الأقلية المسلمة في كمبوديا بعد سنوات من القتل والقمع

منذ أيام قليلة، تداولت وسائل الإعلام فيديوهات وصور لرئيس الوزراء الكمبودي، هون سين، وهو يشارك الأقلية المسلمة في حفل إفطار جامعي، بالرغم من أن هذه ليست المرة الأولى التي ينضم إليها سين إلى فعاليات المجتمع الإسلامي، إلا أن ما تعرض له المسلمون في كمبوديا من اضطهاد على يد نظام "الخمير الحمر" الشيوعي خلال الحرب الأهلية الكمبودية في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، جعلت أنظار العالم دومًا تتجه نحو هذه العرقية التي عاشت ويلات العنصرية والتطرف.

ولكن اليوم تبدلت أحوال هذه الأقلية، وباتت تتمتع بحرية اجتماعية ودينية وانفتاح سياسي وحقوقي لم تعهده من قبل، ولكي نتعرف أكثر على حياتهم، نتناول في هذا التقرير تاريخ وصولهم إلى كمبوديا وأعدادهم ووضعهم الحالي في البلد التي قتلت وقمعت الآلاف منهم، ولكنها تحتويهم الآن بكل سلام.

متى وصل الإسلام إلى كمبوديا؟

يُعرف المسلمون في كمبوديا باسم "تشام" نسبة إلى عرقية تشامبا في جنوب شرق آسيا وتحديدًا بين ولاية كامبونع تشام في كمبوديا وفي مناطق أخرى في فيتنام، حيث تتمركز الأغلبية المسلمة في تلك الدولتين، وهم أساسًا بقايا مملكة تشامبا التي تواجدت بين القرن السابع والخامس عشر واتبعت نوع من أنواع الديانة الهندوسية إلى أن وصل إليها الإسلام عبر قوافل العرب التجارية التي توقفت على سواحلها وهي في طريقها إلى الصين.

تتضارب المصادر التاريخية بشأن أول تاريخ للتواجد الإسلامي، فبعضها يشير إلى المقابر الإسلامية التي يعود تاريخها للقرن الحادي عشر وأخرى تؤكد أن الإسلام وصل في القرن التاسع عشر مع وجود 100 مسجد، وبين هذا وذاك، من الصعب أن يتجاهل أحد التاريخ العريق والجذور العميقة لهذه الجماعة التي عانت طويلًا من القمع والتطهير بسبب تمسكها بمبادئها ومعتقداتها الدينية التي ورثتها منذ قرون مضت.

خلال الحقبة الملكية، لعب المسلمون دورًا ضئيلًا في الحياة السياسية وحتى عام 1970 استطاع البعض تقلد مراكز مرموقة في الدولة في عام 1970 في ظل النظام الجمهوري

عاشت هذه الجماعة في قرى خاصة بها، فلقد كانوا مختلفين عن المجتمع الكمبودي من ناحية اللغة والدين والعادات. كانت تسمى هذه القرى بـ"قرى الشام" ولكل قرية مسجد وحاكم يشرف على شؤونها وقضاياها، إذ يكون مسؤول عادةً عن تعيين إمام الجامع والخطيب، وذلك تحت إدارة المجلس الأعلى للشؤون الدينية الإسلامية في كمبوديا والذي يتكون من إمام ونواب ومستشارين. بالإضافة إلى ذلك، تتابع "الجمعية الإسلامية المركزية" أنشطة المسلمين الاجتماعية والثقافية، وبالنسبة لمشاكلهم التعليمية والاجتماعية والدينية للطلاب، فتعتني "جمعية الشباب الإسلامي" بهذا الجانب.

خلال الحقبة الملكية، لعب المسلمون دورًا ضئيلًا في الحياة السياسية وحتى عام 1970 استطاع البعض تقلد مراكز مرموقة في الدولة في عام 1970 في ظل النظام الجمهوري، إذ كان هناك عضو مسلم واحد في مجلس الشيوخ و4 أعضاء مسلمين في مجلس النواب ومسلم آخر كنائب لوزير شؤون الدولة، و5 آخرين في وزارة الخارجية واختفى أثرهم تقريبًا مع بداية نظام الخمير الحمر بزعامة بول بوت لكمبوديا من عام 1975 إلى 1979.

سنوات من الدماء والنيران

يتألف الشعب الكمبودي من أغلبية من العرقية الخمرية وأقليات أخرى لا تشكل سوى 10% منه، تعرضت جميعها لأكثر المجازر فظاعة ووحشية في العالم المعاصر، إذ كان يؤمن الخمير الحمر بأنهم العرق الأكثر نقاوة ولا يمكنهم الثقة بغيرهم من العرقيات ولذلك يجب إعدامهم وتعذيبهم بالأعمال الشاقة وذلك ما بدأ إجراؤه عقب حرب أهلية استمرت تقريبًا 5 سنوات، أطاحت قوات الخمير الحمر المتطرفة نظامك الجنرال لون نول وسيطرت على العاصمة بنوم بنه، ومنذ ذاك الحين، غرقت البلاد في أكثر أيامها سوادًا ودمويةً عندما أعلن الحكام الجديد بدء "التجربة الثورية" بهدف بناء مجتمع شيوعي نقي.

بدأت الدولة بتنفيذ هذه التجربة ضمن معايير وإجراءات صارمة وبعيدة عن أبسط الحقوق الإنسانية، فلقد طردت جميع سكان المدن -بالإضافة إلى 2 مليون شخص من سكان العاصمة- إلى الأرياف وأجبرتهم على العمل في الحقول والمزارع لمدة تمتد من 12 إلى 14 ساعة يوميًا وبنظام غذائي قاس للغاية. وحتى تمنعهم من العودة، حرقت منازلهم وتركتهم بلا ملجأ.

تشير التقديرات إلى وفاة نحو 3 مليون شخص ما بين عامي 1975 و1979، أي ما يقارب 25% من سكان كمبوديا البالغ تعدادهم آنذاك 8 ملايين نسمة

إلى جانب ذلك، حظرت ممارسة الشعائر الدينية، فدمرت المعايد البوذية والكنائيس وجميع المساجد البالغ عددها نحو 180، كما أنها منعت التعليم وتداول اللغات الأجنبية، وبالتالي حولت المراكز والمدارس التعليمية إلى مراكز للاعتقال والسجن.

المجتمع الإسلامي كان أكثر الأطياف الدينية تضررًا من حالة الاستئصال التي مورست على الشعب الكمبودي، فلقد فقدت الأقلية المسلمة أكثر من ثلثي أبنائها على أيدي الخمير الحمر

ونتيجة لهذه السياسات والظروف القهرية، قتل الكثيرين بسبب انعدام الرعاية الصحية والغذائية وقوانين العمل المنهكة، إذ تشير التقديرات إلى وفاة نحو 3 مليون شخص ما بين عامي 1975 و1979، أي ما يقارب 25% من سكان كمبوديا البالغ تعدادهم آنذاك 8 ملايين نسمة. لم تنته الكارثة عند هذا الحد، فلقد سبب بول بوت بإعاقة أكثر من 142 ألف مقعد و200 ألف يتيم، مخلفًا أكثر من 600 ألف بناية مدمرة، بما في ذلك 6 آلاف مدرسة وألف مستشفى ومركز صحي وألف و968 معبد تم تحويله إلى حظائر للخنازير ومستودعات ومعتقلات.

لكن المجتمع الإسلامي كان أكثر الأطياف الدينية تضررًا من حالة الاستئصال والإقصاء التي مورست على الشعب الكمبودي، إذ تفيد بعض الإحصائيات بأن الأقلية المسلمة فقدت أكثر من ثلثي أبنائها على أيدي الخمير الحمر، والآن يبلغ عددهم نحو نصف مليون تقريبًا بنسبة 4% من إجمالي السكان.

مع انتهاء فترة حكم نظام الخمير الحمر، لم تعد الأقلية المسلمة عرضة جرائم الكراهية والتطرف، ويتضح ذلك بشكل كبير من خلال جميع الحقوق التي استطاعوا الحصول عليها مثل التعليم الحكومي المجاني والانتخاب وممارسة الشعائر الدينية بحرية وبناء المساجد والمطاعم الحلال، ما جعل كمبوديا الحديثة نموذجًا للتسامح بين الأعراق والأديان.