عادت الحديدة التي يسيطر الحوثيون على كثير من مفاصلها لتفرض نفسها عنوانًا رئيسيًا لتطورات الأحداث والمشهد السياسي في اليمن، فبعد أشهر من المماطلة في تنفيذ اتفاق مشاورات السلام اليمنية التي شهدتها العاصمة السويدية ستوكهولم، اختار الحوثيون توقيتًا ملغَّزًا لتنفيذ أهم بنود خطة إعادة الانتشار في الحديدة.

تأخر الحوثيون في التنفيذ وأرجأوا وسوفوا ثم فجأة ودون مقدمات أعلنوا بدء عملية تنفيذ إعادة انتشار أحادي الجانب بدءًا من يوم أمس السبت وحتى الثلاثاء 14 من مايو/أيار الحاليّ، بانسحاب قواتهم من 3 موانئ في الحديدة، وهي الصليف ورأس عيسى والحديدة، وكلها تتمتع بأهمية استثنائية سواء في زمن الحرب أم السلام.  

انسحاب حوثي فردي بين الجدَّية والمسرحية

من اللافت أن تبرر الجماعة تنفيذها المرحلة الأولى من الاتفاق هذه المرة بالقول إنه يأتي ردًا على رفض مَنْ سمتهم "دول العدوان" تنفيذ الاتفاق، وتصف الخطوة بأنها دليل على حرصهم على إنجاح مساعي السلام، وأنها تمت أحاديًا بسبب مماطلة التحالف الذي قال مكتب الجماعة إنه يرمي إلى إفشال ذلك الاتفاق.

إعلان الخطوة الحوثية صاحبه أجواء من عدم الثقة المفقودة أصلاً بين الحكومة اليمينة والحوثيين، فقد وصف وزير الإعلام معمر الإرياني بالحكومة اليمنية ما يجري بأنه "مسرحية مكشوفة" تُخرج فيها الجماعة مجموعة من أفرادها وتبدلهم بآخرين يرتدون اللباس الرسمي لشرطة خفر السواحل للالتفاف على وضعية الانتشار وتضليل المجتمع الدولي قبل انعقاد جلسة مرتقبة لمجلس الأمن الدولي.  

على الجانب الآخر، يؤكد المكتب السياسي لجماعة الحوثي أن ما قاموا به في الحديدة مؤشر على جديتهم في تنفيذ اتفاق ستوكهولهم الذي تعطل مرارًا بسبب غياب الثقة بين الأطراف المتحاربة في اليمن، ودعوا الأمم المتحدة للضغط على التحالف السعودي الإماراتي لاتخاذ خطوات مماثلة لما قامت به الجماعة في الحديدة.

الحكومة اليمنية التي سارعت إلى التشكيك بالخطوة الحوثية ما زالت تعتبر أن أي انسحاب من جانب الحوثيين ليس إلا مراوغة لا يمكن القبول بها

رأى محافظ الحديدة الحسن علي طاهر أن هذه الخطوة تناقض ما اُتفق عليه في السويد، وحمَّل الأمم المتحدة ومبعوثها في اليمن مارتن غريفيث المسؤولية، بل اتهمه بأنه يسعى لتحقيق نصر ما بأي وسيلة في محاولة لإضفاء الشرعية على الخطوة الحوثية، ودعا إلى تنفيذ كل البنود كما وُقع عليها وكشف هوية القوات التي ستستلم الموانئ التي سيتم الانسحاب منها أمام الجميع.

في المقابل حظي الانسحاب الحوثي من جانب واحد بمباركة أممية، فالمسؤول الأممي عن إعادة الانتشار إشرافًا وتنسيقًا الجنرال الدنماركي مايكل لوليسغارد وصف الانسحاب بأنه خطوة عملية أولى على أرض الواقع، ودعا إلى أن تليها إجراءات ملتزمة وشفافة من الأطراف الأخرى بهدف الوفاء الكامل بالتزاماتهم.

في حين قالت الأمم المتحدة في بيان لها إنها ستتولى عملية الإشراف، واعتبرت أن هذا الانسحاب سيسمح بإرساء دور أممي قيادي في دعم مؤسسة موانئ البحر الأحمر في إدارة الموانئ اليمنية، ويحسِّن من عمليات الفحص التي تجريه المنظمة الدولية للشحنات.  

أمَّا الحكومة اليمنية التي سارعت إلى التشكيك بالخطوة الحوثية ما زالت تعتبر أن أي انسحاب من جانب الحوثيين ليس إلا مراوغة لا يمكن القبول بها، فهم، أي الحوثيين، أعلنوا من طرف واحد ما يعتزمون فعله وليس ثمة رقابة أممية أو من الجانب الحكومي على ذلك وفق ما تقول، بمعنى أنهم يتصرفون بمعزل عن بنود وآليات اتفاق الحديدة بينما يعلنون بدء تنفيذ ما يترتب عليهم منه، في الوقت نفسه، تبدي الحكومة اليمنية استعدادها لتنفيذ المرحلة الأولى من عملية إعادة الانتشار بحسب ما تم الاتفاق عليه، لكنها تسأل: هل هناك طريقة للمراقبة والتثبت؟  

الجنرال الدنماركي الذي وصل إلى عدن للقاء ممثلي الحكومة في لجنة تنسيق إعادة الانتشار يرد بأن لجنته ستشرف على الموانئ الثلاثة المشمولة بالانسحاب، وفي حال نفَّذت الجماعة انسحابها فإن الطرف الحكومي يصبح ملزمًا بتنفيذ ما يلزمه به الاتفاق، ويعني هذا أن الحوثيين باتوا يتحكمون بالعملية، وتمكنوا من أخذ زمام المبادرة، ما يجعل الكرة في مرمى تحالف الرياض أبو ظبي.   

الموانئ اليمنية المطلة على البحر الأحمر التي تقع تحت سيطرة الحوثيين تشكل أهمية بالغة لإيصال المساعدات للشعب اليمني، وتأتي أهمية ميناء الحديدة من كونه شريان الحياة الرئيسي لثلثي سكان اليمن، إذ تستقبل عبره البلاد غالبية المساعدات الإنسانية، وكان لإغلاقه أثر كارثي على الشعب اليمني الذي وصل إلى مشارف مجاعة أُضيف إليها الخوف الجاثم على مدار اليوم والليلة بسبب التحليق المكثف للطيران الحربي والقصف الذي لا يتوقف.  

ماذا يريد الحوثيون من الانسحاب من موانئ الحديدة؟

اتفقا طرفا النزاع في اليمن في نهاية مفاوضات السويد أوائل ديسمبر/كانون الأول الماضي برعاية الأمم المتحدة على بندين أساسيين بشأن خطة إعادة انتشار القوات المتحاربة من مدينة الحديدة، بحيث تقضي المرحلة الأولى بانسحاب الحوثيين من موانئ الحديدة والصليف ورأس عيسى 5 كيلومترات مقابل انسحاب القوات الحكومية كيلومتر واحد من مطاحن البحر الأحمر باتجاه شرق المدينة، على أن يُراقب ذلك بدقة، بينما ينسحب الطرفان في المرحلة الثانية إلى مسافة أبعد بإشراف الأمم المتحدة.  

لا يُعرف بعد دوافع الحوثيين الحقيقية من وراء انسحابهم هذا، غير أنهم قد يستفيدون من ثغرات في اتفاق ستوكهولم، وبخاصة فيما يتعلق بخطوط الانسحاب وتموضع القوات

كما نصت الخطة على تسليم خرائط بالألغام المزروعة إلى رئيس لجنة إعادة الانتشار، وحددت الخطة كذلك 7 أيام كحد أقصى لإنجاز هذه المرحلة من الاتفاق، بينما ظلت مسألة عودة السلطات المحلية والأمنية لإدارة موانئ الحديدة العقبة الرئيسية أمام تنفيذ الاتفاق، وهو أمر لم يُحسم لا سيما بعد تعطل الاتفاق منذ يناير المنصرم وسط غياب الثقة بين طرفي الحرب في صراع أودى بحياة عشرات الآلاف.

ولا يُعرف بعد دوافع الحوثيين الحقيقية من وراء انسحابهم هذا، غير أنهم قد يستفيدون من ثغرات في اتفاق ستوكهولم، خاصة فيما يتعلق بخطوط الانسحاب وتموضع القوات، حيث ينص الاتفاق على انسحابات متوالية وليس بالضرورة متزامنة للحوثيين ولقوات الشرعية من بعض مناطق الحديدة، فبعد انسحاب الحوثيين من هذه الموانئ يُفترض أن تنسحب قوات الشرعية من مناطق على مشارف مدينة الحديدة، ويشكل الانسحابان مرحلة أولى تليها أخرى ينسحب فيها الطرفان إلى مسافات أبعد بإشراف الأمم المتحدة.   

وتعتقد الحكومة اليمنية أن القرار المفاجئ للحوثيين يهدف إلى تخفيف الضغوط قبل جلسة متوقعة لمجلس الأمن يراها البعض منعطفًا حاسمًا في مسار الأزمة اليمنية، حيث تتجه الأنظار منتصف الشهر الحاليّ إلى بعثة الأمم المتحدة، وهي قريبة - على ما يبدو - من انسحاب السبت الذي تتحدث عنه جماعة الحوثي وكيفية تحقيق المعادلة كما اُتفق عليها في السويد بغرض السير إلى الأمام برضا الجميع. 

فيما يربط مراقبون الخطوة الحوثية بالتحولات السياسية التي تشهدها المنطقة وفي مقدمتها التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران التي قد تكون أمرت الحوثيين باعتبارهم إحدى الأذرع العسكرية في المنطقة التي تنفذ السياسات الإيرانية بالتهدئة وقطع الطريق أمام ضربات أمريكية قد تكون مفاجئة وتطال الجميع.  

في رأي البعض، فإن الخطوة الحوثية قد لا يكون مرحبًا بها بالنسبة للرياض وأبو ظبي في هذا الوقت بالذات

وليست هذه المرة الأولى التي يجري فيها حديث عن تطبيق الاتفاق بالحديدة، فقد سبق للحوثيين إعلان انسحابهم بشكل أحادي من ميناء الحديدة وتسليم الميناء لعناصر أمنية تابعة لهم، وهو ما رفضه حينها كبير المراقبين الأمميين في الحديدة الجنرال باتريك كاميرت، واعتبره التفافًا على اتفاقات السويد، وكان ذلك سببًا في إجباره على الاستقالة من مهامه بضغط من غريفيث.

كما سبق أن أرجأ الحوثيون تنفيذ انسحابهم من الموانئ الثلاث أكثر من مرة، وفي نهاية فبراير/شباط الماضي لم يكتفوا بذلك بل هددوا باستهداف مواقع في الرياض وأبو ظبي بالصواريخ البالستية، متهمين تحالف الرياض أبو ظبي بـ"الخداع والتضليل".   

هل تساهم الرياض وأبو ظبي في إرساء عملية السلام بالحديدة؟  

التحالف الذي تقوده السعودية في اليمن ليس في حال أفضل، فملف تزويده بالأسلحة أصبح كابوسًا لبعض الحكومات الغربية التي اتسعت دائرة حراكها لمنع تصدير السلاح لدول التحالف حتى لا تكون أوروبا شريكة بقتل المدنيين باليمن، وثمة متغير في الجانب الإيراني على الجانب الآخر من الخليج يحوذ الأهمية.   

والحال هذه، فإن التحالف لا يستطيع الادعاء بسيطرته على نصف الحديدة أو الحديث عن إجبار الحوثيين على التراجع، خاصة أن الجماعة فعلت ما فعلته بشكل مفاجئ ومن طرف واحد ولأسباب لا تعلنها.

رغم الجدل الدائر بشأن ملف الحديدة فإن اليمنيين ينتظرون انفراجة في هذا الملف تسمح بالانتقال إلى خطوة تالية على طريق حلحلة الأوضاع في البلاد

وفي رأي البعض، فإن الخطوة الحوثية قد لا يكون مرحبًا بها بالنسبة للرياض وأبو ظبي في هذا الوقت بالذات، فالعاصمتان اللتان تقولان إنهما تشتبكان مع إيران في اليمن إستراتيجيًا من مصلحتهما أن يظهر الحوثيون في مظهر من يصعِّد ويرفض، أي في مظهر من يعتدي لا من يلتزم بالاتفاقات.

حينها يمكن للعاصمتين أن تقولا لواشنطن إن ما تُسمى بـ"أدوات طهران في المنطقة" بدأت بالرد على استهداف إيران التي تتوجه الطائرات والبوارج الأمريكية للضغط عليها إن لم يكن لاستهدافها مباشرة، لكن الحوثيين ربما أوصلوا رسالة أخرى عطَّلت وأفشلت ما كان يُراد منهم إذا رفضوا وتعنتوا.

ولعل ما يشير إلى الامتعاض السعودي من الخطوة الحوثية هو تواصل الهجمات السعودية على مواقع يمنية، فبالتزامن مع إعلان قرار الحوثيين، استهدفت غارة شنتها القوات المدعومة من التحالف السعودي الإماراتي منزلاً في مديرية قعطبة بمحافظة الضالع جنوب اليمن، وأودت بحياة 3 مدنيين بينهم امرأة وأُصيب 12 آخرين.  

ووسط كل هذه المواقف المتباينة وردود الفعل المتشابكة بين الأطراف، يرى مراقبون أن على الأطراف كافة تقديم تنازلات والتقاط أي مبادرات سلام تكفل تحريك ملف الحديدة والمضي تجاه جولات تفاوض جديدة لمعالجة كل الملفات التي من شأنها أن يكون لها تأثير كبير على المناطق كافة.   

ورغم الجدل الدائر بشأن ملف الحديدة، فإن اليمنيين ينتظرون انفراجة في هذا الملف تسمح بالانتقال إلى خطوة تالية على طريق حلحلة الأوضاع في البلاد، وفي انتظار ما ستكشف عنه الأيام القادمة يبقى المواطن اليمني الخاسر الأكبر، وتتنوع فصول محنته تباعًا فيما بات يُعرف بـ"أكبر مأساة إنسانية في العصر الحديث".