ترجمة وتحرير نون بوست

إن تاريخ العداوة بين الجارتين النوويتين، الهند وباكستان، طويل ويتمحور حول نزاع إقليمي على جامو وكشمير. وقد عملت الهند على تقديم خطة تقسيم لدمج مناطق شبه القارة الهندية في الولايات القومية التي تشكلت حديثًا في الاتحاد الهندي وباكستان، بناء على التقارب الجغرافي والديني والعرقي والسياسي. وكان من الواضح جدًا أن انضمام إقليم جامو وكشمير قائم على أساس الأغلبية المسلمة، لكن الحاكم الهندوسي مهراجا هاري سينغ وقّع سرًا على وثيقة الانضمام للهند، التي ساهمت في خلق علاقات متوترة بين الجارتين. ونتيجة لذلك، خاضت كل من الهند وباكستان ثلاث حروب شاملة؛ أولها اندلعت سنة 1947-1948، والثانية سنة 1965، والثالثة سنة 1971، إلى جانب صراع محدود على مرتفعات كارجيل سنة 1999.

مع ذلك، فشلت كلتا الدولتين في دمج إقليم جامو وكشمير عسكريًا لينتهي بهما المطاف لشنّ حرب سرية ضد بعضها البعض. وتقوم هذه الحرب بشكل أساسي على التسلح الاستخباراتي للقوات المسلحة التابعة لكلتا الدولتين من خلال تكليف هذه القوات بجمع المعلومات الحساسة وزعزعة استقرار القانون والنظام المحلي عبر شنّ هجمات على المنشآت الحكومية الرئيسية وفي الأماكن العامة، للتخفيف من الذعر. لكن غالبًا ما كانت هذه الأساليب تدفع نيودلهي وإسلام أباد إلى شفا حرب نووية تشكل تهديدًا خطيرًا على منطقة جنوب آسيا والعالم بأسره.

التنافس الساخن-البارد

إن اعتماد مصطلح "التنافس الساخن-البارد" سيكون مناسبًا لشرح مجريات المواجهات العسكرية بين هذين البلدين. ويشير هذا الوصف إلى حدوث اضطراب مفاجئ في العلاقات الثنائية التي تجمع بين البلدين، ما يزيد من احتمال حدوث مواجهة عسكرية على خط السيطرة، وأحيانا على الحدود الدولية.

تتمركز القوات الهندية في مواقع مختلفة داخل البلاد، مما يجعل انتشار القوات التابعة لنيودلهي على الحدود الباكستانية في غضون مدة زمنية قصيرة مهمة صعبة

نظرًا لكونها طرفًا رئيسيًا يكتسي أهمية فيما يتعلّق بالشؤون الإقليمية والعالمية، فإنه من الطبيعي أن توجّه الهند أصابع الاتهام نحو باكستان إزاء كل حادثة إرهابية تحدث على أراضيها. ومن أبرز الأمثلة على ذلك، الهجوم على البرلمان الهندي سنة 2001 وما أعقبه من مواجهات عسكرية بين البلدين، وهجمات مومباي الإرهابية، والهجوم على باثانكوت وأوري، إلى جانب الهجوم الإرهابي على كشمير الذي جدّ مؤخرا. وفي سنة 2001، لم تدخر الحكومة الهندية جهدًا لتوجيه أصابع الاتهام نحو باكستان، محملةً إياها مسؤولية هذا الهجوم، وبذلك شرعت في الاستعداد لشنّ حرب. وتجدر الإشارة إلى أن هناك ثلاثة افتراضات رئيسية وراء اختيار الهند اتباع استراتيجية التنافس البارد الساخن في تعاملها مع باكستان.

أولًا، تتمتع الهند بقوة هائلة وتتميز ببيئة طبيعية هائلة وقوات عسكرية ضخمة. وتتمركز القوات الهندية في مواقع مختلفة داخل البلاد، مما يجعل انتشار القوات التابعة لنيودلهي على الحدود الباكستانية في غضون مدة زمنية قصيرة مهمة صعبة. وتعتقد الهند أن الانتشار العسكري والحرب المحدودة يمكن أن يساهما في كبح جماح استخدام باكستان للجماعات المتطرفة لزعزعة استقرار نيودلهي. ولتسريع عملية الانتشار العسكري، عملت الحكومة الهندية على تطوير "عقيدة البداية الباردة"، وهي عقيدة عسكرية وقع تطويرها لاستخدامها في حرب محتملة ضد باكستان.

يعود أصل نشأة هذه العقيدة إلى "عقيدة سوندارجي"، التي طُوّرت باستخدام سبع "مجموعات دفاعية" تابعة للقوات المسلحة الهندية والتي وقع نشرها بالقرب من الحدود الباكستانية. وفي الأثناء، كُلّفت المجموعة الرئيسية بموجب عقيدة سوندارجي بمراقبة تقدم باكستان على الحدود باستخدام قوة هجومية محدودة. ووفقًا للعقيدة المذكورة، أنشأت مشاة الميكانيكية والمدفعية هذه المجموعات القتالية.

من أجل اختبار قوتها الهجومية، شنّت الهند ما يسمى بالضربة العسكريّة ضدّ باكستان سنة 2016.

خلافًا للمجموعات الدفاعية، وقع نشر القوات القتالية التي تتبع عقيدة سوندارجي داخل الأراضي الهندية، لكنها لم تكن قادرة على التحرك بشكل مفاجئ على الحدود الباكستانية لشن هجوم. وتبعًا للاعتراف بوجود أوجه قصور موجودة في العقيدة الحالية، ابتكر الاستراتيجيون العسكريون في نيودلهي "عقيدة البداية الباردة".

تهدف هذه العقيدة إلى السماح للقوات التقليدية الهندية بتنفيذ هجمات لمنع باكستان من قيادة انتقام نووي في حال نشوب نزاع. ومن أجل اعتماد هذه العقيدة على أكمل وجه، تدرّبت القوات الهندية 10 مرات على الهجوم، إلا أن نقاط الضعف كانت واضحة في استراتيجيتها، كما أن هذه الاستراتيجية العسكرية العدوانية قد هزّت بالفعل حالة السلام والاستقرار في منطقة جنوب آسيا. ومن أجل اختبار قوتها الهجومية، شنّت الهند ما يسمى بالضربة العسكريّة ضدّ باكستان سنة 2016.

في هذا السياق، ادعت الهند أن الضربة العسكريّة قد نُفّذت من قبل جنود أنزلوا جوًا وعبروا خط السيطرة الواقع على الحدود بين هاتين الدولتين في بعض النقاط، وضربوا بعض المراكز الحدودية الباكستانية. ولكن، لا يمكن تصنيف هذه الضربة على أنها ضربة عسكريّة، لأن هذا النوع من الغارات يمكن تنفيذه في عمق أراضي العدو ويستوجب إنزال الجنود جوًا.

في سنة 2019، عَبَر سلاح الجو الهندي مرّة أخرى الأراضي الباكستانية وأسقط قنابل على مدينة بالاكوت الباكستانية. وقد تسبّب هذا الهجوم الهندي في تصعيد التوترات بين الدولتين. وبعد مرور يوم على الضربة، أسقطت القوات الجوية الباكستانية طائرتين هنديتين وأسرت أحد طياريها، الذي أطلقت سراحه لاحقًا تعبيرًا عن حسن النوايا.

كشفت هيئة القيادة الوطنية أن باكستان حققت قدرة ردع على نطاق كامل تشمل ثلاثة عناصر: مجموعة كاملة من الأسلحة النووية، مع تغطية كاملة للأراضي البرية الهندية الواسعة والأراضي البعيدة عنها".

ثانيا، غالبًا ما يمنع الضغط الدولي الهند من شنّ حرب شاملة ضد باكستان. كما شهدت الأزمة الهنديّة الباكستانيّة بين سنتي 2001 و2002 والتوترات التي قامت حول مدينة بولواما، بروز دبلوماسية الوسيط المتنقل التي تعتمدها مختلف القوى المسؤولة. فعلى سبيل المثال، لعبت الصين والولايات المتحدة واليابان وبريطانيا وروسيا دورًا حاسمًا في تهدئة التوترات الأخيرة.

في الواقع، يدرك المجتمع الدولي أن جنوب آسيا تمثّل نقطة اشتعال نووي ومن شأن أي مجازفة خاطئة أن تؤدي إلى اندلاع حرب نووية. ودائمًا ما تسعى هذه القوى إلى إيجاد حل دبلوماسي للنزاعات الهندية الباكستانية وتحث الدولتين على حل التوترات من خلال اعتماد الدبلوماسية والمفاوضات. وعلى إثر التوترات التي سبّبتها بولواما، ادعى الرئيس ترامب أن الولايات المتحدة كانت تضطلع بدور الوسيط بين البلدين وأن الجهود الأمريكية كانت تؤتي ثمارها وهو ما توحي به حالة السكون التي تشهدها كل من نيودلهي وإسلام أباد.

أما السبب الآخر فيتمثل في الردع النووي الباكستاني الذي يغيّر الخطط الهندية الخبيثة ضد باكستان. وفي الحقيقة، طورت باكستان رادعًا نوويًا موثوقًا به لدرء التفوق العسكري الهندي التقليدي، كما تعمل باستمرار على تحسين برنامجها النووي. علاوة على ذلك، كشفت هيئة القيادة الوطنية أن باكستان حققت قدرة ردع على نطاق كامل تشمل ثلاثة عناصر: مجموعة كاملة من الأسلحة النووية، مع تغطية كاملة للأراضي البرية الهندية الواسعة والأراضي البعيدة عنها".

يمكن القول إن فرص اندلاع حرب واسعة النطاق بين الهند وباكستان ضئيلة بسبب عقيدتي كلا البلدين

بعبارة أخرى، إن عقيدة الردع على نطاق كامل تُمكّن من استخدام أي وسيلة من أجل تأمين باكستان. كما قدمت باكستان مخزونها من الأسلحة النوويّة التكتيكية قصيرة المدى، التي يتوقّع الجنرال خالد كيدواي من شعبة الخطط الاستراتيجية الباكستانية أنها ستقوّض قدرة الهند على شن حرب محدودة ضد باكستان. فضلا عن ذلك، صُمّمت هذه الصواريخ الباليستية قصيرة المدى لاستهداف المنشآت الهندية الرئيسية دون خوض حرب واسعة النطاق.

باختصار، يمكن القول إن فرص اندلاع حرب واسعة النطاق بين الهند وباكستان ضئيلة بسبب عقيدتي كلا البلدين. فقد صمّمت الهند وطورت عقيدة البداية الباردة لتمكّنها من شنّ هجوم محدود ضد باكستان. وفي الأثناء، يلعب الضغط الدولي والدبلوماسية المكوكية في خضم التوترات الشديدة دورًا إيجابيًا في كبح النزاعات. ومن جهتها، تعتمد باكستان عقيدة الردع النووي الموثوقة التي تقضي على خطر نشوب حرب كاملة، لكنها تترك أمام هذين الجارين فرصة خوض التنافس الساخن-البارد.

المصدر: مودرن بوليسي