف القتلى والجرحى الذين سقطوا منهم خلال المعارك مع التنظيم الجهادي، استطاعت قوات سوريا الديمقراطية (الفصيل الكردي الأكبر على الأرض)، اعتقال عدد كبير من مقاتلي تنظيم الدولة وعائلاتهم، ليكونوا بذلك أكبر كنز معلوماتي واستخباري وقع بأيديهم، وورقة ضغط ومساومة لخصومهم على الأرض.

أصبح الأكراد شريكًا فاعلاً وبارزًا في الحرب العالمية على الإرهاب، كما أن ما بجعبته من معلومات استخبارية مهولة عن الجهاديين وتركيبتهم ومخططاتهم وأهدافهم المستقبلية واستئناسهم بتجارب الماضي، جعلته محط أنظار كبرى الدول ووكالات الاستخبارات العالمية

وفق المعلومات التي قدمتها قوات سوريا الديمقراطية، ينتمي أسرى تنظيم الدولة الذين يتجاوز عدد البالغين منهم 1000، إلى أكثر من 44 دولة عربية وغربية بالإضافة إلى السوريين، موزعين في ثلاثة مخيمات، وهي مخيم روج والهول وعين عيسى، ولا تزال أغلب دولهم ترفض استعادتهم لحد اللحظة، مما جعل الأكراد وحلفاءهم يهددون خصومهم بإطلاق سراحهم وإرسالهم إلى مناطق سيطرة المعارضة السورية.

وفق استقراء لمسار أحداث الحرب في سوريا، يبدو أن الطرف الكردي، هو أكبر طرف مستفيد من هذه الأحداث، حيث أصبح شريكًا فاعلاً وبارزًا في الحرب العالمية على الإرهاب، كما أن ما بجعبته من معلومات استخبارية مهولة عن الجهاديين وتركيبتهم ومخططاتهم وأهدافهم المستقبلية واستئناسهم بتجارب الماضي، جعلته محط أنظار كبرى الدول ووكالات الاستخبارات العالمية التي أصبحت تخاطب قوات سوريا الديمقراطية كجهة رسمية للتعاون الاستخباري معها.

المتغيرات على الأرض والاتفاقات الدولية التي تُبرم خلف الأبواب المغلقة، قد لا تحمل أخبارًا سارة للأكراد الذين راحوا ضحية استخدامهم كورقة ضغط وتهديد

إن كل هذه المكاسب في وادٍ وإعادة حلم إقامة الدولة الكردية في وادٍ آخر، حيث نجح الأكراد في حشد دعم دولي سياسي وعسكري ومالي كبير للمضي قدمًا في مخططهم، ولكن دخول الطرف التركي الرافض لهذه المعادلة أفسد فرحتهم واستبشارهم بذلك، رغم الدور الكبير الذي قدموه في حربهم الطاحنة ضد تنظيم الدولة التي أفقدتهم الآلاف من أبنائهم، ورغم التعاطف الغربي الكبير مع قضيتهم التي لا يبدو إيجاد حل مفرح لهم، متاحًا في الفترة الراهنة.

يبدو أن الأمور لا تتجه في المسار الصحيح في سوريا رغم إعلان هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية من الأطراف المعادية له، فالمتغيرات على الأرض والاتفاقات الدولية التي تُبرم خلف الأبواب المغلقة، قد لا تحمل أخبارًا سارة للأكراد الذين راحوا ضحية استخدامهم كورقة ضغط وتهديد، كما أن الانسحاب الأمريكي من سوريا إذا حدث بشكل جدي، لن يكون طالع خير على قوات سوريا الديمقراطية المنتشية بالفوز مؤخرًا في معارك الباغوز، خاصة أن الأخيرة قد تقع بين فكي كماشة أعدائها فور تغير معادلات الحرب.