أسهم العلماء العرب والمسلمون بإنجازاتهم في الحقول العلمية والاجتماعية في بناء الحضارة الإنسانية اليوم، وإن أنكر أحد هذا الحق لهم، فإن كتب وفصول التاريخ تشهد لهم بأنهم تعدوا حدود الزمن الذي كانوا يعيشون به في أبحاثهم وإنجازاتهم، نستكمل هُنا الحديث عن بعض هذه الشخصيات، بعد مقالتنا السابقة التي تناولنا فيها عددًا من العلماء أيضًا.

أبو الهندسة والإنسان الآلي

يعتبر العالم العربي والمسلم بديع الزمان أبو العز بن إسماعيل بن الرزاز الجزري الملقب بـ"الجزري"، أول من اخترع إنسانًا آليًا، وفعل ذلك حينها حسب طلب الخليفة ليساعده في شؤونه الخاصة عوضًا عن الخدم، حيث كان الرجل الآليّ الذي اخترعه الجزري يسليه ويذكره بمواعيد الصلاة.

وُلد الجزري عام 1136 في منطقة جزيرة "ابن عمر" الواقعة في الأقاليم السورية الشمالية على نهر دجلة، التي تتبع تركيا اليوم، ثم عمل كرئيس المهندسين في منطقة آمد "ديار بكر"، وبسبب براعته في الاختراع العلمي، يعده العلماء واحدًا من أعظم المهندسين والميكانيكيين في تاريخ العالم.

اخترع الجزري أول روبوت في العالم في أثناء خدمته بالبلاط الملكي بديار بكر، وقدمه للسلطان الأرتوقي الذي حكم المنطقة، وذلك بعدما صنع أول نسخة بدائية من الألعاب التي صنعت بصورة إنسان

كان المهندس الجزري من أوائل الذين فكروا ونجحوا في صنع آلات ذاتية الحركة، تعمل من دون قوة دفع بشرية، واحتوى كتابه "الجامع بين العلم والعمل النافع في صناعة الحيل" على مخططات لـ100 آلة ميكانيكية وتوضيحات لكيفية صنع كل واحدة منها، وما زال يلقى اهتمامًا بالغًا من مؤرخي التقنيات والفن وترجم للغات عديدة.

اخترع الجزري أول روبوت في العالم في أثناء خدمته بالبلاط الملكي بديار بكر، وقدمه للسلطان الأرتوقي الذي حكم المنطقة، وذلك بعدما صنع أول نسخة بدائية من الألعاب التي صنعت بصورة إنسان، وتعمل بوظيفة مبرمجة مسبقًا، فقد صنع فرقة موسيقية تطفو على سطح الماء مؤلفة من شخصيات عدة، كل واحدة منها تصدر صوت آلة موسيقية معينة.

تحدث الكاتب والمؤرخ مارك إي رتشمان عن هذا الاختراع في كتابه "تاريح تطور الإنسان الآلي فرقة الجزري الموسيقية" بقوله: "على عكس الإغريق، فإن الأمثلة العربية للإنسان الآلي لا تعكس تطورًا مفصليًا في التصميم فحسب، بل تعكس توجهًا لاستخدام الموارد المتاحة لراحة الإنسان".

قدم المهندس المتفوق على جميع من عاصره اختراعات وتقنيات نستخدمها اليوم، ونجهل أنه صاحبها، فهو من صنع أدقّ ساعة شمعية في التاريخ "ساعة الفيل"، قدمت فكرة ما يعرف اليوم بـ"ستوب ووتش" لقياس الزمن الذي تستغرقه عملية ما.

تعمل الساعة بالماء على شكل فيل، توضع على ظهره شخصيات وأشكال مختلفة تصدر أصواتًا عند كل نصف ساعة، تعتمد آلية التوقيت في هذه الساعة على دلو مملوء بالماء مخبأ داخل الفيل، وضمن الدلو يوجد وعاء عميق عائم في الماء مع وجود ثقب صغير في الوسط، يستغرق الوعاء نصف ساعة لتتم تعبئته بالماء.

اخترع الجزري عمود الكامات الذي يدور بضغط مكابس المحرك فتتولد قوة دافعة للأمام كما يحدث في محرك السيارة، واستخدم هذه التقنية في بناء مضخات مياه دافعة وساحبة

عندما يغرق هذا الوعاء يسحب سلسلة متصلة فيه مما يؤدي لتحرير كرة تسقط في فم الثعبان فيتأرجح هذا الثعبان نحو الأمام وفي نفس الوقت يقوم نظام السلاسل بسحب اليد اليمنى أو اليسرى لسائق الفيل ليقرع بها الطبل معلنًا مرور نصف ساعة، بعد ذلك يعود الثعبان إلى وضعيته السابقة ويتم رفع الوعاء الغارق من الماء لتتكرر العملية مرة أخرى.

يقول المهندس والمؤرخ البريطاني دونالد هيل المختص في تاريخ الميكانيكا والهندسة الإسلامية عن هذه الساعة إنها احتوت على تقنية الحركة الذاتية، وذلك عن طريق شمعة وضعت على صحن خفيف تحته أسطوانات، وكلما احترقت الشمعة وخف وزنها دفعت الأسطوانات الصحن إلى الأعلى بشكل مستمر.

اخترع الجزري عمود الكامات الذي يدور بضغط مكابس المحرك فتتولد قوة دافعة للأمام كما يحدث في محرك السيارة، واستخدم هذه التقنية في بناء مضخات مياه دافعة وساحبة، تمتعت بتقنية الحركة الذاتية من دون قوة دفع بشرية أو حيوانية، واستخدمها أيضًا في صناعة تحف ميكانيكية الحركة على شكل طاووس حيث استخدمت في قصور الأرتقوي.

عمل الجزري على تصميم مضخة الزنجير والدلاء، وهو نوع من آلات السقوط وهذه الآلات تعطي مردودًا حركيًا بفضل سقوط الماء على المغارف وتحتاج عادة مثل هذه الآلات إلى رفع منسوب الماء عن طريق سدود أو مصادر مائية أخرى

كما طور المهندس الآلات الزراعية في زمنه، فهو أول من استخدم تقنية السلسلة المعدنية لتدوير عمود الكامات، وهي التقنية نفسها التي تستخدم في محركات السيارات، إضافة لتصميماته لنواعير رفع الماء عن طريق الاستفادة من الطاقة المتوافرة في التيار الجاري في الأنهر.

عمل الجزري على تصميم مضخة الزنجير والدلاء، وهو نوع من آلات السقوط وهذه الآلات تعطي مردودًا حركيًا بفضل سقوط الماء على المغارف وتحتاج عادة مثل هذه الآلات إلى رفع منسوب الماء عن طريق سدود أو مصادر مائية أخرى.

أنشأ الجزري أول نظام لتوزيع المياه باستخدام الاَلات الهيدروليكية، وساهم باستخدامها في وصول المياه إلى المستشفيات والمساجد، وبجانب ذلك اخترع آلة تصريف المياه في الحمامات، وحوضًا لغسل اليدين، وقد استخدم الجزري الماء المتدفق كوسيلة لتشغيل آلاته واختراعاته.

كتب دونالد هيل في كتابه "دراسات في التقنيات الإسلامية في القرون الوسطى: "من المستحيل أن نتجاهل أهمية عمل الجزري في تاريخ الهندسة، وحتى عصرنا الحاليّ، لا توجد أي وثيقة أخرى من أي منطقة قابلة للمقارنة مع هذه الكمية الهائلة من التعليمات والشروحات عن تصميم وتجميع الآلات".

آينشتاين العرب

العالم المصري علي مصطفى مشرفة (1898-1950) من مواليد دمياط في مصر، نشر 25 ورقة أصلية في المجلات العلمية بشأن نظرية الكم ونظرية النسبية والعلاقة بين الإشعاع والمادة، كما صدر له نحو 12 كتابًا علميًا عن النسبية والرياضيات.

ترجمت كتبه عن نظرية النسبية إلى لغات عدة مثل الإنجليزية والفرنسية والألمانية والبولندية، كما ترجم 10 كتب في علم الفلك والرياضيات إلى اللغة العربية، وكانت نظرياته الجديدة سببًا في نبوغه وشهرته عالميًا، كما أضاف نظريات جديدة في تفسير الإشعاع الصادر من الشمس.

وتعتبر نظرية مشرفة في الإشعاع والسرعة من أهم نظرياته وسببًا في شهرته وعالميته، حيث أثبت أن المادة إشعاع في أصلها، ويمكن اعتبارهما صورتين لشيء واحد تتحول إحداها للأخرى، وهذه النظرية مهدت العالم ليحول المواد الذرية إلى إشعاعات.

بدأت أبحاث مشرفة تأخذ مكانها في الدوريات العلمية وكان لم يتجاوز 25 عامًا، حيث تم نشر أول بحثين له عام 1922، وهما البحثان اللذان نال عليهما درجة دكتوراه فلسفة العلوم، وفي عام 1923 قدم مشرفة سبعة أبحاث عن تطبيق فروض وقواعد ميكانيكا الكم على تأثير "زيمان" وتأثير "شتارك"، وبسبب هذه الأبحاث حصل على درجة دكتوراه العلوم.

درس مشرفة معادلات ماكسويل والنسبية في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي وكان لديه مراسلات مع ألبرت آينشتاين شخصيًا، كما كان مهتمًا بالعلاقة بين الموسيقى والرياضيات وساعد على تأسيس المجتمع المصري لمشجعي الموسيقى عام 1945.

ألف مشرفة العديد من الكتب المهمة، أهمها: "الهندسة الوصفية" و"الميكانيكا العلمية والنظرية" و"مطالعات علمية" و"حساب المثلثات المستوية" و"النظرية النسبية الخاصة" و"الذرة والقنابل الذرية".

توفي مشرفة في ظروف غامضة عام 1950، ولم تكشف حقيقة وفاته لليوم، وبعد وفاته قال ألبرت آينشتاين: "لا يمكنني التصديق أن مشرفة قد مات، إنه على قيد الحياة من خلال أبحاثه، ونحن في حاجة إلى مواهبه، بل هو خسارة كبيرة. كان عبقريًا، وكنت متابعًا لأبحاثه في مجال الطاقة الذرية، وبالتأكيد فهو واحد من أفضل العلماء في الفيزياء".

أول عالمة ذرة مصرية

تعتبر الدكتورة سميرة موسى علي أول عالمة ذرة مصرية وأطلق عليها لقب "مس كوري الشرق"، نسبة إلى عالمة الفيزياء والكيمياء ماري كوري، وهي أول امرأة حصلت على جائزة نوبل، كما أنّها الوحيدة التي حصلت على جائزتي نوبل في مجالين مختلفين، في الفيزياء والكيمياء.

وُلدت موسى عام 1917 بقرية سنبو بمحافظة الغربية في مصر، وفي عام 1935 حصدت المركز الأول في التوجيهية، والتحقت بكلية العلوم جامعة القاهرة، لتلتقي الدكتور علي مصطفى مشرفة، أول عميد مصري لكلية العلوم، الذي كانت تعتبره عرابها.

ومن الجدير ذكره أنه موسى ألفت كتابًا للجبر بعد إعادة صياغتها لكتاب الحكومة وهى في المرحلة الأولى من الثانوية العامة عام 1933، وطبعه والدها على نفقته الخاصة وتم توزيعه بالمجان، وحمل هذا الكتاب عنوان "الجبر الحديث" .

حصلت سميرة على بكالوريوس العلوم من جامعة القاهرة وساعدها الدكتور مشرفة في تنفيذ قرار تعيينها بالجامعة، وتصدى مشرفة لرفض أعضاء هيئة التدريس الأجانب تعيينها، وذلك لأنها كانت أول سيدة تلتحق بهيئة التدريس في كلية العلوم ونالت شهادة الماجستير هناك، تحت عنوان "التوصيل الحراري للغازات".

ثم سافرت في بعثة إلى بريطانيا درست فيها الإشعاع النووي، وحصلت على الدكتوراه في الأشعة السينية وتأثيرها على المواد المختلفة، تلتها أبحاث متصلة وصلت من خلالها إلى معادلة مهمة، تمكن من تفتيت المعادن الرخيصة مثل النحاس ومن ثم صناعة القنبلة الذرية من مواد قد تكون في متناول الجميع، ولكن لم تلق قبولًا في العالم الغربي ذلك الوقت.

لم تدون الكتب العلمية العربية الأبحاث التي توصلت إليها موسى، رغم اهتمامها بالوضع السياسي والعلمي العربي، حيث كانت العالمة مهتمة بالأحداث السياسية في ذلك الوقت، وكانت لها وجهة نظر خاصة بخصوص امتلاك السلاح النووي.

كانت موسى تطمح بأن يكون لدى مصر قنبلة نووية، لتمنح بلادها الموقف القوي عند الحديث عن السلام في المنطقة، كما أنها أسست هيئة الطاقة الذرية عام 1948، ولكن لم تتكل أحلامها بالعمل على أرض الواقع، بعد أن توفيت في حادث غامض عام 1952 في ضواحي كاليفورنيا بالولايات المتحدة، ويعتقد الكثيرون أن هذا الحادث كان مدبرًا.