منعطف جديد تدخله الأزمة السودانية إثر تبادل الاتهامات بين المجلس العسكري الانتقالي وقوى المعارضة وفقدان الثقة بعد أول ثلاث جولات تفاوض للخروج بصيغة توافقية من المأزق السياسي الحاليّ الخاص بانتقال السلطة بعد عزل عمر البشير في 11 من أبريل الماضي.

محاولات متكررة - غير مباشرة - لفض الاعتصام من المجلس المتشبث بالسلطة يقابلها رفض تام من المحتجين المرابطين في مواقعهم، المتمسكين بمدنية نظام الحكم، وسجال إعلامي وسياسي بين الطرفين قد يقود الشارع للمطالبة بسقوط ثالث للعسكر، الأمر الذي بات معه من الصعب التنبؤ بما ستؤول إليه الأوضاع بين الساعة والأخرى.

تأتي حشود كبيرة من كل حدب وصوب للانضمام إلى الاعتصام الشعبي أمام مقر القيادة العامة للقوات المسلحة للمشاركة في مليونية "الحرية والتغيير"، في وقت يكتنف فيه الغموض مصير المفاوضات بين المجلس والمعارضة بعد وصولها إلى طريق شبه مسدود.

يذكر أن المجلس العسكري وخلال عملية التفاوض أبدى رغبة في تشكيل مجلس سيادي مختلط من العسكر والمدنيين لإدارة شؤون البلاد خلال المرحلة الانتقالية، مكون من عشرة مقاعد، سبعة منها لممثلين عن الجيش وثلاثة للمدنيين، وهو ما تم رفضه شكلاً وتفصيلاً من قوى المعارضة المحتشدة.

تهديدات غير مقبولة

لم تخرج المفاوضات بين الطرفين بالنتائج المطلوبة، عكس حالة التفاؤل التي سادت الأجواء إبان أول جلسة عُقدت بين المجلس والمعارضة قبل أيام، إذ جاءت التصريحات الصادرة عن عدد من أعضاء المجلس صادمة لجموع الثوار المحتشدين، تلك التصريحات التي أعادت للأذهان خطاب البشير في 22 من فبراير الماضي حينما أعلن حالة الطوارئ.

أبرز تلك التصريحات جاء على لسان نائب رئيس المجلس العسكري الفريق أول محمد حمدان حميدتي الذي قال فيها: "نحن الآن ملتزمون بالتفاوض، ولكن لا فوضى بعد اليوم"، الأمر الذي اعتبره الثوار تهديدًا مباشرًا باللجوء للعنف مع المتظاهرين، وهي الخطوة التي يتجنب الجميع الولوج فيها خشية ما يمكن أن يترتب عليها من تداعيات كارثية.

وفي المقابل استنكر محمد عصمت القيادي في تحالف قوى الإجماع الوطني - أحد مكونات إعلان الحرية والتغيير - تهديدات المجلس، مؤكدًا أنها غير مقبولة ولن يرضخ لها المعتصمون، مطالبًا بتحكيم صوت العقل تجنبًا لإدخال البلاد في مستنقع من الدماء التي ربما يكون من الصعب حقنها فيما بعد.

عصمت في تصريحات أدلى بها لـ"الجزيرة" أكد أن المعارضة على استعداد تام للانفتاح على الاحتمالات كافة، مضيفًا: "ثمة ثورة أخرى ومعركة جديدة يقودنا إليها المجلس العسكري ونحن مستعدون لقيادة هذه المعركة"، وقال إنهم لن يتنازلوا عن مطالبهم الثلاث المعلنة سابقًا وهي: تشكيل مجلس سيادة بتمثيل محدود للعسكر، ومجلس وزراء من الخبرات والكفاءات ومجلس تشريعي.

وفي السياق ذاته أشار الصحفي السوداني محمد عبد اللاه، أن تصريحات حميدتي وإن تراجع عنها بشكل غير مباشر فيما أبعد، أفقدت السودانيين الثقة في المجلس ووعوده ونوايا تجاه الملفات الشائكة بين الطرفين، منوهًا أن مثل تلك التصريحات تكشف الوجه الحقيقي للعسكر وتسقط الأقنعة المزيفة التي طالما سعوا لارتدائها.

حذّر عبد اللاه عبر "نون بوست" من سيناريو رابعة العدوية والنهضة في مصر، كاشفًا أن أي محاولة لفض الاعتصام بالقوة سيكون لها ارتدادت عكسية، خاصة مع تصاعد التعاطف الشعبي مع مطالب الثوار، وهو ما تعكسه الأمواج المتتالية من السودانيين المنضمين بين الساعة والأخرى للاعتصام أمام قيادة الجيش.

وأضاف الصحفي السوداني أن محاولات المجلس التشبث بالسلطة والالتفاف على الكراسي بذريعة الحماية أو حفظ الأمن باتت قصيدة قديمة ما عادت تطرب أحدًا، فالقوات الأمنية والجيوش مهمتها على الدوام تقتصر على الأمن والدفاع، ولا تتعداها للسيطرة على الحكم والهيمنة على السلطة.

استمرار التظاهرات في السودان

عدم الجدية في تسليم الحكم

وفي المقابل اتهمت قوى الحرية والتغيير المجلس العسكري بعدم الجدية في تسليم الحكم، ففي بيان لها على صفحة "تجمع المهنيين السودانيين" على فيسبوك، قالت: "الجيوش لم تكوَّن في يوم من الأيام لتستلم السلطة أو تتمهل في القصور، فالجيوش بطبيعتها هي لحماية الشعوب ولصيانة حدود الأوطان من الأعداء، وأي فصلٍ في فصول كتاب التاريخ ذُكر فيه قعود الجيوش في كراسي الحكم، كان متبوعًا بفصلٍ يحكي عن أنهار الدماء ويروي عن طبائع الاستبداد".

وأضافت "محاولات المجلس العسكري تصوير تفاوضنا معه حول وسائل إدارة الدولة وصلاحيات مؤسسات الحكم بأنها تغوُّل، يبيِّن من الذي يريد أن يتغوَّل ومن الذي يريد أن يعيد تطبيق تجارب مأساوية من حكم العسكر في بلدنا وفي بلدان أخرى، إعادة منسوخة بالكربون بكل كوارثها ومظاهر الاستبداد فيها، وهو ما لن نسمح به، كما لن نسمح باستبدال طاغية بطاغيةٍ جديد. إن التضحيات التي قدمها الشعب السوداني أكبر من أن تُباع وتُشترى، والدماء التي سالت والشهداء الذين ارتقوا أغلى من أن نترك حقهم للطموحات الشخصية والتدابير الذاتية".

الثورة الشعبية لم تنته بعد، والاعتصام مستمر في مكانه، وتحالف الحرية والتغيير مستمر كذلك في استخدام أدوات المقاومة السلمية كافة إلى حين تحقق المطالب الثورية

كما اعتبرت جولات التفاوض السابقة التي دخلها المجلس مع المعارضة ليست سوى محاولة منه للبحث عن "شرعنة نفسه ونظامه عبر إلباس الحكم العسكري طابعًا مدنيًا مزيفًا وضعيفًا مع الإبقاء على وجوده كحاكم ومسير فعلي للدولة، وأكدت أن ممارسة المجلس العسكري للمماطلة وخطاب المراوغة لن يكسبه أي شرعية، وتصريحاته بشأن قوى إعلان الحرية والتغيير غير مسؤولة وتتسم بعدم المصداقية.

أما عن أدوات المواجهة فأشارت القوى في بيانها أن لديها "أدوات في العمل السلمي الجماهيري ليس أقلها الإضراب السياسي والعصيان المدني وهي وسائل مجربة وخبرة شعبنا فيها مشهودة، هذه الأدوات نجيد تطبيقها والذهاب بها إلى أبعد الحدود، وبوصلتنا ومرجعيتنا في ذلك هي الجماهير وتحقيق تطلعاتها".

وعليه تؤكد المعارضة استمرار أدوات المقاومة السلمية من التظاهرات والمواكب والاعتصامات في كل بقاع السودان حتى تسليم مقاليد الحكم في البلاد لسلطة انتقالية مدنية وفقًا لما نص عليه إعلان الحرية والتغيير الذي تواثقت عليه الجماهير السودانية.

وفي مؤتمر صحفي عقده تحالف قوى إعلان الحرية والتغيير قال خالد عمر يوسف القيادي بالتحالف: "الفرصة لا تزال متاحة للمجلس العسكري ليكون في مشروع شراكة تحقق الانتقال السلمي في البلاد"، مؤكدًا في الوقت ذاته أن "الثورة الشعبية لم تنته بعد، والاعتصام مستمر في مكانه، وتحالف الحرية والتغيير مستمر كذلك في استخدام أدوات المقاومة السلمية كافة إلى حين تحقق المطالب الثورية".

يوسف حذر من الالتفاف على مطالب الثوار لأنه "سيحدث ما لا تحمد عقباه"، مطالبًا المجلس أن يتعلم من دروس التاريخ وعدم تجربة نظام الإنقاذ (نظام البشير)، داعيًا لاستمرار المفاوضات رغم ما وصلت إليه من تعقيدات لكنها يجب أن تكون "تحت سمع وبصر الشعب السوداني، بنقلها على الهواء مباشرة حتى تنقل الأحداث للشعب دون تحريف"، مؤكدًا أنه "ليس للتحالف ما يخفيه".

وفي الجهة الأخرى هناك من يطالب بتعليق المفاوضات مع المجلس بصورة نهائية خاصة بعد محاولات فض الاعتصام المتكررة حتى إن جاءت بطرق غير مباشرة، إلا أن الصوت الأكبر بين صفوف المعارضة يميل إلى استمرار المفاوضات لكن وفق المرتكزات المحددة سلفًا التي تذهب في نهاية الأمر إلى تسليم الحكم لسلطة مدنية وتقليل الفترة الانتقالية المحددة.

"يجب ألا نستفز المجلس العسكري بمحاولة حرمانه من شرعيته أو حرمانه من دوره الإيجابي في الثورة" الصادق المهدي

تظاهرات مليونية

حالة من الترقب يعيشها السودانيون في انتظار ما ستسفر عنه المظاهرة المليونية اليوم بالعاصمة الخرطوم التي تم الدعوة لها عن طريق قوى المعارضة، وسط حالة غير مسبوقة من التوتر مع العسكر المتشبثين بالسلطة رغم الاتفاق المبدئي على تشكيل مجلس مشترك لإدارة المرحلة.

الدعوات التي وجهها تجمع المهنيين تضمنت العديد من أطياف السودانيين، لا سيما القطاعات المهنية والطلابية، وفي عدد من محافظات ومدن السودان ولم تقتصر على العاصمة وفقط، في محاولة لإحداث حالة من الزخم الشعبي للضغط على المجلس للرضوخ لمطالب الشعب وعدم الالتفات عليها.

وفي المقابل حذّر زعيم حزب الأمة السوداني الصادق المهدي، من استفزاز أعضاء المجلس العسكري، وقال إنهم سيسلمون السلطة قريبًا إلى إدارة مدنية كما يطالب المتظاهرون، وذلك بحسب تصريحات له في مقابلة مع وكالة الصحافة الفرنسية.

وأضاف المهدي "يجب ألا نستفز المجلس العسكري بمحاولة حرمانه من شرعيته، أو حرمانه من دوره الإيجابي في الثورة"، مؤكدًا "يجب ألا نتحداهم بطريقة تجبرهم على إثبات نفسهم بطريقة مختلفة"، متحدثًا عن اعتقاده بوجود "مؤشرات على أن أعضاء في المجلس استفزتهم بعض التصريحات من المعارضة التي يبدو أنها قللت من دورهم"، مضيفًا "إذا استفزينا القوات المسلحة التي أسهمت في التغيير، فإننا نبحث عن المشاكل".

جولة جديدة من المفاوضات من المتوقع أن يدخلها طرفا الأزمة خلال الساعات القليلة المقبلة، المجلس المدعوم من الإمارات والسعودية ومصر، والمعارضة التي تستند إلى قوة الشارع، وسط حالة من الترقب في انتظار ما ستخرج به من نتائج، وإن كانت الأجواء تشير إلى أن الستار لن يسدل قريبًا.