راشد الغنوشي رئيس حزب النهضة التونسي

ما زال هناك متسع من الوقت قبل الموعد الانتخابي ليتضح المشهد السياسي في تونس ولنتحدث عن صورة واضحة للبرلمان التونسي القادم والحكومة التي سيفرزها والسياسات التي سيتبعها الحاكمون بالصندوق في الخماسية القادمة. ذلك أن المشهد متحرك والعناصر المجهولة فيه أكثر من المعلومة بما يجعل الحديث الاستشرافي الذي يحترم القارئ أقرب إلى التخمين منه إلى اليقين الثابت، لكن هناك عناصر بدأت تتضح ويمكن البناء عليها.

عنصران على الأقل يتضحان للمعاين، وهما: ثبات حزب النهضة وتماسكه التنظيمي، واضطراب خصومه. وهما العنصران اللذان سيحددان الكثير فيما يأتي من الأحداث والمواقف والاصطفافات حتى تشكيل وسيلة الحكم القادمة بعد الانتخابات.

جلفر في بلاد الأقزام

ورثنا عن كامل كيلاني - رحمه الله - سلسلة قصص الأطفال عن المغامر جلفر الذي يزور بلادًا كثيرةً ويقع مرة في بلاد العمالقة وأخرى في بلاد الأقزام، فالنهضة بوضعها الحاليّ في المشهد التونسي تذكر بجلفر في بلاد الأقزام، خاصة لجهة المصير الغريب الذي يلقاه العملاق الوحيد في غابة الأقزام التي تأسره وتقيده فلا يفلح في الاستفادة من قوته، فالنجاح التنظيمي للحزب وتماسكه ووضوح بنيانه يؤهله للفوز بحجم برلماني أول، أي أنه سيكون في موقع المكلف بتشكيل حكومة، ولكنه لن يكون بقوة من يشكلها وحده، فالقانون الانتخابي التونسي يقيد الجميع ويلزمه بالتشارك (الذي سمي ذات يوم بالتوافق)، فضلاً عن أن قيادات الحزب تحدثت دومًا عن حكم بالتشارك في هذه المرحلة.

لكن من شركاء الحزب؟ وكيف يمكنه بناء تحالفات دائمة مع مشهد حزبي يتميز بالتشتت وضعف البنيان الحزبي، وتشقه صراعات عميقة تدور في مجملها عن كيفية التعامل مع حزب النهضة رفضًا غالبًا وقبولاً مشروطًا؟

من ناحية أولى نرى منظومة الحكم التقليدية وريثة التجمع وقد فشلت في التماسك وتشتت شملها إلى ثلاث كتل واضحة حتى الآن

بقاء الحزب متماسكًا رغم حملات تشويه كثيرة واشتراكه في حكومة لا يمكن وصفها إلا بالفاشلة وتحمل وزر كثير من الفشل في إدارة المرحلة الماضية (2014-2019)، لم يمنعه من تصدر نوايا التصويت في عمليات سبر الآراء رغم أنها مطعون في وسائلها وخلفياتها، لننظر في المشهد المقابل لقوة حزب النهضة.

المشهد الحزبي في مواجهة النهضة

من ناحية أولى نرى منظومة الحكم التقليدية وريثة التجمع وقد فشلت في التماسك وتشتت شملها إلى ثلاث كتل واضحة حتى الآن لا يمكن لأي منها أن تكون في مقدمة نوايا التصويت وهي حزب الشاهد الجديد (تحيا تونس) وحزب النداء "شق المنستير" الذي يطوف حول ابن الرئيس ويقوده الرئيس من وراء ستار خاصة بعد أن انشق عنه في أول مؤتمر شق الحمامات الذي يرفض ابن الرئيس وبدأ يرسل إشارات غزل لحزب الشاهد بما يوحي بإمكانية تحالف انتخابي موجه ضد ابن الرئيس وضد النهضة وبقية المعارضة (الأحزاب الصغيرة)، أي أن المنظومة تشتتت ولكنها لم تتلاش، ويجمع بينها طموح إلى الحكم بأي وسيلة وأي ثمن.

ومن ناحية ثانية جماعات حزبية صغيرة تظهر تماسكًا ولكنها لا تظهر قوة كافية ولا نوايا تحالف رغم تقاربها في الخطاب، ويأتي في مقدمتها حزب التيار وأحزاب الجبهة اليسارية وحركة الشعب القومية العربية، وهذه الأحزاب مهددة بالعتبة الانتخابية التي تم التوافق عليها تقريبًا، وهي شرط الحصول على 3% من أصوات الناخبين.

كل هذا التشتت يصب في مصلحة حزب النهضة الكيان الوحيد المتماسك تنظيميًا الذي بنى ماكينة انتخابية فعالة بما يعيدنا إلى صورة جلفر في بلاد الأقزام

ومن ناحية ثالثة ظهور جماعات سياسية مستقلة تعلن نفسها بديلاً للأحزاب ومنها على سبيل المثال "الاتحاد الوطني للمستقلين" وهو تجمع مبادرات مستقلة ليس لها أعلام من النخبة القديمة وليست واضحة في تكوينها ولكن أعلى ما في خطابها تأكيد فشل الأحزاب وضرورة تجاوزها ومنها جماعة "قادرون" وهي تجمع شخصيات من النخبة التي شاركت في حكومات سابقة وسقطت في التعديلات وهي نخبة معزولة عن الشارع وتقدم وجه جماعات الخبراء التي تحكم بخبرة مزعومة وتشترك مع المستقلين في الطعن في دور الأحزاب وتريد تجاوزها، ومبادرة "الأمل" التي يبنيها النائب المستقل ياسين العياري ومبادرة "تونس أخرى" التي تبدو قريبة من حزب الحراك (حزب المرزوقي) وإن تبدو حتى الآن قد تخلصت من ثقله السياسي كرئيس سابق يطمح إلى العودة، ولن نحصي الجميع خاصة المنظومة المشبوهة (عيش تونسي) التي ينسب لها كثيرون أنها تنظيم مخابراتي فرنسي لا يخفي ارتباطه.

كل هؤلاء سيتقدمون منفردين إلى الانتخابات وليس لأحد من خارجهم قدرة فعلية على اختبار قوتهم في الشارع، فالحضور في المواقع الافتراضية لا يعني شيئًا عند قاعدة ناخبة ريفية في غالبها ولا تملك وقتًا ولا وسائل للحديث الافتراضي، فكل هذا التشتت يصب في مصلحة حزب النهضة الكيان الوحيد المتماسك تنظيميًا الذي بنى ماكينة انتخابية فعالة بما يعيدنا إلى صورة جلفر في بلاد الأقزام.

سيناريو صباح الانتخابات

لا نستبعد أن يكون اليوم الموالي للانتخابات كما يلي:

حزب النهضة يفوز بمكانة أولى لكن لا ترقى إلى حجم 109 نواب ليشكل حكومة وحدة تتحمل مشاكل البلد وحدها ولديها معارضة من كل ألوان الطيف السياسي، فضلاً عن حزب الإدارة الغامض الذي يستند إلى نقابة معادية لو قدرت أن تحجب المطر عن تونس لفعلت.

ستكون حكومة النهضة بالاسم تحظى بإسناد برلماني مستقر ولكن مشكلة من وزراء من خارجها يستفيدون من خوف النهضة أكثر مما يقترحون حلولاً للبلد

برلمان مشتت من كتل صغيرة لا ترفض التحالف مع النهضة ولكنها تطلب مقابل أكبر من حجمها الحقيقي في الصندوق معتمدة فقط على خوف حزب النهضة من تحمل عبء المرحلة، هنا سيكون النهضة القوي ضعيفًا كما كان جلفر الذي لم تشفع له قوته في بلاد الأقزام.

لقد حصل هذا سابقًا خاصة في 2014، إذ قدم حزب النهضة الاستقرار السياسي على موقعه فتنازل عن المواقع الحكومية لأحزاب لا وزن لها وبعضها ليس له نواب في المجلس مثل حزب المسار (الشيوعي سابقًا) وحزب آفاق وحزب الوطني الحر المرتبط بشخصية فاسدة هربت الآن خارج البلد لاجتناب الملاحقة القانونية.

لم يستنكف هؤلاء عن المشاركة على حساب النهضة رغم يقينهم بأن لا وزن لهم في الشارع، وهو السيناريو الذي سيعود بعد 2019، لقد ضمن ذلك الاستقرار النسبي للحكم (2014-2019) ولكنه كان السبب الرئيسي في الفشل السياسي الراهن الذي منه تسرب يوسف الشاهد ليبني حزبًا ويطمح إلى الموقع الأول.

كيف يمكن تشكيل حكومة مع النهضة بناءً على هذا السيناريو؟

لهذا السيناريو وجه كارثي أن لا يقبل أحد من الشتات الحزبي العمل مع النهضة كحزب أول، لكن الشتات يتحالف ضدها ويضعها في المعارضة

ستكون حكومة النهضة بالاسم تحظى بإسناد برلماني مستقر ولكن مشكلة من وزراء من خارجها يستفيدون من خوف النهضة أكثر مما يقترحون حلولاً للبلد، وفي كل مبادرة نهضوية (على افتراض أن للنهضة مبادرات حكم) سيطلبون ثمنًا باهظًا مقابل الاستقرار، وسيتجلي ذلك أكثر في كل تعيين في المناصب الوسطى للإدارة كالولاة والمعتمدين، وهي مواقع لها ثمن وتعتبر غنيمة مغرية لمن يشكلون الأحزاب الآن.

يشبه الأمر أن يبني أحدهم بيتًا فيحل به مستوطنون لم يضعوا في جدرانه لبنة واحدة، هنا تصبح القوة عبئًا على صاحبها وبل لعنة تحل به، حتى ليسألوا ما الجدوى من ممارسة السياسة في بلاد كل من فيها رئيس بلا قاعدة ولا برنامج حكم.

الكارثة المنظورة في الأفق

لهذا السيناريو وجه كارثي أن لا يقبل أحد من الشتات الحزبي العمل مع النهضة كحزب أول، لكن الشتات يتحالف ضدها ويضعها في المعارضة، ولأنها لن تكون معارضًا طيعًا فسيتم تركيز العمل السياسي ضدها وربما تعود كل سيناريوهات الاستئصال بديلاً عن التقدم في إدارة البلد وإخراجه من أزمته الراهنة.

لقد كان ذلك دومًا شبحًا يخيم على حزب النهضة، أن يجد الحزب نفسه وحده في مواجهة الجميع، فيضطر حينها إلى تقديم التنازل تلو الآخر حتى يزول من المشهد السياسي فينتهي نتيجة قوته وضعف خصومه بينما يغرق البلد في أزماته حتى يصير كل حل بالقوة مطلبًا شعبيًا، هنا تعلن الكارثة عن وجهها ولا ينجو جلفر من بلاد الأقزام كما في حكايات الأطفال بل ينهار البلد بعمالقته وأقزامه على رؤوس من فيه.

مخرج وحيد باقٍ وهو أن تمسك النهضة بكتلتها المتماسكة البرلمان وتحكم به فلا يمر أمر دون موافقتها وإن كانت خارج الحكومة، حينها سيكون التفاوض على كل خطوة معركة مفتوحة في صدر البلد، فيتعطل كل شيء ويعود دعاة تحجيم دور البرلمان إلى خطاب تعديل الدستور ومنح صلاحيات البرلمان لرئيس الدولة وهي حفرة أخرى.

لهذا جعلت الانتخابات؟ نعم هي مسار غربلة وربما تؤشر هذه السيناريوهات الكارثية على نهاية نخبة ومرحلة وبداية خروج من عمق الحفرة التي أوقعت فيها النخبة نفسها وجرت إليها البلد.

في الحكم القديمة أن أحد وجوه الموت هو البعث، كأني أرى جنازة قادمة وأرى بعثًا بعيدًا لكنه قادم على جثث الأقزام، لملك جديد يقتضي عبور نهر بصبر على ماء مرغوب.