حالة من التفاؤل تسود الشارع السوداني في أعقاب انتهاء الجولة الأولى من المفاوضات بين المجلس العسكري و"تحالف الحرية والتغيير" التي جرت أمس السبت، وأسفرت عن الاتفاق على مجلس سيادي مختلط بين الطرفين لإدارة شؤون البلاد خلال المرحلة الانتقالية المحددة.

المجلس المختلط ربما يكون حلاً وسطاً بين سعي العسكري لإبقاء وجود له في الحكم، وقوى المعارضة التي تسعى لتسليم السلطة إلى مجلس مدني، في وقت تأبى الأوضاع في الشارع السودني إلا أن تزداد سخونة رغم جرعة التسكين القوية التي حصلت عليها في أعقاب الإطاحة بحكم الرئيس عمر البشير.

وتشير التصريحات المتبادلة أن الأجواء التي تمت خلالها جلسة الحوار أمس تميزت بالإيجابية وتقارب وجهات النظر رغم النقاط الخلافية، في الوقت الذي لا تزال المعارضة تحكم قبضتها على الورقة الرابحة حتى الآن، وهي الشارع، وذلك على ضوء تأكيد تحالف الحرية والتغيير الاستمرار في الاعتصام أمام مقر القيادة العامة للقوات المسلحة.

ورغم التفاؤل الذي ساد الأجواء عقب ما خرجت به جولة المفاوضات الأولى، فإنه مشوب بالحذر في ظل عدم وضوح الرؤية بعد بشأن تفاصيل هذا المجلس المختلط وصلاحية كل طرف فيه، يتزامن هذا مع ما أطلقته القوى الإسلامية بشأن مليونية لنصرة الشريعة وهو التحرك الذي أثار قلق الكثيرين بشأن دوره في إحداث انقسام بين صفوف الثوار في ظل عدم معرفة الجهة التي تقف خلفه وتدعمه.

سيادية المجلس ومدنية الشعب

رضوخًا عند إرادة السودانيين المعتصمين، كشف المجلس العسكري الانتقالي على لسان متحدثه الرسمي، استعداده تسليم السلطة التنفيذية لمدنيين، بينما يحتفظ المجلس بما أسماه "السلطة السياسية" دون تحديد المقصود بها، قائلاً إن المجلس "سيحتفظ بالسلطة السيادية فقط والمدنيون سيتولون رئاسة الوزراء وكل الوزارات الحكومية"، وذلك في تصريحات له أول أمس الخميس.

وأضاف شمس الدين الكباشي أن المجلس سيكون له "السلطة السيادية فقط ودون ذلك مستوى رئاسة مجلس الوزراء والحكومة المدنية وكل السلطة التنفيذية هي مدنية بالكامل"، وهي التصريحات التي أثارت حالة من الجدل بين أوساط المحتجين، الأمر الذي دفع تجمع المهنيين وتحالف "إعلان الحرية والتغيير" إلى الدعوة لمليونية حاشدة تطالب بالمدنية الكاملة غير المنقوصة على نظام الحكم في البلاد.

حالة من الزخم تجتاح الشارع السوداني المترقب لما ستسفر عنه الأيام القادمة، فبينما يحشد الغاضبون لمظاهرات تنادي بمدنية الدولة فإن أعينهم لا تفارق متابعة وترقب ردود فعل المجلس حيال تعزيز الحراك الذي بات يمثل غصة مرة في حلق فلول النظام السابق ممن لا يزالون في صدارة المشهد السياسي، سواء داخل المجلس العسكري أم المحيطين به.

أمريكا تطالب بتقصير الانتقالية

في الاجتماع الذي ضم ممثلي قوى المعارضة والمبعوث الأمريكي ماكيلا جيمس والقائم بالأعمال الأمريكي بالخرطوم ستيفن كوتسيس قبل أيام تضمن اقتراح الجانب الأمريكي تقصير الفترة الانتقالية من خمس سنوات إلى فترة تتراوح بين عام إلى عام ونصف حسبما كشف إبراهيم طه أيوب وزير الخارجية الأسبق والقيادي بتحالف قوى إعلان الحرية والتغيير.

أيوب في تصريحاته قال إن القائم بالأعمال علل مقترحه بأن المجتمع الدولي يريد حكومة منتخبة ليتمكن من دعمها بوجه كامل، كاشفًا أن الاجتماع الذي عقد بمقر السفارة الأمريكية بالخرطوم جاء بعد ساعات قليلة من لقاء جيمس ووفدها برئيس المجلس العسكري الانتقالي عبد الفتاح البرهان.

يذكر أن بعض أعضاء الكونغرس الأمريكي وزعوا ورقة بشأن تطورات الوضع في السودان على زملائهم في البرلمان بهدف تجميع أكبر قدر من التوقيعات تمهيدًا لتقديمها إلى وزيري الخارجية والخزانة، تلك الورقة التي تندد بدعم واشنطن للمجلس العسكري والدول التي أيدته على رأسها السعودية والإمارات، كما طالبت بعدم الاعتراف بالمجلس والضغط عليه للإسراع في تسليم السلطة لحكومة مدنية تمثل جميع السودانيين.

دعوة للحوار بشروط

في إطار مشاورات الخروج من المأزق وجه المجلس العسكري دعوة لقوى إعلان الحرية والتغيير للاجتماع والبحث عن حل سياسي للأزمة، وفي بيان نشره تجمع المهنيين السودانيين على صفحته على "فيس بوك" أكد موافقته على إجراء هذا الحوار ومناقشة النقاط الخلافية التي لخصها في محورين، الأول: مدة الفترة الانتقالية، والثانية: طبيعة المجلس السيادي بين المدنية والعسكرية أو المزدوجة.

البيان أشار إلى أن مدة الأربع سنوات التي طالبت بها قوى إعلان الحرية والتغيير كفترة انتقالية هي "الحد الزمني الأدنى لوضع برنامج إسعافي يتم بواسطته حل كل الأزمات المتراكمة منذ عقود في ظل نظام شمولي وفاسد"، مؤكدًا "من بديهيات المفاهيم السياسية أن المجلس السيادي في الدولة المدنية ينبغي أن يكون مدنيًا في مجمله بتمثيل عسكري غير طاغٍ، لذا فإن المطالبة به وتحقيقه خطوة مهمة في سبيل إقامة الدولة المدنية، وهو حق ومطلب لا تراجع عنه".

كما استنكر ما سماه "محاولات فلول النظام البائد وبقاياه وأذياله" للتشكيك والانتقاص من القوى المعارضة، مستخدمة في ذلك كل إمكاناتها بما في ذلك متاجرتها بالدين ووصم القوى بأنها أتت لتحارب العقيدة الإسلامية وما إلى ذلك مما وصفه بـ"الغث والفارغ من الادعاءات المزيفة والمفخخة بغرض ضرب النسيج الاجتماعي وروح التسامح والتآخي".

البيان اختتم بالتأكيد على أن المطالب التي تقدمها قوى إعلان الحرية والتغيير هي مطالب الشعب الثائر وليست مطالب فصيل سياسي معين، وإنفاذها وتحقيقها هو إنفاذ لمطالب الشعب وتحقيق لتطلعاته ورغبته في العيش الكريم.

وقد تم تحديد أمس السبت كموعد لأولى جلسات الحوار مع العسكري الانتقالي خاصة بعد اقتراح واشنطن تقصير مدة الفترة الانتقالية وهي النقطة الخلافية بين طرفي النزاع في السودان، فيما أكدت قوى الحرية والتغيير ثبات موقفها من تسليم مقاليد الحكم إلى سلطة مدنية انتقالية لمدة أربعة أعوام، وهي واحدة من أبرز نقاط الخلاف مع المجلس العسكري.

وفي التفصيل طالبت بأن تتكون هذه السلطة من مجلس سيادي مدني بتمثيل عسكري محدود، وبرلمان انتقالي يمارِس جميع السلطات التشريعية والرقابية، وحكومة مدنية بصلاحيات تنفيذية كاملة، يتزامن هذا مع استمرار الاعتصام والحشد من محافظات ومدن السودان كافة.

جدير بالذكر أن المتحدث باسم العسكري قال في وقت سابق إن اللجنة السياسية بالمجلس انتهت من دراسة وتقييم المقترحات المقدمة من القوى المعارضة بشأن ترتيبات الفترة الانتقالية وموقفها من النقاط الخلافية، مؤكدًا جاهزيته لعرض مخرجات الدراسة في اللقاء الذي من المفترض أن يكون جولته الأولى اليوم.

وعلى الأرجح فإن الأوضاع من المرشح أن تزداد سخونة خلال الساعات القادمة، خاصة أن اللقاء الذي تم أمس ورغم ما خرج به من نتائج إيجابية يبدو أنه لن يكون الأخير من نوعه، في ظل إصرار المجلس العسكري على التشبث بالكرسي في مقابل تصعيد المحتجين وتمسكهم بمدنية الدولة.