الليبيون النازحون يطهون الطعام في مدرسة استُخدمت كملجأ في الضواحي الجنوبية لطرابلس في أواخر نيسان/ أبريل 2019

ترجمة وتحرير: نون بوست

قد يكون يومًا عاديًا في عين زارة، حيث تُعرض الخضروات والغلال على غرار التفاح والموز والبطاطس والكوسا خارج المتاجر، في انتظار قدوم المشترين في هذه المنطقة الواقعة جنوب غرب طرابلس. مع ذلك، أُغلقت المحلات التجارية وغادرت العائلات منازلها، تمامًا مثلما كان الحال بالنسبة لعائلة أسامة عوشة، التي فرّت جراء الهجوم الذي يقوده قائد الشرق، خليفة حفتر، على العاصمة، لتصبح العائلة بلا مأوى بين ليلة وضحاها.

في هذا الصدد، قال عوشة، وهو على متن سيارته المحملة بصناديق وحقائب كبيرة، والذي كان برفقة امرأة وطفلان: "لقد حاولنا البقاء، لكننا نخشى القصف الذي تشنه قوات حفتر"، مضيفا "ينبغي علينا أن نرحل من هذا المكان. نحن لا نعرف إلى أين، لكن ينبغي علينا الرحيل". الجدير بالذكر أنه قبل شهر، شنّ حفتر هجوما عسكريا على طرابلس بهدف السيطرة على المدينة، حيث يدّعي أنه يسعى إلى تحرير العاصمة من الإرهابيين مثلما فعل في بنغازي ودرنة. وقد توالت المعارك بعد مرور خمس سنوات تقريبا على بداية الحرب الأهلية.

ردا على ذلك، تجمعت القوات الموالية لحكومة الوفاق الوطني، المدعومة من قبل الأمم المتحدة والتي تتخذ طرابلس مقرا لها، في العاصمة الليبية. ووفقا للأمم المتحدة، أسفرت المعارك عن سقوط أكثر من 350 قتيل، من بينهم 22 مدنيا على الأقل، وأكثر من 2000 جريح، في حين أُجبر حوالي 50 ألف من السكان على النزوح. فضلا عن ذلك، تسببت المعارك في أضرار جسيمة وسقوط القتلى في المناطق الزراعية والأحياء في جنوب طرابلس، على غرار عين زارة.

تمكن العديد من النازحين من طرابلس، والبالغ عددهم 50 ألفا، من الاحتماء في منازل أقاربهم، في حين استأجر آخرون منازل في المدينة

فيما يتعلق بحلول شهر رمضان، صرح عوشة وهو داخل سيارته: "آمل أن تكون حربا قصيرة المدى. أدعو الله أن تكون حربا قصيرة". من جانبها، كانت الأمم المتحدة قد دعت يوم الأحد إلى ضرورة التوصّل إلى هدنة إنسانية تستمر لمدّة أسبوع. في المقابل، حثّ حفتر قواته في تسجيل صوتي على القتال من أجل الاستيلاء على العاصمة في الأسابيع المقبلة، حيث قال: "أيها الضباط والجنود في قواتنا المسلحة والقوات المساعدة، أحييكم في هذه الأيام المجيدة وأحثّكم بكل قوة وعزم على تلقين العدو درسا يكون أقسى من الدروس السابقة، كما عهدناكم دائما، حتى نقتلع الإرهابيين من أرضنا الحبيبة".

"لا نعلم أين نختبئ"

تمكن العديد من النازحين من طرابلس، والبالغ عددهم 50 ألفا، من الاحتماء في منازل أقاربهم، في حين استأجر آخرون منازل في المدينة. لكن بالنسبة للكثيرين، يتمثل الخيار الوحيد المتبقي أمامهم في العيش في المدارس التي تؤوي مئات العائلات المشرّدة الأخرى. في الأثناء، يعتبر الصحفيون أن الحديث مع النازحين مهمة صعبة، فالبعض منهم لديه أفراد من أسرته يعيشون في شرق ليبيا ويخشون التعرّض للانتقام في حال تحدثوا أو تشكّوا من الوضع الذي يعيشونه.

قال عوشة إن "ما يقوم به حفتر ليس سوى دعاية، حيث يدّعي أن لديه جيشا، وأنه طالما أن الجيش الليبي تحت سيطرته، فسيحرر ليبيا ويُوّحدها

في الحقيقة، يشعر الكثيرون بغضب عارم بعد مرور سنوات على هذه الحرب، حيث قال أحمد القلاي، الذي يعيش في الوقت الراهن في قاعة إحدى المدارس مع زوجته في منطقة الفراج بالعاصمة، جنوب غرب طرابلس، إن "الحرب الأخيرة اندلعت في أيلول/ سبتمبر الماضي. وقد مرت ستة أشهر منذ ذلك الحين. وها نحن مرة أخرى نحصي عدد القتلى". وأضاف أحمد قائلا: "نحن نعيش في حالة من الخوف المستمر. لقد كنا نأمل خلال الثماني سنوات الماضية أن تتحسن الأمور. لكن عوضا عن ذلك، نحن ندعو الله كل يوم كي لا يحدث أمر خطير وعنيف. فماذا سيحدث إذا قصف حفتر المدينة؟ نحن لا نعلم أين يجب علينا الاختباء، علما وأننا لا نشكّل تهديدا، ولسنا إرهابيين. وفي حال كان حفتر عازما حقا على تحقيق ما نجح في القيام به في كل من درنة وبنغازي، فستقع حتما مجزرة وحمام دم، وهذا ما نخشاه".

أعرب عوشة عن مخاوف مماثلة، حيث لا يزال بعض من أفراد أسرته يعيشون في بنغازي حيث شنّ حفتر عملية عسكرية سنة 2014 لدحر المقاتلين وغيرهم من المعارضين وأعلن النصر في حزيران/ يونيو 2017. وقد أوضح المنتقدون أن حفتر صنّف أعدائه على أنهم متشددون إسلاميون لتبرير الحرب التي يخوضها. وقد تحدث عوشة عن المدينة التي تعرّضت للدمار، حيث ذكر أن أجزاء منها قد سويّت بالأرض جرّاء القنابل بعد حرب استمرت لثلاث سنوات.

معاذ، وهو جندي مؤيد لحكومة الوفاق الوطني، فقد أوضح وهو يقوم بدورية في الشارع، أن كل المتاجر والمباني مغلقة، والأبواب والنوافذ كلّها موصدة

في هذا الخصوص، قال عوشة إن "ما يقوم به حفتر ليس سوى دعاية، حيث يدّعي أن لديه جيشا، وأنه طالما أن الجيش الليبي تحت سيطرته، فسيحرر ليبيا ويُوّحدها. إن هؤلاء الجنود لا يمكن اعتبارهم جيشا. فأولا وقبل كل شيء، هم ليسوا مواطنين ليبيين، بل مجرّد مرتزقة وظّفهم حفتر تحت إمرته أو أرسلهم حلفاؤه". وأردف عوشة أن "حفتر يدّعي أنه يسعى إلى تحرير ليبيا من الإرهابيين، لكنه يريد أن يُحكم قبضته على الوزارات ليخدم مصالحه الشخصية ومصالح الدول التي تدعمه فحسب. إن الجيش الذي يريد توحيد البلاد لا يقتل الناس، بل يسعى إلى حمايتهم، بيد أن حفتر يقتلنا ويرهب السكان بالقنابل والطائرات المقاتلة". وخرج عوشة من السيارة وأشار إلى حيّه.

أما معاذ، وهو جندي مؤيد لحكومة الوفاق الوطني، فقد أوضح وهو يقوم بدورية في الشارع، أن كل المتاجر والمباني مغلقة، والأبواب والنوافذ كلّها موصدة. وكل بضعة أمتار على الأرض، تعترض طريقك حفرة عميقة جراء القنابل التي أسقطتها القوات الموالية لحفتر. وأورد معاذ، الذي فضّل عدم استخدام اسمه بالكامل لأسباب أمنية، مشيرا إلى منطقة في الشارع: "لقد حدث ذلك قبل عشرة أيام. لقد كانت سياراتنا هنا. وبعد مرور يومين، خرج أشخاص يحملون أعلاما بيضاء. لقد كنا حذرين وكنا نظن أنهم مدنيون وأردنا إنقاذهم، لكن تبيّن أنهم جنود حفتر. لقد أرادوا نصب كمين لنا إلا أننا ألقينا القبض عليهم".

فجأة، قدمت سيارة إسعاف تستخدمها المستشفيات الميدانية لنقل الجنود والمدنيين الجرحى، وهي تحمل رجلا نُقل من منزله وتظهر على وجهه آثار إصابات، كما بدى عليه أنه لم يتناول الطعام منذ أيام، وكان بالكاد قادرا على الكلام. وقد سعى الجنود لنقله إلى المستشفى الأول في المدينة. في الأثناء، أومأ عوشة برأسه وعاد إلى سيارته، وأردف قائلا: "لقد مررنا بما يكفي، لقد سئمنا الحرب".

المصدر: ميدل إيست آي