تشهد العلاقات القطرية المغربية في السنوات الأخيرة تطورًا ملحوظًا تجسد في اتخاذ خطوات عديدة من الطرفين، بهدف الارتقاء بالتعاون بينهما إلى مستوى الشراكة المميزة، خاصة في ظل التوترات والخلافات العربية التي ضربت الصف العربي.

آخر هذه الخطوات، ما اتخذتها دولة قطر، حيث عينت سفيرًا لها "فوق العادة" في المملكة المغربية، في بادرة تسعى من خلالها إلى تعميق الشراكة مع المملكة، في الوقت الذي تعمل فيه دول خليجية أخرى على ضرب استقرار المغرب والمس بوحدته الترابية لغايات مشبوهة.

سفير فوق العادة.. تقدير قطري لموقف المغرب

تعيين الدوحة لـ"فهد إبراهيم الحمد المانع" سفيرًا فوق العادة لدولة قطر ومفوضًا لدى المملكة المغربية، جاء بعد أيام قليلة من زيارة وزير الشؤون الخارجية والتعاون المغربي ناصر بوريطة، قطر، ولقائه الأمير تميم بن حمد آل ثاني.

في ذلك اللقاء سلّم وزير خارجية المغرب، أمير قطر رسالة من الملك محمد السادس، تناقش العلاقات الثنائية والأوضاع الإقليمية، ونقل بوريطة للأمير تميم تحيات وتقدير ملك المغرب، فيما حمله الأمير القطري تحياته وتقديره له وللشعب المغربي.

وذكرت وكالة الأنباء القطرية (قنا) أن قرار الأمير تميم، بتعيين المانع يأتي ضمن حركة دبلوماسية. إذ شغل المانع في 2013 ذات المنصب في الأرجنتين، وقبل ذلك كان يشغل منذ 2011 مهمة قائم بالأعمال بالإنابة في سفارة بلاده في إسبانيا. ويأتي ذلك تقديرًا لموقف المغرب من أزمة الخليج على الرغم من الضغوط التي مورست على المملكة من أجل تأييد موقف دول الحصار، كما تسميها قطر، وفق أستاذ العلوم السياسية في جامعة محمد الخامس بالرباط، عبد الحفيظ أدمينو.

تعيين دولة قطر لسفير فوق العادة في المغرب، جاء في وقت تشهد فيه العلاقات المغربية الخليجية توترًا كبيرًا

يرى أدمينو في تصريح لنون بوست، أن القرار القطري يمكن تفسيره أيضًا بكونه رسالة من قطر إلى دول الخليج الأخرى على أنها استطاعت أن تقوي علاقاتها مع  دول أخرى كالمغرب باعتباره حليفًا كبيرًا للمملكة العربية السعودية.

يذكر أن المغرب التزم الحياد خلال الأزمة الخليجية، كما عرض القيام بوساطة بين الأطراف المتنازعة وأرسل طائرة محملة بالمواد الغذائية إلى قطر، وزار العاهل المغربي الدوحة لاحقًا في نوفمبر/تشرين الثاني 2017، والتقى بأميرها، ما ساهم في توتر العلاقات المغربية السعودية الإماراتية.

ويرى الباحث المغربي عمر مروك في تصريح لـ "نون بوست"، أن هذا القرار يفسر رغبة البلدين في تعميق التعاون في شتى المجالات، وتبني العديد من الاتفاقيات الثنائية لتوسيع أفق الاستثمار خصوصًا في ظل جو الأمان والاستقرار الذي يشهده المغرب وكونه بوابة إفريقيا للاستثمار.

ويضيف "هذه فرصة أمام رأس المال القطري من جهة وحكمة ومصداقية المغرب وانفتاحه على شركاء اقتصاديين جدد من جهة أخرى، وهي فرص سيعمل كلا البلدين على استثمارها سياسيًا واقتصاديًا في ظل مشهد جيوسياسي متغير ومعقد".

تزامن مع سحب أبو ظبي سفيرها

يتزامن القرار القطري مع توتّر كبير بالعلاقات المغربية الخليجية، حيث كشفت وسائل إعلام محلية ودولية، الأسبوع الماضي، مغادرة السفير الإماراتي بالرباط علي سالم الكعبي، المغرب، بشكل مفاجئ، بناءً على طلب سيادي مستعجل من أبو ظبي.

وقبل نحو شهرين من الآن، استدعت الرباط سفيرها من أبو ظبي محمد أيت وعلي للتشاور، وذلك بالتزامن مع استدعاء سفيرها في السعودية مصطفى المنصوري، عقب بث قناة "العربية" المقربة من الدوائر الحاكمة في السعودية، تقريرًا مصورًا ضد الوحدة الترابية للمغرب، كرد فعل على ظهور وزير الخارجية والتعاون الدولي ناصر بوريطة في برنامج حواري مع قناة "الجزيرة" القطرية.

وقبل ذلك رفض العاهل المغربي محمد السادس، في ديسمبر/كانون الأول، استقبال ولي العهد السعودي محمد بن سلمان خلال جولته العربية التي شملت تونس والجزائر وموريتانيا والإمارات ومصر والبحرين، وتعلل محمد الخامس حينها بأجندته.

في الأثناء، وضع المغرب 4 ضوابط لاستمرار التنسيق مع السعودية والإمارات، ويتمثل الضابط الأول في أن السياسة الخارجية مسألة سيادة بالنسبة للمغرب، وأن يكون التنسيق مع دول الخليج - خاصة المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة - وفق رغبة من الجانبين، فيما يؤكد المحدد الثالث أن التنسيق بين الطرفين يجب ألا يكون حسب الطلب، وأن تكون الرغبة في الحفاظ على هذه العلاقة من الجانبين ومتقاسمة، وإلا فسيكون من الطبيعي عدم استثناء أي من البدائل"، وفق قول وزير الشؤون الخارجية والتعاون الدولي في المغرب ناصر بوريطة.

كثفت كل من الإمارات والسعودية، في الفترة الأخيرة ضغوطاتهما الممارسة على المغرب في محاولة منهما للتحكم في السياسة الخارجية للمملكة المغربية بما يخدم مصالحهما في المنطقة العربية ودول المغرب العربي بشكل خاص لما للمغرب من مكانة كبرى هناك، فضلاً عن توجيه سياسته الداخلية بما يخدم حلفاءها في المملكة.

ضمن أساليب الضغط التي اعتمدتها الإمارات والسعودية، تقليص الهبات الممنوحة للمملكة، وكان من المفترض أن يكمل البلدان السنة الماضية الهبات المتبقية التي تعهدتا بتقديمها للمغرب، غير أنهما لم تلتزما بوعودهما كما أنهما لم يجددا الاتفاق الذي يقدمان بموجبه منحًا للمغرب، وانتهى سريانه العام الماضي.

كما عمدت أبو ظبي والرياض أيضًا، إلى المس بالوحدة الترابية للمغرب وذلك بتبني وسائل إعلامهم لرؤية جبهة البوليساريو لقضية الصحراء الغربية، بعد أن كان البلدان أشد المدافعين عن رؤية المملكة، كما عمد الاثنان إلى التصويت لصالح الملف الأمريكي لتنظيم كأس العالم 2026 على حساب المغرب.

إشارات دبلوماسية وسياسية وإقليمية عديدة

يعبر تعيين دولة قطر لسفير فوق العادة بالمغرب، عن إشارات دبلوماسية وسياسية وإقليمية عديدة، وفق رئيس المركز الأطلسي للدراسات الإستراتيجية والتحليل الأمني عبد الرحيم المنار أسليمي، فإن أولى هذه الإشارات تتمثل في كون السفير فوق العادة لن تكون له مهام محددة كسفير عادي وإنما صلاحيات واسعة، فالأمر يتعلق بدبلوماسي غير عادي له ترخيص بتوقيع كل الاتفاقيات التي يراها ملائمة لمصلحة بلده مع المغرب، وهو ما يعبر عن تقارب كبير يحدث في العلاقات القطرية المغربية.

من المنتظر أن يقوم الملك المغربي محمد السادس في قادم الأيام بجولة خليجية، يستهلها بزيارة للسعودية

ثاني هذه الإشارات تتمثل، وفق أسليمي، في أن قطر تنظر إلى المغرب بهذا التعيين كحليف رئيسي في المنطقة العربية يتقاسم معها العديد من المساحات الإستراتيجية المشتركة في وقت يحدث فيه تباعد مغربي إماراتي يصل لدرجة خلافات إستراتيجية كبيرة بشأن ما يجري في المنطقة العربية، لذلك ليس من الصدفة أن يأتي التعيين في نفس الوقت الذي يغادر فيه سفير الإمارات.

ويؤكد عبد الرحيم المنار اسليمي، أن الإماراتيين ارتكبوا أخطاء كبيرة في علاقاتهم بالمغرب ولم ينتبهوا إلى أن المغرب قوة إقليمية ودولة لها عمق حضاري وتاريخي في العالم العربي والمنطقة المتوسطية وشمال إفريقيا قادرة على تغيير كل المعادلات الجيوإستراتيجية، فالخلافات مع دولة الإمارات باتت كبيرة.

وختم حديثه بالقول: "يبدو أن محورًا جديدًا داخل العالم العربي في طور النشوء والتطور يضم قطر والمغرب وتركيا، ويأتي التعيين في ظرف يتوقع فيه نجاح وساطة مغربية في النزاع القطري السعودي".

مفاوضات لفك الحصار

تعيين دبلوماسي ذي مرتبة عليا، يمثل الكثير، وفق الخبير المغربي رشيد لزرق، نظراً للصلاحيان الواسعة الممنوحة له. من هذا المنطلق، يعتقد  لزرق أن السفير الجديد ستوكل له مهمة التفاوض في خصوص أزمة الخليج. ويرى لزرق أن هذا التعيين يعني أن المغرب باشر فعلاً المساعي الحميدة في حل مقاطعة قطر مع دول الحصار.

 

يسعى ملك المغرب لحل أزمة الخليج

 

من جهته يقول الباحث المغربي عمر مروك، إن التعيين والزيارة الأخيرة لوزير خارجية المغرب للخليج، يؤكدان رغبة المغرب للعب دور الوساطة من أجل إذابة جليد الأزمة الخليجية وتقريب وجهات النظر، خصوصًا أن المملكة اتخذت منحى الحياد الإيجابي منذ البداية.

ومن المنتظر أن يقوم الملك المغربي محمد السادس في قادم الأيام بجولة خليجية، يستهلها بزيارة السعودية، حيث سيجري محادثات مع نظيره السعودي الملك سلمان وولي العهد الأمير محمد بن سلمان، ومن ثم ينتقل إلى الأردن من أجل التوقيع على عدة اتفاقيات تعاون ثنائية تهدف إلى تعزيز الشراكة، على أن يزور أيضًا الكويت والبحرين وسلطنة عمان والأردن وقطر.