الحياة ليلاً في بعض شوارع المدن اللبنانية غالبًا ما تكون صاخبة، فهي تصبح مقصدًا لكافة الفئات الاجتماعية للقاءات وتبادل الأحاديث، لكن خلال عبور بعض الشوارع الفرعية تنتشر بعض روائح الدخان الآتية بين الحين والآخر الكثير من التساؤلات حول المواد المستخدمة في التدخين.

إنها الحشيشة أو ما يُعرف بالقنَّب الهندي، التي تعتبر مورداً اقتصادياً بالنسبة للبنان، الأمر الذي حوّل الجدل السابق عن اشتغال جانب من الفلاحين بزراعة المحظور إلى نقاش في أروقة البرلمان، وبهذا اتخذ تقنين القنب مسارًا رسميًا، ليتحول من مخدّر ممنوع ومحارَب إلى علاج مرغوب.

حشيش لبنان على طريق حسن السير والسلوك

أمام الأزمات الاقتصادية التي تعصف بلبنان، وبعد أن احتل هذا البلد مرتبة متقدمة في قائمة الدول الأكثر مديونية في العالم، استعانت الحكومة بشركة الاستشارات المالية العالمية "ماكينزي ىند كومباني" الأمريكية، لرسم خطة تنهض بالبلاد من كبوتها الاقتصادي خوفًا من الانهيار، لكن دون النظر إلى تاريخ الشركة المليء بالخداع والوهم والإفلاس، التي كان لها حصتها من التخبط والخداع والفشل.

بناءً على توصية من الشركة الاستشارية الأمريكية تجاوبت بيروت مع هذا الاقتراح، وتم تكلف لجنة اختصاصيين لإعداد صيغة للقانون المتعلق بتشريع زراعة الحشيشة

"ماكينزي" أعدت الخطة خلال 6 أشهر لإنعاش الاقتصاد بتكليف من مجلس الوزراء الذي يسعى إلى تنفيذ رؤية وخطة متطورة تُحدد مستقبل البلاد الاقتصادي للسنوات الخمس المقبلة، وحصلت الشركة على 1.4 مليون دولار من الحكومة اللبنانية مقابل هذه الخدمة، ووضعت مجموعة توصيات تتعلق بوقف الهدر والفساد في المؤسسات والإدارات العامة.

أعطت الشركة الأمريكية الضوء الأخضر لتشريع زراعة القنب لأغراض طبية، نظرًا لما يمكن أن توفره من مداخيل لخزينة الدولة، وبناءً على توصية من الشركة الاستشارية الأمريكية، تجاوبت بيروت مع هذا الاقتراح، وتم تكليف لجنة اختصاصيين لإعداد صيغة للقانون المتعلق بتشريع زراعة القنب، لتصبح على طريق حسن السير والسلوك في لبنان الذي يعاني أوضاعًا متأزمة سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا.

لاجئون سوريون يعملون في حقل من نبات القنب في قرية يمون في سهل البقاع اللبناني

وفي 18 تموز/يوليو الماضي أعلن رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري أن لبنان يستعد لإعادة النظر في نصوص تشريعية تتعلق بزراعة الحشيش، ومع هذا الإعلان سقطت محاذير كثيرة، وبات اليوم بإمكان زارعي هذه النبتة المحظورة الحديث عنها علنًا، كما يتباهى أصحاب الأراضي بمداخيل يحققونها من هذه الزراعة المنتشرة لديهم.

وبعد أيام قليلة، قدَّم النائب في البرلمان اللبناني أنطوان حبشي مقترح قانون لإتاحة زراعة الحشيش للاستخدام الطبي حصرًا، واعتبر ذلك مساهمة في النهوض بالاقتصاد اللبناني الذي تدور عجلته بوتيرة بطيئة منذ سنوات.     

وما إن تم تقديم مشروع القانون الذي لم يُناقش حتى اليوم في البرلمان حتى أعلنت بعض الكتل النيابية تأييدها لإقرار القانون، مع وضع ضوابط قانونية لمكافحة الاتجار بالمخدرات والإدمان عليها وتمنع استغلالها لأغراض غير شرعية. لكن يبرز السؤال حول قدرة الدولة للبنانية بأجهزتها كافة على تنظيم زراعة الحشيشة وإدارتها وحصرها بالأغراض الطبية والإفادة من إنتاجها من دون إلحاق الضرر الصحي بالمواطنين.

في المقابل، لم يكن عبور هذا الأمر حتى الآن سهلاً داخل البرلمان، فهناك من يتوجس من تشريع زراعة الحشيش في لبنان، فقد حذّر المطارنة الموارنة في لبنان من مغبة تشريع زراعتها، ودعوا في بيان أصدره الأساقفة في أغسطس الماضي إلى دراسة متأنية لسلبيات وإيجابيات زراعة الحشيش، وذلك لتجنيب المواطن أضرارها الصحية.

هذا فيما يتخوف المزارعون من أن يؤدي القانون العتيد إلى تراجع مداخيلهم، فالبيع إلى التجار بهدف صنع المخدرات شيء والبيع وفق قواعد محددة وفي مساحات محددة لاستخدام النبتة في صناعة الأدوية شيء آخر.   

مع استمرار جدل التشريع في الأوساط اللبنانية المختلفة يبقى التحدي الأكبر في قدرة الدولة اللبنانية وأجهزتها على تنظيم هذه الزراعة وحصر إنتاجها في الأغراض الطبية

هذا الجدل القائم حول تقنين زراعة الحشيش ليس وليد اللحظة، فقد سبق وأن قدم وبقي في أدراج الدولة، وتزايدت منذ مدة دعوات أطلقها خبراء في الاقتصاد ومسؤولون لتشريع زراعة الحشيش في لبنان وتقنينها تحت إشراف الدولة، وحجة هؤلاء هي ارتفاع عدد الدول التي سمحت بتعاطي هذه المادة أو استخدامها في التطبيب.     

وفي 2014، كان الزعيم الدرزي وليد جنبلاط قد دعا إلى إتاحة زراعة الحشيش، ولا سيما على حسابه عبر تويتر، فكتب "حان الوقت لتشريع زراعة الحشيش وإلغاء مذكرات التوقيف في حق الأشخاص الذين يجري البحث عنهم في هذا الصدد". منذ ذلك الحين كانت ولا تزال الطريق طويلة أمام التشريع.  

ومع استمرار جدل التشريع في الأوساط اللبنانية المختلفة يبقى التحدي الأكبر هو قدرة الدولة اللبنانية وأجهزتها على تنظيم هذه الزراعة وحصر إنتاجها في الأغراض الطبية، كذلك يرى البعض خطر تشريع الحشيش أكبر من منافعه، هؤلاء يشكّكون في القدرة على ضبط هذا الأمر الذي سيغري الكثير لزراعته بغية تحقيق أرباح ضخمة.

"ذهب لبنان الأخضر": هل يكون الحشيش ترياق الاقتصاد اللبناني؟

في البقاع الشمالي شرقيّ لبنان، حيث الوطن الأم لزراعة الحشيش الذي شكَّل المصدر الأول للمزارعين خلال عقود طويلة مضت، وعلى مرأى السياسيين والأمنيين، يفترش الحشيش مساحات واسعة من المناطق الجردية هناك.

لم تنجح محاولات المزارعين في التحول إلى زراعات أخرى تبين أن كلفتها أكثر ومردودها أقل، في حين أن زراعة الحشيش لا تحتاج إلى كثير من الري، وهو ما يسهَّل زراعتها في كثير من الأعوام بسبب الجفاف في بعض المناطق التي تعيش سنوات من الإهمال وتغيب عنها أبسط خدمات الدولة ووعود المسؤولين.

يأمل لبنان عبر إرساء آلية للمراقبة تشمل إنشاء ضريبة على الإنتاج، تسجيل قفزة مالية على غرار تلك الدول التي قننت تشريع الحشيش لأغراض علاجية في عدد من الدول

ويراهن المزارعون على نبتة الحشيش لتحسين أوضاعهم، كيف لا؟ فهذه النبتة تعد الأغلى قيمة في العالم نظرًا لنوعيتها المميزة وفق ما يقول العارفون، حتى أن الكيلوجرام منها يصل إلى 400 دولار، ويرتفع بحسب النوعية من صناعة المخدرات، ويباع على الأرجح بأضعاف ذلك في ما بعد، فهل سيكون الحشيش خشبة خلاص من الأزمات الاقتصادية والمالية التي تعاني منها البلاد

لبنان يثقل كاهله دَيْن قيمته 150% من الناتج المحلي الإجمالي في نهاية 2017، ومن المتوقع بحسب بيان خبراء صندوق النقد الدولي في ختام بعثة مشاورات المادة الرابعة لعام 2018 أن يزيد بسرعة في ظل عجز في الميزانية يتجاوز 10%  في الأجل المنظور، ونسبة دين لبنان إلى ناتجه المحلي الإجمالي من أعلاها في العالم ونموه الاقتصادي ضعيف جدًا بفعل التوترات السياسية المحلية والحرب في سوريا المجاورة.   

لذلك يأمل لبنان عبر إرساء آلية للمراقبة تشمل إنشاء ضريبة على الإنتاج، تسجيل قفزة مالية على غرار تلك الدول التي قننت تشريع الحشيش لأغراض علاجية في عدد من الدول. وعلى سبيل المثال، بلغت مداخيل الحشيش "القانوني" في الولايات المتحدة 6,9 مليار دولار في 2016 متقدمة بنسبة 30% على مداخيل 2015، وقد تبلغ 21,6 مليار دولار بحلول 2021.

وبالنسبة للبنان، أكدت وزارة الاقتصاد اللبنانية أن تشريع هذه الزراعة يمكن أن يدر أكثر من 500 مليون دولار سنويًا في بلد يحتل المرتبة الثالثة بعد أفغانستان والمغرب في زراعة وإنتاج الحشيش عام 2016، ثم تراجع ليحتل المرتبة الخامسة  حيث تنتشر زراعته في مناطق البقاع والجنوب، وفقًا لمكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، في حين أن هذه الزراعة ليست محظورة فحسب، بل يعاقب عليها القانون اللبناني بالسجن والتغريم المالي.

رجل يعمل في صناعة الحشيش

ورغم أن زراعة الحشيش ممنوعة، فهي منتشرة في لبنان وتحت أنظار السلطات المحلية، إذ يكشف تحقيق جديد لقناة "روسيا اليوم" المساحات المزروعة وكميات إنتاج الحشيشة والصادرات السنوية عبر طرق التهريب، إذ تُقدر المساحة المزروعة الواقعة شرق البلاد بـ35 ألف دونم (مسافة 120 كيلو متر من الشمال إلى الجنوب)، وينتج الدونم الواحد ما بين 60 و80 كيلوجرامًا، بإيرادات تصل إلى 10 الآف دولار لكل دونم، أي ما بين 30 و80 مليون دولار أرباح سنوية للمزارعين المحليين، بحسب المديرية العامة للدراسات والمعلومات ومصلحة الأبحاث والدراسات.  

وتصل الصادرات السنوية عبر التهريب إلى 2000 طن خلال الحرب الأهلية، بزيادة نسبة 50% منذ عام 2012، وذلك نحو أكثر من وجهة، إذ يجد المنتج اللبناني بشكل أساسي أسواقًا له في منطقة الشرق الأوسط، وخاصة في دول الجوار: سوريا والعراق وتركيا و"إسرائيل"، بالإضافة إلى دول الخليج وأوروبا وإفريقيا وأمريكا الشمالية.

اقتصاديًا، تشكل الصادرات حوالي 3%-8.1% من قيمة الإنتاج المحلي، بقيمة 175-200 مليون دولار دخل كلي، وفي حال السماح بتصديرها، يُقدر أن تدر دخلاً بقيمة 2 مليار دولار للاقتصاد و400 مليون دولار لميزانية الدولة.

المواجهات في معاقل زراعة الحشيشة.. جولات من الدم والإخفاق 

شكّلت زراعة الحشيشة العصب الأساس لاستمرار القطاع الزراعي في منطقة سهل البقاع الخصبة والفقيرة في الوقت نفسه، ولها تاريخ زراعي طويل في لبنان، فالدراسات تشير إلى بدء زراعتها بمساحات صغيرة في المناطق النائية بسهل البقاع منذ مئة عام، لتحتل المرتبة الأولى في الزراعة، وتشكل صناعة مزدهرة ومصدر دخل مالي أساسي للميليشيات المشاركة في النزاع على اختلاف مذاهبها الطائفية  خلال الحرب الأهلية اللبنانية (1975-1990) في سبعينات وثمانينيات القرن الماضي.

وخلال تلك الحرب كان وادي البقاع ينتج ما يصل الى ألف طن من الحشيش سنويًا، ما جعل لبنان في ذلك الوقت أحد المراكز الرئيسية لتجارة المخدرات في العالم، وكان ذلك يضمن، بالإضافة إلى إنتاج الهيروين والكوكايين، قرابة 4 مليارات دولار من الربح السنوي لبارونات المخدرات المحليين، قبل أن يتوقف لفترة وجيزة في إطار برنامج للامم المتحدة بين عامي 1991 و1993. 

مع استمرار فشل السياسات الحكومية في المناطق النائية يستمر بعض المزارعين في الرهان على نبتة الحشيشة

في السنوات التالية التي كانت فيها القوات السورية متركزة في سهل البقاع، شهدت زراعة الحشيش نقلة نوعية، بحسب ما أوردته "فرانس برس"، ويؤكد ذلك ما جاء في كتاب مؤلف "الأسد: الصراع على الشرق الأوسط"، للكاتب  والصحفي البريطاني باتريك سيل، الذي أكد على اكتساب تلك التجارة طابعًا مؤسساتيًا عبر انخراط الجيش السوري -الذي دخل الأراضي اللبنانية عام 1971- في تلك التجارة، فقد كان الحصول على منصب عسكري في لبنان يمثل فرصة لتكوين ثروة من وراء تجارة الحشيش.

وبعد عقود من انتهاء الحرب حسمت الدولة أمرها، وأصدرت قوانين صارمة لمنع زراعة المخدرات، وقامت بمحاولات عدة لمصادرة بضائع مهربة وإتلاف آلاف الهكتارات خلال مواسم الزراعات الممنوعة، وأطلقت مختلف الحكومات اللبنانية حملات للقضاء عليها على زراعة الحشيش ونبات الخشخاش التي تمثل مصدر قوت عائلات بأكملها، ولم تنفك تطالب بتشريعها.  

ومنذ سنوات تستمر المواجهات بين التجار والمزارعين من جهة، والجيش والقوى الأمنية من جهة أخرى، ويستمر سقفها، إذ يصل أحيانًا إلى استخدام الأسلحة الثقيلة خلال مواجهات دامية مع العديد من العائلات التي تعمل في هذا الحقل والعشائر الشيعية التي تسيطر على الإنتاج.

عملت القوى الأمنية على مدى سنوات على إتلاف المحاصيل أو مصادرة بضائع مهربة

زاد هذا من أعداد المطلوبين للعدالة الذين يصل عددهم إلى نحو 30 ألف شخص، والذين يحلمون بأن يتيح تشريع الحشيشة إسقاط الدعاوى ومذكرات التحقيق بحق آلاف المطلوبين في قضايا تتعلق بإنتاج وتهريب وتجارة المخدرات بينها الحشيشة.

ليس خفيًا أن ظاهرة انتشار السلاح غير الشرعي تسيطر على غالبية مناطق البقاع، وتؤدي بدورها إلى حالات أشبه ما تكون بالانفلات الأمني، وهو ما يفتح الباب على مصراعيه للاستفاده من الغطاء الرسمي الذي قد تحظي به نبتة الحشيشة.

وفي عدة مرات خلال السنوات الماضية، اتهمت الإدارة الامريكية حزب الله اللبناني بالاستفادة ماليًا من زراعة الحشيش في البقاع وهي إحدى أهم مناطق نفوذه، وتشير بعض التقارير إلى احتكاره زراعة الحشيش فيها.

رغم ذلك لم تنجح بيروت أبدًا في القضاء عليها، وفشلت في تحقيق وعودها بزراعات بديلة، أو في ضمان تعويض المزارعين عن الخسارة الناتجة في حال أوقفوا بيع حصادهم لتجار المخدرات المحليين، ومع استمرار فشل السياسات الحكومية في المناطق النائية يستمر بعض المزارعين في الرهان على نبتة الحشيشة، حيث يدفع عدم وجود زراعات بديلة الكثير من أهالي بلدات البقاع التمسك بنبتة الحشيشة وفق معادلة "شاء من شاء وأبى من أبى"، باعتبارها مصدر دخل أفضل من أي زراعات أخرى.