يستمر الصراع والتنازع على منصب الرئاسة في فنزويلا، وثمّة تطورات متسارعة بعضها جرى تحت جنح الظلام. حيث غادر المعارض السياسي الفنزويلي ليوبولدو لوبيز مقر إقامته الجبرية بحماية جنود مسلحين، وهو المحكوم عليه بالسجن 14 عامًا بتهمة التحريض على العنف خلال احتجاجات عام 2014.

وبعد فترة من الهدوء النسبي الذي خيَّم على المشهد السياسي في فنزويلا، استيقظت العاصمة كراكاس على تداعيات إعلان زعيم المعارضة خوان غوايدو عبر تسجيل مصوّر في إحدى القواعد العسكرية في العاصمة كركاس سعيه لإكمال مشروع الإطاحة بالرئيس نيكولاس مادورو دستوريًا.  

محاولة انقلاب جديدة

في مقطع الفيديو ظهر غوايدو محاطًا بمجموعة من الجنود المدججين بالسلاح، داعيًا إلى انتفاضة عسكرية في البلاد ضد نظام الرئيس مادورو، معلنًا انضمام عسكريين لمساعيه للإطاحة بالرئيس مادورو ويدعو المزيد منهم لمواكبته.   

من قاعدة "لا كارلوتا" الجوية، قال زعيم المعارضة: "هناك العديد من الجنود ممن انضموا إلينا، الآن أدعو الموظفين المدنيين الذين يعدون مكونًا أساسيًا، ليس فقط بالنسبة للمرحلة الانتقالية، ولكن أيضًا بالنسبة لإعادة بناء فنزويلا، إلى استعادة السيادة الوطنية، أريد من رجال الحرية والدعم أن تتحرك فورًا".  

تأتي التحركات الأخيرة في سياق "محاولات من المعارضة لخلق أجواء تساعدها على تحريك الشعب وتغيير الحكم، ولكن حتى الآن لم تحدث تحركات مهمة"

وصفت حكومة الرئيس مادورو ما جرى بأنه "محاولة انقلابية فاشلة" نفَّذها عسكريون وصفتهم بـ"الخونة" الذين يعملون مع المعارضة وباعوا أنفسهم للإمبريالية الأمريكية الشمالية، وتعاملت معهم بالقوة. وأعلن الرئيس المتشبث بمركزه أن جميع الوحدات والثكنات العسكرية ما زالت تحت القيادة الوطنية، مؤكدًا ولاء قادة الجيش له.  

عقب ذلك، أعلن نائب مادورو، وزير الاتصال والإعلام خورخي رودريغيز، أن السلطات تقمع تمردًا قام به مجموعة صغيرة من العسكريين الساعين لتغيير السلطة في البلاد، ونشر رودريغيز تغريدة على تويتر قال فيها: "نود إبلاغ شعب فنزويلا، أننا نتصدى في الوقت الراهن، لمجموعة من العسكريين الخونة الذين انتشروا عند عقدة طرق التاميرا لتنفيذ انقلاب ضد الدستور والسلام في الجمهورية".

وفي تصريحات متلفزة، أكد وزير الدفاع الفنزويلي فلاديمير بادرينو لوبيز أن الجيش يرفض الحركة الانقلابية، وأن قادتها استخدموا عناصر من الجيش والشرطة بعتاد حربي في الطريق العام في المدينة لإثارة ما وصفه بـ"القلق والإرهاب"، معلنًا استعداد القوات المسلحة الفنزويلية لاستخدام السلاح للتصدي لمحاولات الاستيلاء على السلطة بالقوة.

كما اتهمت فنزويلا كولومبيا بمساعدة المعارضة في "محاولة الانقلاب العسكري" التي وقعت الثلاثاء، وكتب وزير الخارجية الفنزويلي خورخي أرييسا في تغريدة له على تويتر: "ندين الدعم الذي تقدمه السلطات الكولومبية لمحاولة الانقلاب الجديدة في فنزويلا"، مشيرًا إلى أن "جميع التحركات السابقة للمعارضة ساندتها الولايات المتحدة وكولومبيا، وباءت بالفشل".

مسلحون من المعارضة الفنزويلية بشوارع العاصمة كراكاس

وتأتي التحركات الأخيرة في سياق محاولات من المعارضة خلق أجواء تساعدها على تحريك الشعب وتغيير الحكم، ولكن حتى الآن لم تحدث تحركات مهمة، بحسب الباحث السياسي رفيق درجاني الذي رجَّح أن تكون تلك المحاولة آخر المحاولات، ويبرر ذلك بأن الحزب الاشتراكي الحاكم في فنزويلا لا يزال يتمتع بتأييد أغلبية المواطنين في البلاد.  

ردود الفعل الدولية بين الدعم والإدانة

توالت ردود الفعل الدولية على محاولة الانقلاب ضد الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وجاءت واشنطن - التي اُتهمت بالوقوف وراء هذه المحاولة - في مقدمة الدول التي أعلنت "دعمها الكامل" لتحركات غوايدو، وسارعت بالولوج في لُب التطورات، وحث مستشار الأمن القومي الأمريكي جون بولتون الجيش الفنزويلي على ما سمَّاه "حماية الدستور والشعب الفنزويلي ودعم الجمعية الوطنية (البرلمان) والمؤسسات القانونية ضد اغتصاب الديمقراطية".  

من جانبه، أعلن وزير الخارجية مايك بومبيو أن إدارة الرئيس دونالد ترامب تدعم دعوة غوايدو لإطلاق ما سمَّاه "انتفاضة عسكرية" ضد مادورو، واصفًا غوايدو بالرئيس المؤقت، وقال في تغريدة أخرى، إشارة إلى مادورو: "لقد حان الوقت لكي يتنحى النظام غير الشرعي".   

خلال حضوره حفل في العاصمة واشنطن، قال بومبيو إن مادورو كان يستعد لمغادرة البلاد صباح الثلاثاء بعد أن دعا غوايدو إلى "انتفاضة" ضده، لكن روسيا تدخلت وأقنعته بالتراجع عن خططه في اللحظات الأخيرة، وأكد بومبيو أن فرقًا دبلوماسية ومخابراتية أمريكية تعمل بجد لأجل الإطاحة بمادورو من رئاسة فنزويلا.

وفي موقف تابع للموقف الأمريكي، جددت كولومبيا الدعم لغوايدو وتحركاته، ودعت العسكريين الفنزويليين إلى الانضمام له، وطالب رئيس كولومبيا إيفان دوكى الفنزويليين بـ"الاتحاد بحثًا عن الحرية"، لإزاحة مادورو من السلطة، في حين طالب وزير خارجيته باجتماع عادل لمجموعة "ليما" لمناقشة الوضع الحاليّ في فنزويلا.

في المقابل، أعربت روسيا عن رفضها محاولات تغيير الحكومة الشرعية في فنزويلا من خلال العنف، واتهمت وزارة الخارجية الروسية المعارضة في فنزويلا باتباع سياسة التحريض على الصراع، وإثارة انتهاكات للنظام العام، والاصطدام بمشاركة القوات المسلحة، داعية إلى للابتعاد عن أعمال العنف والشغب وإراقة الدماء في البلاد.  

بالمثل، أعربت تركيا عن معارضتها محاولات تغيير الحكومات الشرعية بطرق غير ديمقراطية، حيث أكد وزير الخارجية التركي مولود تشاويش أوغلو، وقوف بلاده إلى جانب الشعب الفنزويلي دائمًا، في حين علَّق الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على المحاولة الانقلابية في فنزويلا، قائلاً: "صناديق الاقتراع هي الأساس في الديمقراطيات".

كذلك أعلنت كل من كوبا وبوليفيا وقوفهما إلى جانب الحكومة الفنزويلية ضد محاولة الانقلاب، وأدان الرئيسان الكوبي ميغيل دياز كانيل والبوليفي خوان إيفو موراليس المحاولة الانقلابية التي تخدم المصالح الخارجية، حسب تعبيرهما. 

أعلنت إسبانيا من جهتها، أنها ترفض أي تغيير بالقوة، ولا تؤيد الانقلاب العسكري في فنزويلا رغم أنها تعد "غوايدو زعيمًا شرعيًا للبلاد"، لكنها دعت إلى تجنب "حمَّام دم" وإجراء انتخابات فورًا، وقالت المتحدثة باسم الحكومة الإسبانية إيزابيل ثيلا: "ليس لدينا شك في أن الحل بالنسبة لفنزويلا سيأتي مع الانتخابات، إسبانيا لا تؤيد أي انقلاب عسكري".

بحسب المصادر، فإن برنس سعى على مدار الأشهر القليلة الماضية للحصول على دعم سياسي واستثماري لمثل هذه العملية من مؤيدي ترامب ذوي النفوذ والمنفيين الفنزويليين الأثرياء

أمَّا الدول الأوروبية الأخرى فقد حاول بعضها إخفاء موقفها من محاولة الانقلاب الأخيرة، وسعت إلى إظهار موقف مؤيد للاستقرار، وذلك رغم أن الاتحاد الأوروبي أعلن في يناير/كانون الثاني الماضي تأييده للانقلاب الأول، بالتزامن مع تأييد أمريكي كبير، أعقبه كذلك إعلان كندا الاعتراف بغوايدو.

على سبيل المثال، قالت الرئاسة الفرنسية إنها تتابع الوضع في فنزويلا عن كثب وتدعم التطلعات الديمقراطية للشعب الفنزويلي، في حين، أعربت الحكومة البريطانية عن ثقتها في "حل سلمي" للأزمة في فنزويلا، وطالبت بإنهاء نظام نيكولاس مادورو، معتبرة أن الشعب الفنزويلي عانى كثيرًا ويستحق مستقبلاً أفضل.

الآن وفي خضم مستجدات الثلاثاء تتجه الأنظار إلى شكل وتفاصيل ونتائج المسيرات المرتقبة لأنصار غوايدو، الذين دعاهم للخروج في الشوارع اليوم الأربعاء، ويعتقد أنها ستكون أكبر مسيرة تظاهرات في البلاد في إطار ما يسميها "المرحلة الحاسمة" من إسقاط نظام مادورو وتوليه الرئاسة عن طريق انتخابات جديدة.

أحدث مبيعات "بلاك ووتر".. مرتزقة لفنزويلا  

وفيما ضباب كثيف يحجب المشهد الفنزويلي، كشفت وكالة "رويترز" أن إريك برنس مؤسس شركة "بلاك ووتر" الأمنية المثيرة للجدل والمؤيد البارز للرئيس الأمريكي يضغط على إدارة ترامب لإرسال آلاف الجنود "المرتزقة" للمساعدة في الإطاحة بمادورو، حيث نقلت الوكالة عن مصادر مطلعة أن برنس عقد سلسلة اجتماعات بشأن خطته مع أشخاص مقربين من ترامب وعدد من أثرياء الجالية الفنزويلية، كان أحدثها في منتصف أبريل/نيسان الحاليّ.

وبحسب المصادر، فإن برنس سعى على مدار الأشهر القليلة الماضية للحصول على دعم سياسي واستثماري لمثل هذه العملية من مؤيدي ترامب ذوي النفوذ والمنفيين الفنزويليين الأثرياء.

وفي اجتماعات خاصة في الولايات المتحدة وأوروبا، رسم برنس خطة لإرسال ما يصل إلى 5 آلاف جندي من كولومبيا ودول أمريكا اللاتينية الأخرى للقيام بعمليات القتال وتحقيق الاستقرار نيابة عن زعيم المعارضة الفنزويلية خوان غوايدو، وكانت الحجج الرئيسية التي طرحها برنس هي أن فنزويلا تحتاج إلى ما يسميه "حدثًا ديناميكيًا" لكسر الجمود الذي حدث منذ يناير.

إريك برنس مؤسس شركة "بلاك ووتر" سيئة الصيت

يسعى برنس - بحسب مصدرين لديهما معرفة مباشرة بالخطة الأمنية - للحصول على 40 مليون دولار من مستثمرين في القطاع الخاص، إضافة لتمويل بمليارات الدولارات من الأصول الفنزويلية التي استولت عليها حكومات في جميع أنحاء العالم لفرض عقوبات على الدولة العضو في منظمة الدول المصدرة للنفط "أوبك"، وهي مصدر رئيسي للنفط، غير أنه من غير الواضح كيف يمكن للمعارضة الفنزويلية الوصول قانونيًا إلى تلك الأصول.

ويعتقد مؤسس "بلاك ووتر" أن غوايدو لديه السلطة لتشكيل قوته العسكرية الخاصة لأنه تم الاعتراف به دوليًا كرئيس شرعي لفنزويلا، لهذا السبب يتصور برنس وجود قوة مؤلفة من "البيروفيين والإكوادوريين والكولومبيين والمتحدثين الإسبان"، ويجادل بأن هؤلاء الجنود سيكونون أكثر قبولاً من الناحية السياسية من الأمنيين الأمريكيين.

نفت المعارضة الفنزويلية على لسان إدوارد رودريجيز المتحدث باسم جوايدو مناقشة أي خطط أمنية مع برنس، في حين رفض المتحدث باسم مجلس الأمن القومي بالبيت الأبيض غاريت ماركيز التعليق بشأن إذا كان البيت الأبيض قد استجاب لخطة برنس.

وقال بعض خبراء الأمن الأمريكيين والفنزويليين الذين اطلعوا على الخطة التي نشرتها "رويترز"، إنها سياسية بعيدة المنال وربما تنطوي على خطورة لأنها قد تؤدي إلى اندلاع حرب أهلية، لذلك ربما لن يدعم البيت الأبيض مثل هذه الخطة، في حين قد يكون قطاع الأمن الخاص مفيدًا في حالة انهيار حكومة مادورو، لتوفير الأمن لإدارة جديدة في أعقاب ذلك.

حتى الآن، لم تحول المؤسسات الحكومية الرئيسية - بما في ذلك الجيش - ولاءها إلى غوايدو رغم الضغوط الدولية المتزايدة والعقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة وحلفاؤها

وبالنسبة إلى برنس، تمثل المناورة المحتملة الجهد الأخير في حملة طويلة لخصخصة الحرب، حيث أرسل قائد الفرقة القتالية الجوية والبرية السابق بالبحرية والابن الثري لأحد عمالقة قطع غيار السيارات عناصر أمنية خاصة في مناطق النزاع من آسيا الوسطى إلى إفريقيا إلى الشرق الأوسط. 

وحتى الآن، لم تحول المؤسسات الحكومية الرئيسية - بما في ذلك الجيش - ولاءها إلى غوايدو رغم الضغوط الدولية المتزايدة والعقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة وحلفاؤها، وقد حثت حكومات أمريكا اللاتينية التي تعترف بسلطته على القيام بعمل عسكري خارجي، كما أكد كبار المسؤولين الأمريكيين - دون استبعاد التدخل العسكري - على الإجراءات الاقتصادية والدبلوماسية للضغط على مادورو.

علاقات وثيقة مع ترامب وشركات أمنية بالصين والعراق

كان برنس رائدًا في التعاقدات العسكرية الخاصة خلال حرب العراق، عندما استأجرت الحكومة الأمريكية شركة "بلاك ووتر" لتوفير الأمن لعمليات وزارة الخارجية هناك.

في عام 2007، أطلق موظفو "بلاك ووتر" النار وقتلوا 17 مدنيًا عراقيًا في ساحة النسور في بغداد، مما أثار غضبًا دوليًا، كما أُدين أحد موظفي "بلاك ووتر" بجريمة قتل في ديسمبر/كانون الأول، وأُدين 3 آخرون بالقتل الخطأ.

كشف موقع "BuzzFeed News" الأمريكي أن برنس أنشأ شركة أمنية جديدة في جنوب العراق بعد سنوات من قتل مدنيين هناك

قام برنس بتسمية شركة ""Blackwater security وبيعها في عام 2010، لكنه افتتح مؤخرًا شركة تدعى "بلاك وواتر يو إس إيه" التي تبيع الذخيرة وكواتم الصوت والسكاكين.

على مدار العامين الماضيين، قاد برنس حملة "فاشلة" لإقناع إدارة ترامب باستبدال الجنود الأمريكيين في أفغانستان بعناصر من شركة "بلاك ووتر" الأمنية.

تبرع برنس بمبلغ مئة ألف دولار للجنة العمل السياسي التي دعمت انتخاب ترامب، كما أن شقيقته بيتسي ديفوس هي وزيرة التعليم في الإدارة، ومؤخرًا سُلط الضوء على دور برنس في حملة ترامب في تقرير المدعي الخاص روبرت مولر، الذي صدر هذا الشهر، بشأن العلاقات المزعومة بين حملة ترامب والجهود الروسية للتأثير على الانتخابات الرئاسية 2016.

أوضح التقرير كيف موَّل برنس جهودًا لمصادقة رسائل البريد الإلكتروني المزعومة لهيلاري كلينتون، وكيف التقى عام 2016 في جزر سيشيل، قبالة شرق إفريقيا، بمسؤول مالي روسي ثري نيابة عن فريق الانتقال الرئاسي في ترامب.

مؤخرًا، كشف موقع "BuzzFeed News" الأمريكي أن برنس أنشأ شركة أمنية جديدة في جنوب العراق بعد سنوات من قتل مدنيين هناك، وقال الموقع إنه وفقًا لوثائق حصل عليها فإن شركة برنس التي تتخد من هونغ كونغ مقرًا لها ولديها فرع في الإمارات حصلت على دعم مالي صيني ولها علاقات وثيقة مع شركة الاستثمار الصينية المملوكة للدولة ""CITIC، وانطلقت كشركة متخصصة في مجال الأمن واللوجستيات عام 2014.  

منذ ذلك الحين اتسع نطاق الشركة الأمنية "سيئة السمعة" في إفريقيا بفضل توفير الخدمات الأمنية واللوجستية لمبادرة الحزام والطريق الصينية، حيث تساعد الشركات الصينية العاملة في إفريقيا في توفير خدمات الأمن والطيران والخدمات اللوجستية، وتملك مجموعة برنس مكاتب أخرى في كل من البر الصيني الرئيسي جنوب شرق آسيا والإمارات، وتحمل اسم "فرونتير سيرفيسز"، وسُجلت  في العراق العام الماضي.