"القيادة الفلسطينية تعتزم رسميًا إعلان سحب الاعتراف ووقف التنسيق الأمني"، كان هذا أبرز وأخر تصريح يصدر من أعلى درجة قيادية في حركة "فتح"، للسيد محمود العالول، (نائب الرئيس محمود عباس)، كتهديد على أي تحرك إسرائيلي-أمريكي لفرض "خطة سياسية" تستهدف القضية الفلسطينية.

هذه المرة لم تُؤخذ تصريحات العالول، على إنها تصريحات تُطلق في الهواء ومجرد تنفيس عن حالة الضغط التي يتعرض لها الفلسطينيون دون ترجمه على الأرض، بل أجبرت الطرفان الإسرائيلي والأمريكي على أخذها على محمل الجد، والاستعداد للسيناريو الأخطر القادم في حالة طُرحت "صفقة القرن" بعد شهر رمضان.

الجميع يدرك أن الفترة المقبلة على الفلسطينيين حساسة للغاية، خاصة أن سندهم (الدول العربية) باتت مُسلمة تمامًا للتحرك الأمريكي الجديد في المنقطة، ويدعمون بالمال أي خطوة تقربهم أكثر وأكثر من الحضن الإسرائيلي.

خطوات التصدي لصفقة القرن

ما يهم الفلسطينيين في المرحلة المقبلة، هو أن الصفقة السياسية الأمريكية يجب أن لا تمر مهما كلف ذلك من تضحيات، ويقول عبد الله عبد الله، عضو المجلس الثوري لحركة "فتح"، في تصريحات خاصة لـ"نون بوست"، إن "سحب الاعتراف بإسرائيل ووقف التنسيق معها سيكون الخطوة الأولى لمواجهة صفقة القرن".

ويضيف "أعطينا فرصة كافة للإدارات الأمريكية المتلاحقة، وكذلك دولة الاحتلال وحتى الدول العربية، لإيجاد حل عادل للقضية الفلسطينية، لكن يبدو أن ذلك لم يجد نفعًا، والكل أصبح يتآمر على قضيتنا بدل الدفاع عنها".

هذا التلويح (القديم – الجديد) للعالول وغيره من قيادة السلطة و"فتح"، كان قرارًا اتخذه المجلس "المركزي" للمنظمّة في جلسات سابقة

القيادي عبد الله، يوضح أن الفلسطينيين لن يقفوا مكتوفي الأيدي تجاه استهداف وتحريف وإنهاء قضيتهم، و"ستكون لهم الكلمة الأكبر والأقوى في تغيير وجه نظر العالم أجمع عن هذا الشعب المقاوم الذي يدافع عن قضيتهم بكل ما قوبة وصبر".

وكشف لـ"نون بوست"، أن القيادة الفلسطينية ستكون لها خطوات غاية الحساسية على الصعيد السياسي، وأولها سحب الاعتراف بإسرائيل، ووقف كل أشكال التنسيق الأمني معها، إضافة لإعطاء الضوء الأخضر للتوجه نحو المحاكم الدولية والجنائية وإعلان بدء معركة المحاكم مع دولة الاحتلال.

وذكر أن الصفقة الأمريكية هدفها الأول والأخير هو القضاء على القضية الفلسطينية وتقزيمها، مطالبًا الدولة العربية وكذلك المجتمع الدولي بمساعدة السلطة الفلسطينية في ما أسماه بـ"اللحظة المصيرية بالنسبة لهم"، معتبرًا أن "إسرائيل" ستبقى عدوًا ولن تكون يومًا حليفًا وصديقًا في المنقطة كما تريد بعض الدول العربية.

الصفقة تستهدف القضية الفلسطينية بشكل مباشر

وبالعودة لتصريحات العالول، فقال إن "قيادة السلطة تعتزم إعلان سحب الاعتراف بـإسرائيل، ووقف التنسيق الأمني معها، في الجلسة المقبلة للمجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية، والتي من المقرر عقدها منتصف مايو المقبل.

هذا التلويح (القديم – الجديد) للعالول وغيره من قيادات السلطة و"فتح"، كان قرارًا اتخذه المجلس "المركزي" للمنظمّة في جلسات سابقة.

الجدير ذكره أنه ومنذ عام 2015، يتخذ المجلس المركزي للمنظّمة في كل جلسة جديدة له قرارًا بوقف التنسيق الأمني بأشكاله كافة مع الاحتلال، على وقع "نفض" الاحتلال يديه من التزاماته الموقعة مع السلطة.

وجدّد المجلس في آخر جلسة "لـ"المركزي" بـ 28 - 29/ تشرين أول (أكتوبر) 2018، إقرار وقف التنسيق الأمني، وتعليق الاعتراف بـ"إسرائيل"؛ إلّا أن ذلك القرار ما زال حبيس الأدراج حتى حينه.

ويدفع عدم تطبيق هذا القرار من قبل "قيادة المقاطعة" برام الله، إلى التشكيك في جديتها بتطبيق ما لوحت به مجدداً، في وقت يطالب فيه الكل الفلسطيني بالسير نحو هذا الاتجاه، باعتباره مدخلاً حقيقيًا لمواجهة ما تسمى "صفقة القرن".

كان جاريد كوشنر، مستشار وصهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، قال في وقت سابق، إن الصفقة التي يسعى من خلالها إلى "إنهاء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي" سيعلن عنها بعد شهر رمضان المقبل

و"صفقة القرن" هي خطة أعدّتها إدارة الرئيس الأمريكي بهدف تسوية الصراع، ويتردد أنها تتضمن إجبار الفلسطينيين على تقديم تنازلات مجحفة لمصلحة "إسرائيل"، كما أنها تلقى دعماً من السعودية والإمارات ومصر ودول عربية أخرى.

وكان جاريد كوشنر، مستشار وصهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، قال في وقت سابق، إن الصفقة التي يسعى من خلالها إلى "إنهاء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي" سيعلن عنها بعد شهر رمضان المقبل (يصادف فلكياً 6 مايو 2019).

ماذا يعني سحب الاعتراف من "إسرائيل"؟

تهديدات العالول لاقت ترحيبًا فلسطينيًا رسمي وشعبي كبيرين، فاعتبرت حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، ما لوح به "العالول" بـ"الموقف الوطني المعبر عن إجماع حقيقي تجاه خطوة مطلوبة بإلحاح منذ زمن، وهي سحب الاعتراف بالعدو ووقف التنسيق الأمني معه".

وأكدت الحركة بلسان عضو مكتبها السياسي خالد البطش أن "هذه الخطوة – إذا نفّذت - تمثل المدخل الحقيقي لبدء معركة مواجهة "صفقة القرن" المشؤومة مع الاحتلال الصهيوني، ومن خلفها المجرم (الرئيس الأمريكي دونالد) ترامب"، وفق تعبيره.

رغم الترحيب الفلسطيني الكبير بتصريحات العالول، إلا أن هناك العديد من الأسئلة التي تحيط بهذا التهديد

وأضاف البطش أن هذه المواقف تشكل الأساس الحقيقي لاستعادة الوحدة الوطنية وإنهاء الانقسام وقطع الطريق على مشروع التطبيع العربي مع العدو وعلى كل رعاة الانقسام والمستفيدين منه في الداخل والخارج".

أما الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، فقد أكدت أن ذهاب قيادة السلطة نحو تنفيذ مخرجات المجالس (المركزي والوطني) السابقة، والمتمثلة بسحب الاعتراف بالاحتلال، والتحلل من إفرازات اتفاق "أوسلو"، وعلى رأسها وقف التنسيق الأمني، "خطوة بالاتجاه الصحيح". 

وقال عضو اللجنة المركزية للجبهة محمود خلف: "نأمل أن يجري اتخّاذ الخطوات العملية، والترتيبات اللازمة لتطبيق ما جاء بقرارات المجلس المركزي والمجلس الوطني لمنظمّة التحرير"، عازيًا عدم تنفيذ قيادة السلطة لتلك القرارات، إلى المراهنة على عودة المفاوضات مع الاحتلال، مشددًا على أن هذا الرهان، أثبت فشله على مدار ربع قرن، منذ توقيع اتفاق أوسلو (موقع عام 1993).

ورغم الترحيب الفلسطيني الكبير بتصريحات العالول، إلا أن هناك العديد من الأسئلة التي تحيط بهذا التهديد ولعل أبرزها، "هل يمكن أن يُطبق على الأرض؟، وما هي النتائج المترتبة عليه؟ وما مصير السلطة الفلسطينية؟، ليجيب عليها الكاتب والمحلل السياسي حسام الدجني.

مسيرات فلسطينية رافضة لصفقة القرن

ويقول "تصريحات العالول مسألة بالغة الأهمية لاسيما وأن القرارات قد تم الحديث عنها عدة مرات من قبل، لكن إسرائيل لم تعد تكترث بمثل هذه التصريحات كونها متأكدة من أن هذه التصريحات تأتي من باب الضغط على الاحتلال وجلب الدعم المالي للسلطة الفلسطينية، وكسب التأييد الشعبي لها".

ويشير الدجني إلى أهمية تنفيذ مثل هذه القرارات ومدى قوتها في مواجهة "صفقة القرن"، مؤكدًا أن مثل هذه القرارات يجب أن تصدق من قبل السلطة الفلسطينية حتى تكون هناك مصداقية لدى الشارع الفلسطيني بكف يدها عن المقاومة في الضفة المحتلة وإطلاق العنان لخيار الكفاح المسلح لموجهة الاعتداءات التي يرتكبها الاحتلال بشكل يومي في حق الفلسطينيين في القدس والضفة الغربية والداخل المحتل، والإفراج عن المعتقلين السياسيين، وإطلاق الحريات للفصائل بالعمل لمناهضة الاستيطان ورفع العقوبات المفروضة على غزة.

ويضيف "إن كان هذه التصريحات تسعى السلطة من خلالها إلى الضغط على إسرائيل وجلب الدعم العربي أو الإسلامي أو الدولي فان القيادة الفلسطينية تفقد مصداقيتها كل يوم داخلياً وخارجياً، محذرًا من استخدام القضايا الوطنية في قضايا مطلبيه.

أمام هذه التعقيدات التي تُحيط بالمشهد الفلسطيني بأكمله محليًا وعربيًا وحتى دوليًا، يبقى السؤال الأبرز ما ستحمله "صفقة القرن" للفلسطينيين؟

واعتبر أن "هذه الخيارات ليست جديدة وتم إقرارها في السابق لكن الجميع كان يتفاجأ بأنها مناورة تقودها السلطة، وكانت إسرائيل تدرك ذلك كون السلطة تقر مثل هذه القرارات ولا تنفذها، وبذلك فقدت التهديدات قيمتها".

وتساءل الدجني ماذا لو لم يستجب الاحتلال هل سيتم وقف التنسيق الأمني؟ وهل تجرأ السلطة على الاعتراف علناً لتقول لقد سحبنا كافة الأدوات والأدوار المتبادلة؟ نحن ننتظر وسنرى ماذا تصنع السلطة الفلسطينية، وإن نجحت في تحقيقها تستطيع وقتها السلطة مواجهة "صفقة القرن" على قاعدة تطبيق القرارات المتخذة على أرض الواقع خلال الأيام المقبلة."

وأمام هذه التعقيدات التي تُحيط بالمشهد الفلسطيني بأكمله محليًا وعربيًا وحتى دوليًا، يبقى السؤال الأبرز ما ستحمله "صفقة القرن" للفلسطينيين؟ وماذا تخبئ لهم من مفاجئات؟، وكيف سيواجهون وحدهم هذه الخطة الأمريكية التي تضع قضيتهم على المحك؟