لسنوات طويلة ظل بناء الهياكل والنصب التي تمثل صور الأحياء محظورًا في الدولة العثمانية، استنادًا لموقف الشريعة الإسلامية منها، لكن تولي أبطال حرب الاستقلال ذوي التوجه والثقافة الغربية لمقاليد الأمور في تركيا الجمهورية فتح الباب أمام امتلاء ميادين وساحات الجمهورية بتماثيل ونصب تخلد تضحيات وأبطال حرب الاستقلال التي تربع مصطفى كمال أتاتورك على رأسها كمنقذ للأمة، فلا تكاد تخلو مؤسسة تعليمية أو رسمية من تمثال أو صورة لمؤسس الجمهورية، ليصل عدد التماثيل والهياكل المقامة في الجمهورية لعشرات الآلاف.

 البداية من إسطنبول

حط مصطفى كمال رحاله في مدينة إسطنبول طالبًا في الكلية الحربية بعد أن أنهى سنوات الثانوية والإعدادية في سالونيك ومانستر، سحر نبض إسطنبول السياسي وانفتاحها الثقافي الشاب مصطفى كمال، لكن عاصمة السلطنة العثمانية ظلت عصية على مصطفى كمال الذي واجهها كزعيم للحركة الوطنية التي اتخذت من أنقرة عاصمة لها، وبعد الانتصار في حرب الاستقلال وتأسيس الجمهورية التركية شكلت إسطنبول وصحفها موطنًا لمعارضة مصطفى كمال قبل أن يقضي على خصومه ويفرض نظام الحزب الواحد.

مصطفى كمال باشا عند التخرج في الكلية الحربية بإسطنبول

وفي محاولة لترضية رئيس الجمهورية افتتحت بلدية إسطنبول في أكتوبر 1926 أول تماثيل مصطفى كمال في حديقة ساري بورنو بمنطقة الفاتح، بإشراف وتنفيذ النحات النمساوي هاينريخ كريبيل، لم يحضر مصطفى كمال مراسم الافتتاح واكتفى بإرسال برقية إلى رئيس البلدية يشكره على إقامة التمثال.

استمر كربيل في عمله ليبني التمثال الثاني في نفس الشهر والعام لكن هذه المرة في عاصمة المحافظين الأتراك مدينة قونيا وسط الأناضول، وتبعتها مدينة سامسون على شاطئ البحر الأسود التي كانت المحطة الأولى لمصطفى كمال في سعيه لبناء الحركة الوطنية التركية، وأزيح الستار عن تمثال العاصمة أنقرة عام 1927.

أول تمثال لمصطفى كمال أتاتورك في ساريبورنو بمنطقة الفاتح

 ليبنى خلال الفترة التي كان فيها أتاتورك على قيد الحياة (1926-1938) 34 تمثالاً جسدوا المراحل التي مرت بها الدولة التركية في نشأتها تحت قيادة مصطفى كمال، حيث ظهر أتاتورك كزعيم للأمة يقود فيها الشعب نحو التحرر من الغزاة الأجانب والتنوير والتقدم، أو دافعًا ترسًا كرمز لسياسات التصنيع التي بدأتها الدولة التركية في عهده، كما كثرت التماثيل التي تصور مصطفى كمال باشا حانيًا على الأطفال ومشيرًا لهم بيده إلى الأفق.

هيكل مصطفى كمال أتاتورك داخل مصنع للقماش أنشئ عام 1935 بمساعدة السوفييت الذين قدموا التمثال له هدية 

استخدم مصطفى كمال التماثيل والنصب كأدوات احتكار لسردية حرب الاستقلال التي أصبحت تتمثل في شخصه ودوره دون أن يحظى رفقاؤه في النضال بالتقدير نفسه خاصة أولئك الذين اختلفوا معه لاحقًا كمحرر الشرق التركي القائد التركي الفريق كاظم كارا بكير أو رفيق دربه وصديق نضاله علي فؤاد باشا وغيرهم ممن ساهموا في ملحمة الاستقلال.

بالإضافة إلى ذلك فإن التماثيل التي يظهر فيها الباشا رفقة زملائه قليلًا ما تكون برفقة هؤلاء، فتمثال ميدان تقسيم الشهير الذي يعد معلمًا من معالم مدينة إسطنبول يظهر فيه مصطفى كمال تارة إلى جانب جنود مجهولي الهوية وتارة إلى جوار جنرالات بلاشفة كان لهم دور في معارك الاستقلال، أما القسم الذي ظهر فيه برفقة قادة وطنيين فقد اقتصر على رئيس وزرائه عصمت إينونو - رغم تأخر عصمت في الالتحاق بالمقاومة التركية مقارنة بكاظم كارا بكير - ورئيس الأركان العامة وقائد جيش مصطفى كمال الفريق أول فوزي تشاكماك.

تمثال ميدان تقسيم ويظهر فيه مصطفى كمال باشا وإلى جواره رئيس وزرائه عصمت إينونو ورئيس الأركان العامة الفريق فوزي تشاكماك

التماثيل كشاخص "لردة الفعل" المضادة

تقلصت عدد التماثيل والنصب المنشأة بعد وفاة مصطفى كمال أتاتورك 1938، في المقابل زادت حالات التعدي والتدمير بحقها، ففي الفترة من عام 1938 حتى عام 1950 تعرضت أربعة تماثيل للهجوم والتدمير.

ومع فوز الحزب الديمقراطي بقيادة عدنان مندريس في الانتخابات العامة عام 1950 ازدادت حالات الهجوم على تماثيل ونصب خاصة بأتاتورك، فسجلت الفترة من مايو/أيار 1950 حتى أبريل/نيسان 1951 تسع حالات هجوم وتدمير لنصب وتماثيل لأتاتورك، جاءت أغلبها من مريدي الطريقة التيجانية الذين اتخذوا من مهاجمة تماثيل أتاتورك سلوكًا احتجاجيًا على قرارات الدولة وخاصة المتعلقة بالشق الثقافي والديني وعلى رأسها حظر رفع الأذان باللغة العربية.

قاد كمال بيلاوه أوغلو إحدى حركات الاحتجاج هذه، ليُلقى القبض عليه رفقة 74 من مريدي الطريقة، ليسجن 7 سنوات وينفى 5 سنوات ويوضع تحت الإقامة الجبرية مثلهن.

كمال بيلاوه أوغلو

وبعد انقلاب عام 1960، حرصت الدولة التركية على احتواء جميع المدن والقرى التركية على تماثيل ونصب لمصطفى كمال أتاتورك، خاصة مدن الشرق والجنوب الشرقي التي تحتوي على أغلبية كردية، فبينما بلغت عدد التماثيل المقامة في الفترة من (1946-1960) 14 هيكلاً، بلغت في الفترة من (1960- 1970) 59 هيكلاً شملت مدن وقرى الجمهورية كافة.

القانون 5816

اتخذ الحزب الديمقراطي بعد فوزه في الانتخابات العامة عام 1950 وهزيمته لحزب الشعب الجمهوري، عددًا من القرارات المتعلقة بالتصالح مع الفئات المحافظة في المجتمع التركي التي تعرضت لضغط إجراءات وإصلاحات الدولة التركية في المجالات الثقافية والاجتماعية، فرفع الحظر عن الأذان باللغة العربية بعد 18 عامًا من المنع، كما أعاد افتتاح المدارس الدينية وتأسيس معهد شرعي عالٍ إلى جانب مراكز لتحفيظ القرآن الكريم، بالإضافة إلى القيام بعدد من الإصلاحات والتدابير الاقتصادية التي صبت في صالح النخب الأناضولية المضادة لنخب المدن التركية العلمانية.

تزامنت هذه الإجراءات مع تعرض عدد من تماثيل مصطفى كمال للهدم والهجوم، ففي ليلة واحدة هاجم مريدو الطريقة التيجانية أكثر من 17 تمثالاً لأتاتورك، الأمر منح حزب الشعب الجمهوري فرصة للمزايدة على حكومة عدنان مندريس واتهامها بمعاداة قيم الجمهورية ومناصرة الرجعية الأمر الذي دفع جلال بايار لتقديم القانون الذي حمل رقم 5816 ليسن في يوليو/تموز 1951.

جلال بايار مقدم القانون

تكون القانون من 5 مواد أساسية، حدد فيه عقوبة تخريب أو تدمير أو إهانة تمثال أو نصب لمصطفى كمال أتاتورك أو حتى الإهانة المعنوية له، بالحبس المشدد من عام إلى خمسة أعوام، وفي حال الإتيان بالفعل جماعات يعاقب بضعف العقوبة الموضحة.

ختامًا، آثار تطبيق القانون جدلًا حقوقيًا في تركيا، حيث اتهم البعض القانون بمنح قداسة غير مبررة لشخصية تاريخية الأمر الذي يجعلها فوق النقد والتناول العلمي، فيما يرى آخرون أن جوهر القانون يقوم على حماية واحترام رموز الأمة وصونها، فوحدة الأمة وبقاؤها مرهون بحفظ رمزياتها وصونها من العبث والتطاول.

المؤرخ التركي قدير مسر أوغلو

شهدت تركيا عددًا من الأحداث التي تم استخدام القانون فيها للتحقيق مع عدد من المؤرخين الأتراك بتهم تتعلق بإهانة أتاتورك كما جرى مع المؤرخ التركي قدير مسر أوغلو عام 2017، بالاضافة إلى ذلك حظرت الحكومة التركية بأمر من القضاء التركي عددًا من مواقع التواصل الاجتماعي لاحتوائها على مواد تحمل إهانة لشخصية مصطفى كمال كما جرى عام 2007 عندما شارك طالب يوناني يبلغ من العمر 18 عامًا، فيديو على اليوتيوب وجه فيه إهانة لمصطفى كمال أتاتورك والعلم التركي، لتصدر محكمة الصلح في إسطنبول قرارًا بحظر اليوتيوب ليستمر شهورًا عديدة، حيث رفع الحظر بعد إزالة الفيديو من إدارة اليوتيوب.