يبدو أن العراق على موعد دائم مع العقوبات الاقتصادية، فكانت بسبب احتلال الكويت خلال فترة التسعينيات، لكن هذه المرة ستأتي بسبب التضامن مع نظام إيران ضد العقوبات الأمريكية. هذا ما نستقرئه من إصرار الكثير من القيادات السياسية العراقية المتعاطفة مع النظام الإيراني على ذلك، التي بلغ بها العناد للحد الذي جعلها تسخر العراق وجميع موارده لخدمة المشروع الإيراني بالمنطقة، رغم الفرص الاقتصادية التي تقدم للعراق من دول الجوار العربي، بالإضافة إلى الولايات المتحدة الأمريكية.

يحل الموعد الذي عينته الإدارة الأمريكية للبدء بتنفيذ وعدها بجعل صادرات إيران من النفط الخام "صفر تصدير" في الثاني من مايو/أيار المقبل، وبالتالي فإن الإدارة الأمريكية ستقوم بكل جهد سياسي وعسكري للوصول لهذه المرحلة من منع صادرات النفط الإيراني. ليس هذا فحسب، إنما نبه وزير الخارجية الأمريكي بومبيو أن هذا الموعد هو نهاية الاستثناءات التي حصلت عليها بعض الدول من العقوبات، وأي دولة تخرق القرار الأمريكي بعد ذلك، ستنالها العقوبات هي الأخرى.

واستنادًا لهذا القرار فإن جميع الدول التي حصلت على استثناءات من العقوبات الأمريكية ضد إيران والبالغة 8 دول، حسمت أمرها بإيجاد بدائل عن النفط الإيراني، وضمت قائمة تلك الدول التي قامت بهذا الإجراء دولاً قوية اقتصاديًا، لكنها رأت أن من مصلحتها التناغم مع الرغبة الأمريكية وعدم التضحية بمصالحها مع الأمريكان لأجل إيران، في الوقت الذي أعلنت فيه السعودية والإمارات عزمهما تعويض حصة النفط الإيراني في الأسواق العالمية.

من المرجح أن حكومة عبد المهدي ستُرغم بالنهاية على التعامل إيجابيًا مع الرغبة الأمريكية، لأنها تدرك حجم المغامرة التي ستقترفها إذا أصرَّت على رفض عقوباتها ضد إيران

لكن هذا الأمر لم يكن كذلك مع القيادة السياسية العراقية، فالتصريحات التي نسمعها سواء من بعض المسؤولين الحكوميين أم من قادة الأحزاب والمليشيات العراقية التي تسيطر على المشهد العراقي، جاءت على خلاف ما تريد الولايات المتحدة الأمريكية، وأبدت إصرارها على التعامل مع تلك العقوبات بشكل سلبي، انطلاقًا من الرابط العقائدي الذي يربطهم مع النظام الإيراني، حسب وصفهم.

ففي تصريح لأحد النواب التابعين لمليشيا الحشد الشعبي، رأى أن العقوبات الأمريكية على إيران غير قانونية ومن طرف واحد، والعراق غير ملزم بالالتزام بها، كما أبدى رفضه للاتفاقات الاقتصادية التي أبرمتها الحكومة العراقية مع كل من السعودية والأردن كونها جاءت بضغط أمريكي، وهو بذلك يجعل العراق بموقف التحدي للإدارة الأمريكية التي أعلنت صراحة على لسان القائم بأعمال السفارة الأمريكية بالعراق جوي هود، إذا أصر العراق على خرق العقوبات الأمريكية والاستمرار بالتعامل الاقتصادي مع إيران، فسيتعرض لعقوبات دبلوماسية أو اقتصادية.

وهذا التصريح الأمريكي يفتح الباب على طيف واسع من العقوبات الأمريكية التي تستطيع الإدارة الأمريكية فرضها على العراق، وتضرب الاقتصاد العراقي بمقتل، لكن من المرجح أن حكومة عبد المهدي ستُرغم بالنهاية على التعامل إيجابيًا مع الرغبة الأمريكية، لأنها تدرك حجم المغامرة التي ستقترفها إذا أصرَّت على رفض عقوباتها ضد إيران، والإصرار على رفض الإغراءات الاقتصادية الكبيرة التي تقدمها دول الخليج.

فقد صرح أحد السياسيين المقربين من عبد المهدي أن الأخير أبلغ قادة الحشد الشعبي والسياسيين الموالين لإيران، بعد أن طالبوه باستدعاء القائم بأعمال السفارة الأمريكية في بغداد والاحتجاج رسميًا على تصريحاته بالقول إن من المستحيل استدعاء حكومته لجوي هود وتسليمه مذكرة احتجاج بشأن التهديدات التي أطلقها بفرض ‏عقوبات على العراق، والسبب في ذلك أن الإدارة الأمريكية منحت بغداد فترة ‏استثناء إضافية لحين تدبير أمورها في موضوع الكهرباء والغاز، لكن الكتل السياسية العراقية لا تزال تواصل ضغوطها على رئيس الحكومة بهذا الشأن.

جميع الخيارات مفتوحة أمام الولايات المتحدة، منها قيامها بفرض عقوبات على القادة السياسيين المتعاملين مع إيران وضرب المليشيات، وذلك استنادًا للقرار الأمريكي الذي صنَّف الحرس الثوري الإيراني كمنظمة إرهابية

وإزاء تلك الضغوط التي تمارس على عبد المهدي، نتساءل: هل بإمكانه الصمود أمام ضغوطات تلك الكتل السياسية لا سيما أنها تعتمد على قوة مليشياوية كبيرة، ربما تُشكل مشكلة كبيرة له، بالإضافة إلى أنها تستطيع إسقاط حكومته التي هي بالأصل حكومة هشة ضعيفة وغير مكتملة؟ فنسمع هذه الأيام عن حراك سياسي كبير لتشكيل تحالف نيابي من شأنه إسقاط حكومة عادل عبد المهدي.

وفي حال استطاعت إيران دفع عبد المهدي للرضوخ لضغوطها وضغوط الأطراف الموالية لها، أو في حالة إسقاط حكومته واستبدالها بحكومة تخرق العقوبات الأمريكية ضد إيران، فما العواقب التي سيتعرض لها العراق والشعب العراقي؟

العراق بوضعه الحاليّ الذي يعتمد على الاستيراد بشكل يكاد يكون كليًا، كيف سيتسنى له التعامل مع أبسط عقوبة يمكن أن تفرضها الولايات المتحدة عليه؟ وهذا ما أوضحه الكثير من المراقبين لوصف الحالة العراقية التي تجعل الولايات المتحدة قادرة على فرض حصار قاتل ضد العراق وعزله عن محيطه العالمي والإقليمي.

فجميع الخيارات مفتوحة أمام الولايات المتحدة منها قيامها بفرض عقوبات على القادة السياسيين المتعاملين مع إيران وضرب المليشيات، وذلك استنادًا للقرار الأمريكي الذي صنَّف الحرس الثوري الإيراني كمنظمة إرهابية وكثير من المليشيات العراقية والسياسيين العراقيين مرتبطين بالحرس مثل مليشيا العصائب ومليشيا النجباء ومليشيا حزب الله العراقي هي الأخرى تم تصنيفها منظمات إرهابية، لا سيما أن النظام الإيراني زود تلك المليشيات مؤخرًا بصواريخ باليستية يمكنها الوصول لأهداف داخل الكيان الصهيوني ربيبة أمريكا، أو أهداف داخل القواعد الأمريكية المنتشرة بالعراق والمنطقة، بالإضافة إلى ما تم تسريبه من معلومات، عن تزويد إيران لمليشيات الحشد بصواريخ دفاع جوي لتشكل تهديدًا للطيران الأمريكي بالمنطقة.

يبدو أن ترامب عازم على تصحيح الوضع بشكل جذري والعودة للعراق بقوة، على اعتبار أن هذا البلد منطقة نفوذ أمريكية لا يمكن لإيران أن يكون لها شيء فيه

كما تنوي القوات الأمريكية إقامة دائمة بالعراق، من خلال إقامة قواعد عسكرية دائمة بالأراضي العراقية وصنع أدوات لها من العراقيين، وهذا ما رأيناه من الجهود الأمريكية الحثيثة لإجراء لقاءات مع العديد من شيوخ العشائر السنيَّة وتشكيل قوات عسكرية من شبابها في مناطقها، مستغلةً الظلم الذي تعرضوا له من الحكومة الحاليّة.

تشعر واشنطن بعد 16 عامًا من غزوها للعراق، بخيبة أمل من القادة الشيعة الذين مكّنتهم من الحكم بالعراق، وفي سبيل ذلك دفعت الولايات المتحدة ثمنًا كبيرًا من أموالها، ناهيك عن الثمن الأخلاقي وسقوط سمعتها الدولية، حينما اقترفت كل الجرائم بحق العراقيين، فقط لتسقط النظام العراقي السابق، وتمكن أولئك السياسيين من حكم العراق، ولكن بالنتيجة لم تجن الولايات المتحدة الأمريكية شيئًا من كل ذلك.

فالقادة الجدد للعراق سلموا العراق وبكل مقدراته إلى إيران، وخرجت أمريكا بلا أي مقابل، بل إن إيران تتحدى بشكل سافر، حينما يتفاخر وزير الصناعة والتعدين والتجارة الإيراني رضا رحماني، بأن إيران تصدرت للمرة الأولى قائمة ‏المصدرين للعراق،‏ فيما أعلنت وزارة الكهرباء العراقية، أن شحنات الغاز من إيران ستزيد إلى 35 مليون متر مكعب في ‏يونيو/ حزيران بدلاً من 28 مليون متر مكعب حاليًّا بحجة أن لا بديل عن الغاز الإيراني.

مستقبل النظام العراقي السياسي الحاليّ سيكون في مهب الريح إذا لم تحسم القيادة السياسية العراقية الحاليّة أمرها سريعًا وتتخلى عن النظام الإيراني

يبدو أن ترامب عازم على تصحيح الوضع بشكل جذري والعودة للعراق بقوة، على اعتبار أن هذا البلد منطقة نفوذ أمريكية لا يمكن لإيران أن يكون لها شيء فيه، ومن هذا المنطلق نرى أن الولايات المتحدة لن تتوقف عن محاولاتها لتطويع النظام العراقي وإبعاده عن إيران، بل عازمة على المدى الطويل، استبدال القيادات السياسية الحاليّة، بقيادات أخرى أكثر ولاءً لها، وبدأت منذ الآن بصنع تلك القيادات والتعامل معها على أنها قيادات مستقبلية للعراق، ذلك ما لمسناه خلال استقبال القيادي السنَّي الشاب محمد الحلبوسي رئيس البرلمان العراقي، فلم يحظ أي مسؤول عراقي بمثل ذلك الاستقبال في واشنطن.

وعلى هذا نعتقد أن القيادة السياسية العراقية الحاليّة، في حال لم تحسم أمرها سريعًا وتتخلى عن النظام الإيراني، فإن مستقبل النظام السياسي الحاليّ سيكون في مهب الريح، ورغم أن هذا ما يتمناه معظم العراقيين، فسيتوجب عليهم دفع ثمن باهظ لا يقل عن الثمن الذي دفعوه في أثناء إسقاط النظام العراقي السابق عام 2003.