نجحت الأذرع الإيرانية في تمديد نفوذها خارج الحدود

على مدار السنوات الماضية نجحت إيران في صناعة إمبراطوريتها الإقليمية عبر عدد من الحلفاء والأذرع والميليشيات المنتشرة في عدد من دول المنطقة الذين حملوا على عاتقهم تنفيذ أجندة الدولة الإسلامية التي اقتصر دورها على الإرشاد والتمويل وفقط، وهو ما أهلها لتبؤ تلك المكانة لا سيما خلال العقد الأخير.

ورغم عدم وجود تقديرات رسمية بشأن حجم التمويل المقدم لهذه الأذرع في ظل تكتم طهران على تلك الأموال وطريقة توصيلها فإن بعض المحللين ذهبوا إلى أن إيران تدفع سنويًا ما بين 16 إلى 18 مليار دولار، وفي بعض الأحيان تصل التقديرات إلى أكثر من ذلك.

ومع قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تشديد العقوبات ضد طهران وإلغاء الإعفاءات من عقوبات استيراد النفط التي كانت ممنوحة لثماني دول تمهيدًا لتصفير صادرات النفط الإيرانية، فرضت العديد من التساؤلات نفسها بشأن مستقبل حلفاء إيران وأذرعها في مختلف الدول على الأخص حزب الله اللبناني والحشد الشعبي العراقي.

حزب الله.. تعزيز إمكاناته المادية

يعد حزب الله اللبناني أحد أبرز الأذرع الإيرانية لتحقيق أهدافها في الشرق الأوسط، فالحزب منذ نشأته يدين بالولاء التام لولاية الفقيه، ربما أكثر من بعض الإيرانيين أنفسهم، الأمر الذي جعله في كثير من الأحيان بوقًا للدفاع عن طهران وسياساتها حيال كل من يتصدى لها في الداخل والخارج.

في السابق لم تكن هناك إشكالية في حصول الحزب على الدعم والتمويل الإيراني الذي يمثل الجانب الأكبر من مصادر تمويله، وتأتي في الغالب إما عن طريق الحدود البرية أو نقلاً عبر المطارات في ظل القيود المفروضة على المعاملات المصرفية كأحد صور العقوبات المفروضة على الدولة الإسلامية.

سيطرة الحزب على الحدود في لبنان بجانب هيمنة أجهزة مقربة منه على مطار بيروت جعل من مسألة نقل الأموال الإيرانية لدعم أنشطة الحزب وتحركاته مسألة سهلة ومبسطة، نجح من خلالها في تجنب العراقيل التي وضعتها واشنطن والمؤسسات المصرفية الدولية.

ومع تشديد العقوبات الأمريكية ومساعي تصفير النفط الإيراني التي يبدو أنه سيكون لها ارتدادات عكسية على الوضعية الاقتصادية الإيرانية ومن ثم حجم الدعم المقدم للأذرع الخارجية، بات الحديث عن مستقبل حزب الله أمرًا في غاية الأهمية، فكيف يمول الحزب نفسه في حال تخلي طهران عن دعمها أو على الأقل تم تخفيضة بشكل أو بآخر؟

كان يعتمد حزب الله منذ تأسيسه في ثمانينيات القرن الماضي على التمويل الإيراني بشكل أساسي، غير أن الأمور تطورت مع مرور الوقت، إذ بات الحزب قادرًا على تغطية جزء كبير من تمويله من خلال إستراتيجية جديدة

في 27 من يناير الماضي نشرت مجلة "ناشيونال إنترست" الأمريكية تقريرًا للصحفي علي باكير عن المصادر التمويلية الأساسية لـ"حزب الله"  التي من خلالها ينتهج سياسة خاصة به تمتد جغرافيًا أبعد من الحدود اللبنانية، وهي النقطة التي من خلالها يمكن الإجابة عن السؤال السابق.

التقرير كشف أن الحزب منذ تأسيسه في ثمانينيات القرن الماضي كان يعتمد على التمويل الإيراني بشكل أساسي، غير أن الأمور تطورت مع مرور الوقت، إذ بات الحزب قادرًا على تغطية جزء كبير من تمويله من خلال إستراتيجية جديدة اتبعها على مدار العقود الأخيرة نجح من خلالها في خلق مصادر تمويل جديدة تجنبًا للوقوع في أي مأزق في الأوقات الحرجة.

باكير في تقريره أشار إلى نجاح الحزب في تأسيس اقتصاد داخلي له في لبنان من خلال أنشطة مالية واقتصادية، هذا بجانب قدرته في توسعة نطاقه وامتداده إلى الخارج وصولاً إلى إفريقيا وأمريكا اللاتينية، وذلك عبر عدد من المصادر منها تجارة البناء والتعاقدات هذا بجانب غسيل الأموال.

المجلة كشفت أن ميزانية الحزب قدرت بنحو 700 مليون دولار سنويًا ويشكل الدعم الإيراني ما يقارب 80% منها، محددة 5 مصادر رئيسية له، بداية من المرشد الأعلى للثورة ثم الدولة الإيرانية مرورًا بمصادر الزكاة التي يتم جمعها من المسلمين في إيران وصولاً إلى مؤسسات الحزب داخل لبنان وأعماله التجارية وشبكاته المالية في الخارج.

وعليه يرى باكير أن العقوبات الأمريكية المفروضة على طهران لن تؤثر بالشكل الكبير في تمويل حزب الله ومن ثم في سياساته المتبعة وتوجهاته الإقليمية، وذلك في ضوء ما يمتلكه من مصادر بديلة، تسمح له بالتخلي جزئيًا عن الدعم المقدم من إيران.

وعلى الجانب الآخر يرى أسامة الهتيمي الباحث في الشأن الإيراني أن "العقوبات الأمريكية على إيران سيكون لها تأثيرها وانعكاسها السلبي على الدعم الإيراني المالي واللوجستي لأذرعها وميليشاتها في دول المنطقة؛ خاصة حزب الله اللبناني الذي يُعد أحد أقدم هذه الأذرع وأهمها حتى إن البعض يحلو له تسميته درة التاج الإيراني".

الهتيمي في تصريحاته لـ"نون بوست" أشار إلى أن "أثر العقوبات الأمريكية على إيران فيما يخص علاقتها بحزب الله اللبناني ظهرت بوادره حتى من قبل بدء تطبيق إلغاء الإعفاء، حيث اضطر الحزب إلى اتخاذ عددٍ من الإجراءات التقشفية التي تستهدف بالأساس تقليل النفقات، منها مثلًا تخفيض الرواتب للعاملين لدى الحزب والتشجيع على التقاعد، وإلغاء بعض المهمات والنشاطات ذات التكلفة المالية العالية، فضلًا عن دعوة الأمين العام للحزب حسن نصر إلى الجمعيات الخيرية بجمع تبرعات للحزب، التي وبحسب إحصائيات غير رسمية لن يتجاوز مردودها توفير نحو 40% من احتياجات الحزب".

نجح حزب الله في إيجاد مصادر بديلة للتمويل خارج الحدود

الحشد الشعبي.. تقنين أوضاعه الداخلية

الأمر ذاته ينبطق على الحشد الشعبي الذي تأسس في العراق بناء على فتوى علي السيستاني في 2014 بعد سيطرة تنظيم "الدولة" على أجزاء كبيرة من العراق، الأمر الذي دفع المرجع الشيعي للإفتاء بتدشين فصيل مسلح من أجل مواجهة التنظيم المتطرف.

الذراع الذي يتكون من 65 فصيلاً كان يعتمد بداية الأمر على التمويل الإيراني، ماديًا وسياسيًا، حيث بايع أعضاؤه طهران على الولاء والسمع والطاعة والخضوع لولاية الفقيه، حسبما أضاف الهتيمي الذي أشار إلى أن هذا الفصيل بمساعدة الساسة العراقيين الموالين لإيران نجح في تمرير قانون جديد في البرلمان العراقي، عرف بقانون الحشد الشعبي عام 2016، يقضي بأن يكون الحشد مكونًا عسكريًّا نظاميًّا، يتقاضى عناصره، البالغ عددهم 140 ألف تقريبًا، رواتب تتساوى مع نظرائهم في الجيش العراقي.

أذرع إيران في المنطقة لن تتأثر بالشكل المتوقع جرًاء العقوبات الأمريكية المفروضة عليها في ظل نجاحها في التخلي رويدًا رويدًا عن دعم طهران عبر استحداث بدائل دعم وتمويل جديدة

ومع إقرار هذا القانون بات الحشد في مأمن بمقتضى القانون الذي نجح من خلاله في انتزاع حقوق قانونية ومالية كونه أحد أطياف النسيج العراقي، متمتعًا بكل المميزات والحقوق، هذا بخلاف نجاحه في إيجاد بدائل مالية وتجارية، بعد سيطرته على الكثير من المؤسسات والمصالح التي تدر دخلًا كبيرًا عليها، وبالتالي فهي لم تعد تعتمد في مدخولاتها المالية بشكل كبير على الدعم الإيراني، حيث بلغت ميزانيتها ملياري دولار.

التأثير السياسي ربما يكون الأكثر حضورًا بالنسبة للحشد الشعبي

أما فيما يتعلق بحجم التأثير المتوقع على الحشد جراء العقوبات المفروضة على إيران فإنه سيكون سياسيا بالدرجة الأولى حسبما أشار الباحث، إذ إن ولاءه لإيران سيلزمه بالتضامن الكامل معها ومن ثم ربما يدفعه ذلك إلى الضغط على حكومة بغداد للتعاطي مع وجهة النظر الإيرانية، الأمر الذي ربما يضعها في موقف حرج بين الاستجابة لأحد أبرز عناصر قواتها المسلحة أو التصدي لأمريكا وما يترتب علي ذلك من تداعيات ربما تصل في بعض الأحيان إلى فرض عقوبات مماثلة عليها.

وعلى الأرجح فإن أذرع إيران في المنطقة لن تتأثر بالشكل المتوقع جراء العقوبات الأمريكية المفروضة عليها في ظل نجاحها في التخلي رويدًا رويدًا عن دعم طهران عبر استحداث بدائل دعم وتمويل جديدة تستطيع من خلالها المضي قدمًا في سياساتها الممنهجة دون تأثر أو عرقلة لمشروعها التوسعي، وإن بقي التاثير السياسي هو الأكثر حضورًا، الأمر الذي ستتكشف ملامحه مع الأيام القادمة.