في مطلع القرن العشرين، كان الطبيب البريطاني  جورج بورتر فيليبس يمشي بين أروقة مستشفى بيتلم رويال الشهير في لندن، لاحظ أنّ مرضاه المصابين بالاكتئاب يعانون في أغلب الأحيان من الإمساك الشديد، وعددٍ من العلامات المشتركة الأخرى مثل ضعف عمليّات الأيض والتمثيل الغذائي، وشحوب البشرة وضعف الأظافر والشعر.

ربّما كان الافتراض الطبيعي آنذاك أنّ الاكتئاب والمرض العقلي يؤدّي إلى تلك المشكلات الفسيولوجية في الجسم. لكنّ فيليبس كان رافضًا للتفكير التقليدي فتساءل عمّا إذا كان من الممكن عكس العلاقة السببية إلى الاتّجاه الآخر. ماذا لو كانت الأمعاء مسبّبة للاكتئاب؟ كان ذلك هو سؤال فيليبس الأساسي إضافةً لسؤالٍ مهمٍ آخر: هل يمكن تخفيف الكآبة من خلال علاج الأمعاء؟

ولحلّ لغز ذلك السؤال، باشر فيليبس على الفور بتجربة نظامٍ غذائيّ معيّن مع مرضاه؛ نسبة قليلة من اللحوم باستثناء الأسماك مع نوعٍ من أنواع اللبن المتخمّر الذي يُعرف باسم الكفير أو الفطر الهندي، ويحتوي على أحد أنواع بكتيريا حمض اللبنيك المعروفة بقدرتها على تسهيل عملية الهضم من خلال تحويل السكّريات بما فيها اللاكتوز والكربوهيدرات إلى حامض اللبن. عوضًا عن أنّها تقلّل فرص نموّ الكائنات المخرّبة للطعام في المعدة ما يجعلها عاملًا مساهمًا في منع الالتهابات المعوية.

توصّل الأطّباء في بداية القرن العشرين أنّ الكفير أو اللبن المخمّر يساعد في تحسين أعراض الاكتئاب

المثير للدهشة آنذاك، أنّ 13 مريضًا من أصل 18 ممّن خضعوا لتجربة فيليبس أبدوا تحسّنًا ملحوظًا للغاية، ما مهّد للعلماء والباحثين الطريق لاحقًا لاستكشاف الدور العميق للأمعاء على صحّتنا العقلية. فقد خرج عددٌ من الأصوات في الأوساط الطبّية شكّكت بأنّ المعدّلات المتزايدة للمصابين بالاكتئاب في المجتمعات الغربيّة قد تكون ناتجة عن تغيير العادات الغذائية وما تُنتجه من سموم في الأمعاء.

لسنا بحاجة لكثيرٍ من الإثباتات لندرك أنّ تلك الفرضية، مثلها مثل غيرها في ذلك الوقت، لم تكن صحيحة. لكنّ الأيام ومرور السنوات أثبتت لنا أنّ أولئك الأطّباء كانوا بالفعل على صواب فيما يتعلّق بشيءٍ واحد؛ أنّ ما نؤكله يؤثّر على نفسيّاتنا ومزاجاتنا وما نشعر به، ومن المحتمل أنْ تلعب بكتيريا الأمعاء دورًا في ذلك.

بكتيريا المعدة قد تسبّب اكتئابك

أصبحت الصورة أكثر وضوحًا بعد مرور أكثر من قرن على تجربة فيليبس. وبشكلٍ قاطع يمكننا اليوم القول إنّ الميكروبات والبكتيريا التي تعيش في أمعائنا تلعب دورًا حاسمًا في صحّتنا العقلية والنفسية، وأنّ الأمعاء غير الصحّية قد تكون واحدًا من الأسباب المحتملة للمرض العقلي. 

في واحدة من أكثر التجارب الحديثة إثارة للدهشة والتي أُجريت قبل ثلاثة أعوام، أخذ باحثون صينيّون بضع عيّنات من الميكروبات المعوية لعددٍ من مرضى الاكتئاب وأعادوا زراعتها في الفئران المختبرية. وما لاحظه الباحثون أنّ تلك الفئران أبدت سلوكيّات مشابهة لسلوكيّات البشر في حالات اكتئابهم، مثل الخمول واليأس السريع. وعندما وُضعت تلك الفئران في صندوقٍ فضّلت البقاء منطويةً على أنفسها بالقرب من الحوافّ حيث شعرت بمزيدٍ من الأمان هناك. 

تغيير ميكروبات المعدّة يؤثّر بشدّة على السلوكيات المرتبطة بالصحة أو المرض العقليّ

ما يعني أنّ تغيير ميكروبات المعدّة يؤثّر بشدّة على السلوكيات المرتبطة بالصحة أو المرض العقليّ. وهي النظرية التي دعمتها المزيد من الدراسات والأبحاث في العاميْن الآخرين والتي خلصت إلى أنّ مرضى الاكتئاب والفصام يختلفون عن غيرهم في الميكروبات والبكتيريا المتواجدة في أمعائهم.

لكنْ كيف يمكننا فهم آلية عمل تلك الميكروبات إذن؟ هناك تفسيران. يقول أحدهما أنّ بعض أنواع الميكروبات يعمل على حماية جدار الأمعاء وغشائه المخاطيّ الذي يمنع تسرّب محتوياتها إلى مجرى الدم. وفي حال حدث خلل في عمل تلك الميكروبات أو عددها، سيتمّ إطلاق السيتوكينات المحفّزة للالتهابات والتي تؤدّي بدورها على المدى القصير إلى الخمول والمزاج السيء، فيما تؤدي إلى الاكتئاب على المدى الطويل.

من جهةٍ أخرى، يخبرنا التفسير الثاني أن 90% من الناقل العصبي السيروتونين يُصنع في الجهاز الهضمي للجسم بمساعدة أحد أنواع البكتيريا، تُعرف باسم "بريفوتيلا Prevotella" وتتواجد في الأمعاء. ما يعني أنّ أمعاءنا قادرة على إرسال إشارات لأدمغتنا تغيّر من نشاطها الكيميائي. كما تساهم تلك البكتيريا في إنتاج نسبة من النواقل العصبية الدوبامين وحمض الغاما، التي لديها ارتباطات متينة مع مزاجاتنا وحالاتنا الشعورية والعاطفية.

علاج واعد.. هل نداوي الاكتئاب من أمعائنا؟

تقودنا تلك النتائج جميعها إلى السؤال عمّا إذا كان ما يدخل معداتنا من طعام سيكون يومًا ما علاجًا للاكتئاب بدلًا من العقاقير والأدوية المستخدمة منذ عقود دون أنْ تُثبت فعاليتها بعد؛ فاثنان فقط من بين كلّ 10 مرضى يتناولون أدويةً مضادة للاكتئاب يُظهرون علاماتٍ ملحوظة للتحسّن. 

هناك الكثير من الدراسات والأبحاث في الأعوام الأخيرة التي بدأت بالنظر إلى الاضطراب من زاوية مخالفة بالفعل؛ زاوية المعدة والحميات الغذائية. تخبرنا بعضها على سبيل المثال أنّ حمية البحر المتوسط تساعد في الوقاية من الاكتئاب. فقد ثبت أنّ النظام الغذائي لدول البحر المتوسط يساهم في تنوّع بكتيريا الأمعاء ويحمي من التغيرات الفسيولوجية المرَضية مثل الالتهابات المزمنة في المعدة والتي تُشير الدراسات أنّها ترتبط عادةً بالاكتئاب والمزاجات السيئة.

بات الأطباء النفسيون مدركين بشكلٍ متزايد لضرورة التركيز على الأنظمة الغذائية جنبًا إلى جنب مع العلاجات والتمارين الرياضية لتحسين الصحة النفسية، لا سيّما في ظلّ النقاش الدائم حول فعالية مضادات الاكتئاب

فيما وجد مجموعة من الباحثين في دراستهم لأكثر من 960 مشاركًا مسنًّا على مدار ستة أعوام ونصف أنّ أولئك الذين يتّبعون حمية الداش قد أظهروا معدّلاتٍ منخفضة من الاكتئاب مقارنةً بالذين يتناول الطعام الغربي التقليدي. كما وجد واحد من التحليلات لـ21 دراسة أنّ النمط الغذائي الذي يركّز على نوعٍ معين من الغذاء مثل الفواكه والخضروات والحبوب والسمك وزيت الزيتون ومنتجات الألبان قليلة الدسم كان مرتبطًا بشكلٍ واضح بانخفاض خطر الإصابة بالاكتئاب.

علاوةً على ذلك، تركّز بعض الأبحاث على أصنافٍ معيّنة من الطعام لا على النظام الغذائي ككلّ، لدورها في الحماية من الاكتئاب والحفاظ على الصحة النفسية، منها الكربوهيدرات المعقدة المتواجدة في الفاكهة والخضراوات والحبوب الكاملة، والأطعمة الغنية بفيتامين (ب) مثل الخضروات والموز والبنجر. وهناك الأطعمة الغنّية ببكتيريا البريبيوتيك  مثل الزبادي والجبن والمخللات وبعض أنواع التوابل اليابانية والكورية وغيرها من الأطعمة المخمّرة. وقد وجدت إحدى الدراسات أنّ هذه البكتيريا تعمل على نفس المسارات العصبية في الدماغ التي تعمل عليها الأدوية المضادّة للاكتئاب.

ولا عجب بعد كلّ هذا أنّ الأطّباء النفسيين باتوا مدركين بشكلٍ متزايد لضرورة التركيز على الأنظمة الغذائية جنبًا إلى جنب مع العلاجات النفسية والتمارين الرياضية لتحسين الصحة النفسية، لا سيّما في ظلّ النقاش الدائم حول فعالية مضادات الاكتئاب ودورها في إحداث فرق كبير في الصحة العقلية، فخرج لنا ما يُعرف الآن باسم "الطبّ النفسيّ الغذائي" كأحد العلاجات المتّبعة في التعامل مع الحالات المرَضية النفسية والعقلية والتي تعي تمامًا أنّ التدخّل الغذائي قد يكون حلًّا بديلًا عن الدواء والعقاقير.