في موجة قد تكون الأكبر منذ عام 2016، أعلنت المملكة العربية السعودية تنفيذ حكم الإعدام بحق 37 شخصًا اتهمتهم بـ"التورط في تشكيل خلايا إرهابية" دون ذكر تفاصيل عن هويتهم السياسية أو العقدية، بحسب بيان صادر عن وزارة الداخلية ونشرته وكالة الأنباء السعودية الرسمية (واس).

الوزارة في بيانها أرجعت هذا القرار لعدد من الاتهامات التي وجهت للمنفّذ بحقهم الإعدام على رأسها "تبني الفكر الإرهابي وإثارة الفتنة ومهاجمة المقار الأمنية وقتل عدد من رجال الأمن (لم تحدد عددهم) وخيانة الأمانة بالتعاون مع جهات معادية (لم تسمِّها)".

ليست هذه المرة الأولى التي تعلن فيها الرياض تنفيذ حكم الإعدام بحق عدد كبير كهذا، فقد سبق لها أن أعلنت في الـ2 من يناير 2016 إعدام 47 شخصًا مدانين بـ"الإرهاب" على رأسهم الشيخ نمر باقر النمر، أحد أبرز الوجوه الدينية المعارضة، بجانب بعض المنتسبين لتنظيم القاعدة.

وبينما لم تطوى بعد صفحة مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي بمقر قنصلية بلاده في إسطنبول أكتوبر الماضي، إذ بصفحة دماء جديدة يسطر بها ولي العهد محمد بن سلمان سجل بطشه المتواصل على مدار الأعوام الثلاث الأخيرة على وجه التحديد وسط تنديد حقوقي واسع النطاق.

إعدام 37 شخصًا أحدهم صلبًا

البيان الصادر عن الداخلية لم يذكر تفاصيل بشأن المنفذ بحقهم الإعدام سوى الأسماء فقط دون أن يتطرق إلى أعمارهم أو ميولهم، وبحسبه فإنه تمت "إحالتهم للقضاء الشرعي بعد توجيه الاتهام لهم بارتكابهم تلك الجرائم، وصدرت بحقهم صكوك شرعية تقضي بثبوت ما نُسب لهم شرعًا، والحكم عليهم بالقتل تعزيرًا، وإقامة حد الحرابة على عزيز مهدي العمري وخالد بن عبد الكريم التويجري مع صلب الأخير منهما، وصدقت الأحكام من محكمة الاستئناف المختصة ومن المحكمة العليا وصدر أمر ملكي بإنفاذ ما تقرر شرعًا وصدق من مرجعه بحق الجناة المذكورين، وقد نفذ ما تقرر شرعًا بحقهم هذا اليوم الثلاثاء الموافق 18-8-1440هـ في كلٍ من مناطق الرياض ومكة المكرمة والمدينة المنورة والشرقية والقصيم وعسير".

الإقدام على تنفيذ حكم الإعدام دون إبلاغ أهالي الضحايا مسبقًا، بجانب شمول الحكم معتقلين كانوا فتيانًا وحتى أطفالًا لدى اعتقالهم، يشير إلى "نَفَس تصعيدي جديد لدى سلطات محمد بن سلمان"

أما عن التهم الموجهة إليهم فأشار البيان إلى "تبني الفكر الإرهابي المتطرف وتشكيل خلايا إرهابية للإفساد والإخلال بالأمن وإشاعة الفوضى وإثارة الفتنة الطائفية والإضرار بالسلم والأمن الاجتماعي ومهاجمة المقار الأمنية باستخدام القنابل المتفجرة، وقتل عدد من رجال الأمن غيلةً، وخيانة الأمانة بالتعاون مع جهات معادية بما يضر بالمصالح العليا للبلاد"، مؤكدًا أن جميعهم من حاملي الجنسية السعودية.

الداخلية اختتمت بيانها بتوجيه رسالة تحذير مؤكدة من خلالها أنها "لن تتوانى عن ردع كل من تسول له نفسه المساس بأمن المملكة واستقرارها ومواطنيها والمقيمين على أراضيها، وأنها ماضية بمشيئة الله بكل عزم وحزم في تحقيق العدالة بتنفيذ أحكام الشرع المطهّر في كل من يتعدى حدود اللّه، كما تحذر في الوقت ذاته كل من تسوّل له نفسه الإقدام على ارتكاب مثل هذه الأعمال الإرهابية الإجرامية بأن العقاب الشرعي سيكون مصيره".

السعودية ضمن أكثر 5 دول بالعالم تنفيذًا لأحكام الإعدام

محاكمات سرية

أشارت كثير من التقارير الحقوقية الدولية إلى عدم سماح النظام القضائي في المملكة بمتابعة مجريات وقائع القضايا لا سيما ذات الطابع السياسي والأمني، وهو ما يحدث يوميًا مع العشرات من المعتقلين في سجون السعودية، بل وصل الأمر إلى عدم معرفة أهالي المعتقلين أماكن احتجاز ذويهم وهي الشكوى التي طالما تكررت على ألسنة الكثيرين.

وأمام سرية المحاكمات وغموض تفاصيلها وافتقادها لأبجديات العدالة في تحقيق الشفافية في مواجهة المعتقل بالتهم المنسوبة إليه وسماع الدفاع، شكك البعض في نزاهة إجراءات التقاضي، الأمر الذي عزز من فرضية إجبار المتهمين على التوقيع على اعترافات منتزعة تحت وطأة التعذيب وهي الأدلة التي تستند إليها المحكمة في إصدار أحكامها النهائية.

وفي القضية الأخيرة كشفت بعض المصادر الإعلامية عن تعرض منير آل أدم الذي يعد من ذوي الاحتياجات الخاصة إلى حفلة تعذيب ممنهجة، ضرب وتكسير أصابع، أما عبد الكريم الحواج فتعرض هو الآخر للصعق الكهربائي في أماكن حساسة، في محاولة للحصول على اعترافات بالإكراه.

"إعدام السلطات السعودية 37 شخصًا في أعقاب محاكمات جائرة بحقهم، والحكم على عبد الكريم الحواج بالإعدام على خلفية جرائم ارتكبها عندما كان دون سن الـ18، انتهاك صارخ للقانون الدولي" منظمة العفو الدولية

تلك المصادر أشارت إلى أن الإقدام على تنفيذ حكم الإعدام من دون إبلاغ أهالي الضحايا مسبقًا، بجانب شمول الحكم معتقلين كانوا فتيانًا وحتى أطفالًا لدى اعتقالهم، يشير إلى "نَفَس تصعيدي جديد لدى سلطات محمد بن سلمان، سواءً في اتجاه الداخل أو الخارج، على رغم ما بدا في أعقاب مقتل جمال خاشقجي من إمكانية انكفائه وتراجعه عن سياسات البطش التي اعتمدها على الجبهات كافة".

وفي 31 من مارس الماضي كشفت صحيفة "الغارديان" في تقرير لها النقاب عن صور التعذيب والتنكيل التي يتعرض لها المعتقلون داخل السجون السعودية للحصول على اعترفات وهمية، وهي المزاعم التي طالما تنفيها سلطات المملكة دون تقديم ما يثبت عكس ذلك.

الصحيفة استندت إلى تقارير طبية مسربة أبرزت أن "السجناء السياسيين يعانون من سوء التغذية والجروح والكدمات والحروق" بجانب العديد من أوجه التعذيب الأخرى التي يرى التقرير أنها تعد "أول دليل موثق من داخل المحكمة الملكية بأن السجناء السياسيين يتعرضون لسوء المعاملة الجسدية الشديدة".

وفي محاولة من الصحيفة لمعرفة رد فعل الرياض على التقرير المنشور، لفتت إلى أنها طلبت "من الحكومة السعودية التعليق على التقارير الطبية، ولكنها رفضت، وعلى الرغم من إعطاء فرص متكررة للقيام بذلك، لم يطعن المسؤولون في صحة التقارير"، مؤكدة أنها تيقنت وفق مصادرها الخاصة من صحة ومصداقية ما ورد في التقارير الطبية المسربة.

تنديد حقوقي بالانتهاكات في السعودية

تنديد حقوقي

في أول رد فعل دولي على تنفيذ حكم الإعدام بحق المواطنين السعوديين، وصفت منظمة العفو الدولية (أمنستي) الإعدام الجماعي الذي نفذته المملكة بأنه "مؤشر مروّع على أنه لا قيمة لحياة الإنسان لدى السلطات التي تستخدم عقوبة الإعدام بشكل منتظم، كأداة سياسية لسحق المعارضة من الأقلية الشيعية في البلاد".

المنظمة وفي تغريدة لها على حسابها الرسمي على موقع التواصل الاجتماعي "تويتر" اعتبرت أن إعدام سلطات السعودية "37 شخصًا في أعقاب محاكمات جائرة بحقهم، والحكم على عبد الكريم الحواج بالإعدام على خلفية جرائم ارتكبها عندما كان دون سن الـ18، انتهاك صارخ للقانون الدولي".

العفو الدولية أشارت كذلك إلى أن المملكة تعد واحدة من بين أكثر خمس دول في العالم تنفذ أحكام إعدام، لافتة إلى أنها نفذت منذ بداية العام 104 إعدامات، مجددة موقفها الرافض دومًا لأحكام الإعدام "في جميع الأحوال دون استثناء، بغض النظر عن طبيعة الجريمة أو صفات المذنب أو الأسلوب الذي تستخدمه الدولة في إعدام السجين".

وهكذا يبدو أن المملكة تمضي تحت قيادة ابن سلمان في سياسة البطش والتنكيل رغم حالة السخط العالمي للانتهاكات التي تقوم بها سواء في الداخل ضد المعارضين أم خارج الحدود لا سيما في اليمن، وهو الأمر الذي رغم دفعه لبعض برلمانات العالم لإعادة نظر حكوماتها في العلاقات مع المملكة إلا أنه لم يحرك ساكنًا في سياسات الرياض.

تقاعس المجتمع الدولي وتواطؤ بعض الأنظمة وتقديم المصالح على المبادئ وإعادة ترتيب خريطة التحالفات وفق المكاسب والخسائر في ظل ما تقدمه المملكة من مغريات، كلها أمور أعطت الضوء الأخضر للأمير المتعطش للكرسي للمضي قدمًا في مخطط التنكيل في ظل تقديمه لفروض الولاء والطاعة للولايات المتحدة من جانب وحليفتها المدللة "إسرائيل" من جانب آخر.