في فيلا مكوّنة من طابقين، تطل على محطة قطار مدينة زفتى بمحافظة الغربية، سكن المحامي والثوري يوسف الجندي المناضل الذي استطاع في وقت لا يساوي في حساب الزمن لحظات أن يدير بوصلة اهتمام العالم صوب بلدته المرمية على أطراف خريطة الوطن.

ربما لم يسمع كثيرون عن الجندي، المحامي الوطني الذي عُرف عنه مواقفه ضد الإنجليز الذين احتلوا مصر في هذه الفترة، تلك المواقف التي كانت السبب في فصله من كلية الحقوق، استطاع أن يقود بلدته خلال معارك عدة خاضها ضد الاحتلال، وفي أيام قليلة نجح في أن يزلزل أركان الإمبراطورية البريطانية التي لا تغيب عنها الشمس.

قاد بلدته نحو الاستقلال عن بقية الدولة المصرية، وكان أول رئيس لجمهورية زفتى المستقلة. ورغم أن هذا الاستقلال لم يدم أكثر من 48 ساعة فإنه كان رسالة واضحة للدولة الإنجليزية التي جيشت جنودها لمحاصرة المدينة وإجبار أهلها على الاستسلام وتقديم الجندي للمحاكمة إلا أنه وبمساعدة أهالي مدينته نجح في الهروب ليسطر تاريخًا يحكى لأبناء الوطن جيلاً بعد جيل.

حياته الثورية

وُلد يوسف الجندي عام 1893 في محافظة الغربية، التحق بكلية الحقوق، وكان صاحب مواقف ثورية صارمة ضد الاحتلال الإنجليزي لمصر، دخل في مناقشات حادة نصرة للثورة المصرية، وتعرّض بسبب تلك المواقف إلى مضايقات أمنية والسجن والتهديد بين الحين والآخر، حتى تم فصله من الكلية بسبب اتجاهاته المناوئة للمحتل.

كان من أشد المعجبين بالزعيم سعد زغلول وأبرز المؤيدين له ولمواقفه الوطنية، وحين اعتقل زعلول في 8 من مارس 1919 ونفي وبعض مرافقيه إلى جزيرة سيشل، انضم إلى المظاهرات الحاشدة التي خرجت دعمًا للزعيم الوطني، تلك التظاهرات التي باتت علامة فارقة في تاريخ مصر الحديث، حيث شاركت كل أطياف الشعب على رأسهم النساء لأول مرة.

الهدف من هذه الخطوة كان تقديم رسالة تهدف إلى لفت أنظار العالم بشأن التأييد الشعبي القوي لسعد زغلول ورفاقه في محاولة للضغط على سلطات الاحتلال للعفو عنه وإعادته إلى بلاده مرة أخرى

لم تكن القاهرة وحدها من خرجت عن بكرة أبيها للمطالبة بعودة زغلول ورفاقه، إذ هبت معظم قرى ونجوع مصر نصرة للزعيم، ودعمًا له في محنته التي تحولت إلى محنة وطن بأكمله، بعدما صار رمزًا للصمود والمقاومة وعنوانًا للوطنية والاستقلال في مواجهة الاحتلال.

كوًن الجندي وعدد من أصدقائه خلايا وطنية لدعم زغلول وتعزيز الحراك الثوري الوطني وتعميق روح النضال في نفوس المصريين خاصة في المناطق النائية، حيث تكثيف المحاضرات والندوات التي تكشف حقيقة الاحتلال والنظام المتواطئ معه وضرورة التصدي له بشتى السبل، ومن مقهى مستوكلى بميدان بورصه القطن لبلدته "زفتى" كانت بداية الحراك.

فيلا يوسف الجندي في مدينة زفتى

جمهورية زفتى

عقب نفي زعلول اجتمع يوسف وشقيقه الأكبر عوض بصحبة عدد من كبار الشخصيات بالبلدة على رأسهم الشيخ عمايم والكفراوي والفخراني ومحمد أفندي عجينة صاحب إحدى المكتبات، واتفقوا على ضرورة دعم الحراك الثوري في القاهرة، وبعد تفكير دام طويلاً ومفاوضات عدة استقر الرأي على واحدة من أكبر مفاجآت الثورة المصرية على مر العصور.

المفاجأة كانت إعلان استقلال المدينة عن الدولة المصرية تحت مسمى "جمهورية زفتى" وتشكيل مجلس رئاسي مؤقت لإدارة شؤونها ترأسه يوسف الجندي، ليصبح أول رئيس جمهورية لأول المدن المستقلة تحت الاحتلال الإنجليزي لمصر، تلك الخطوة التي لاقت صدى واسع النطاق داخل القطر المصري وخارجه.

الهدف من هذه الخطوة كان تقديم رسالة تهدف إلى لفت أنظار العالم بشأن التأييد الشعبي القوي لسعد زغلول ورفاقه في محاولة للضغط على سلطات الاحتلال للعفو عنه وإعادته إلى بلاده مرة أخرى، وفي صباح الـ18 من مارس تم إعلان استقلال الجمهورية وفق منشور حمله عوض الجندي إلى الصحف الصادرة آنذاك ونشر فورًا.

لم ينس الملك فؤاد ما قام به يوسف وإحراجه لمنصب الملك أمام المحتل الإنجليزي، الأمر الذي دفعه لرفض تعيينه ضمن الحقبة الوزارية التي اختارها سعد زغلول عقب عودته من المنفى

لحمة وطنية شهدتها الساعات الأولى لإعلان الاستقلال، حسبما أشارت مصادر تنتمي لعائة الجندي، حيث انضمت كل أطياف البلدة لهذا الحراك، مسلمين ومسيحيين، كبار وشباب، نساء ورجال، الكل كان على قلب رجل واحد، هذا بخلاف انضمام بعض العناصر الأخرى التي كانت محسوبة على فئة المجرمين على رأسهم أحد قطاع الطرق ويدعى "سبع الليل".

توصل سبع الليل الذي كان يقود عصابة تروع البلدة وأهلها والقرى المجاورة لها للانضمام لصفوف الثوار، وبعد محاولات مضنية تم ضمه بعد تعهده بالتخلي عن إجرامه والتفرغ لصالح العمل الثوري، وبالفعل بات المجرم السابق أحد أبرز الأذرع في الكيان الثوري الجديد.

كما انضم بعض أفراد الشرطة وقتها، حيث ذهب يوسف الجندي ومعه بعض أهالي البلدة إلى ضابط النقطة وكان يدعى حمد أفندي الذي أعلن انضمامه فورًا لهم، وفتح السلاحليك (مخزن السلاح) أمامهم، وشارك في التخطيط والتنفيذ، وكان لأول مرة يجتمع الشرطي مع المجرم رفقة الشعب لمحاربة الإنجليز.

المجلس الحاكم وقتها كوّن عدة لجان لإدارة شؤون الجمهورية المستقلة، منها لجنه التموين والإمداد وكانت مهمتها حصر المواد التموينية وحسن توزيعها على أهالي البلدة، بجانب لجنة النظافة ومن مهامها تنظيف الشوارع وإنارة الطرق، ولجنة للإعلام التي طبعت المنشورات السريعة لتوضيح الوضع العام في البلدة كما أصدرت جريدة يومية وكان اسمها جريدة جمهورية زفتى، وأخيرًا لجنة الأمن والحماية وتولى الإشراف عليها الضابط الشاب حمد أفندي بمعاونة سبع الليل فجمعوا الرجال من الخفر ورجال سبع الليل والأهالي من القادرين على حمل السلاح وقسموهم إلى مجموعات كل مجموعة تتولى حماية أحد مداخل البلدة.

مطبعة جمهورية زفتى التي طبعت المنشورات بعد إعلان الاستقلال

سقوط الجمهورية

عندما وصل خبر استقلال زفتى إلى الإنجليز سادت حالة من القلق خشية نقل العدوى إلى عدد من البلدان الأخرى في ظل حالة الانشطار الثوري التي بات عليها الشارع المصري في ذلك الوقت، وعلى الفور قرروا في 18 من مارس 2019 إرسال قوة للاستيلاء على البلدة عن طريق كوبري ميت غمر ولكن تصدى الأهالي لتلك القوات التي اضطرت للعودة مرة أخرى.

وفي اليوم الثاني أُرسل قطار محمل بمئات الجنود والعتاد العسكري، إلا أن سبع الليل ورفاقه قطعوا قضبان السكك الحديدية على مسافة من خارج القرية ما تسبب في وقفه وعدم تمكّنه من الدخول، الأمر الذي استفز السلطات الإنجليزية في لندن بصورة دفعتهم إلى خلع السير ونجت وتعيين اللنبي معتمدًا لبريطانيا في مصر.

ومع فجر يوم 29 من مارس من نفس العام فوجئ أهالي زفتى بعشرات المراكب التي تحمل جنود الإرسالية الأسترالية تقوم بعمليه إنزال الجنود على شاطئ النيل بالبلدة، محملين بالسلاح وبدأوا بإطلاق الأعيرة النارية في الهواء، ما دفع الاهالي إلى التقهقر للخلف، حتى دخل الجنود المدينة، وبات إلقاء القبض على الجندي هدفًا للقوات الغازية.

تحول الجندي إلى أيقونة للثوار

وأمام هذا الهجوم الكاسح رفض أهالي زفتى تسليم رئيس جمهوريتهم، وهربوه إلى بلدة أخرى مجاورة لهم، واستقبلتهم أم المصريين السيدة صفية زغلول، وأخفتهم في أماكن مختلفة وظل هناك حتى أفرج عن سعد زغلول ورفاقه يوم 17 من أبريل من عام 1919، وحينها خرج يوسف للعلن مرة أخرى، ليتسعيد بريقه السياسي بعدما بات حديث الشارع المصري في هذا الوقت.

لم ينس الملك فؤاد ما قام به يوسف وإحراجه لمنصب الملك أمام المحتل الإنجليزي، الأمر الذي دفعه لرفض تعيينه ضمن الحقبة الوزارية التي اختارها سعد زغلول عقب عودته من المنفى، إلا أن الرجل لم يستسلم وانتخب عضو في مجلس الأمة، وتولى منصب نائب زعيم المعارضة،.

عام 1941 فارق الجندي الحياة بعدما بات أيقونة للثورة المصرية ورمزًا للنضال، مسطرًا بتاريخه صفحات من نور تتوارثها الأجيال، جيلاً بعد جيلِ، وتخليدًا لذكراه العطرة اُطلق اسمه على العديد من الشوارع في القاهرة وزفتى، بجانب العديد من الأعمال الفنية التي تناولت سيرته الوطنية ونضاله الثوري.