على مدى 15 سنة تقريبًا، ركز الكونغرس الأمريكي دومًا على مسألة التلاعب بالعملة وهو الاتهام الذي يوجهه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، باستمرار إلى الصين والاتحاد الأوروبي، وحديثًا أفادت وكالة بلومبيرج بإن إدارة ترامب ستزيد عدد الدول التي تراقبها فيما يتعلق بالتلاعب بالعملة، ومن المرجح أن يرتفع عدد الدول من 12 إلى 20 دولة، لتنضم فيتنام أو روسيا أو تايلاند أو إندونيسيا أو إيرلندا أو ماليزيا إلى القائمة، وهي دول لديها فوائض تجارية كبيرة مع أمريكا.

لم تكن أمريكا وحدها في هذا المربع، ففي السنوات الأخيرة طالت هذه الأزمة حكومات أخرى مثل تركيا وقطر وباكستان التي اتهمت بدورها كبار المضاربين الدوليين بالوقوف خلف تذبذب أسعار صرف عملاتهم المحلية، في محاولة لزعزعة حالة استقرار السوق وبث القلق في نفوس المستثمرين، وبالتالي إضعاف اقتصادها، ومن أجل فهم التطورات الأخيرة، نحاول في هذا المقال الحديث عن طبيعة هذا الإجراء والأسباب التي تدفع الدول النامية والمتقدمة على حد سواء للجوء إلى استعماله، بالإضافة إلى تأثيره.

متى أصبح التلاعب بالعملة أمرًا ممكنًا؟

عقب الحرب العالمية الثانية وتحديدًا عام 1944، تم عقد اتفاقية "بريتون وودز" وكان حجز الزاوية في هذا النظام ثبات أسعار صرف العملات وتحديد الدولار بسعر 35 دولارًا مقابل أونس من الذهب، ولكن بعد مرور عدة سنوات، خفضت الحكومة الأمريكية سعر صرف الدولار، بسبب ارتفاع قيمته، الأمر الذي خدم المُصنع الأجنبي ولكنه أذى المصنعين الأمريكيين، فكلما ارتفعت قيمة العملة المحلية، أصبح الاستيراد من دولة ذات عملة ضعيفة نسبيًا أقل ثمنًا وأكثر منطقية من تصنيعها وتصديرها في البلد.

شهدت العملات الدولية الكثير من المضاربات والقليل من التوازنات التجارية، فعلى سبيل المثال تعاني الولايات المتحدة من العجز التجاري، في المقابل تتمتع الصين وألمانيا واليابان لعقود طويلة بالفائض التجاري

ومع تفكك نظام "بريتون وودز" عام 1971 وتراجع أمريكا عن التزامها بتحويل الدولار المتداول حول العالم إلى الذهب وفقًا لسعر الذي حددته في البداية، تدهورت قيمة الدولار ولم يعد ثبات سعر صرف العملات الأخرى مقابل الدولار أمرًا سهلًا، ونتيجة لذلك، ظهر نظام التعويم الذي جعل سعر صرف العملات محررًا تمامًا من التدخلات الحكومية والمصارف المركزية، وإنما مرتبط بشكل مباشر بحركة الطلب والعرض.

وفي ظل القوانين الجديدة، شهدت العملات الدولية الكثير من المضاربات والقليل من التوازنات التجارية، فعلى سبيل المثال تعاني الولايات المتحدة والعديد من الدول الأوروبية والنامية من العجز التجاري، في المقابل تمتعت الصين وألمانيا واليابان لعقود طويلة بالفائض التجاري، ما يعني أن هذه السياسة لم ينتج عنها سوى التقلبات المستمرة لأسعار الصرف التي تخضع بشكل مباشر لمزاج وتحركات المضاربين العالميين الذين قد يكونون أفرادًا أو شركات أو حكومات.

هل يكون التلاعب بالعملة أمرًا تخريبيًا دائمًا؟

ليس من الضرورة أن تحدث المضاربة بنية سيئة، فقد يكون هدفها تجاري ربحي بحت وخالي من الدوافع الانتقامية والأبعاد السياسية الهجومية، إذ تعتبر المضاربة من أسرع وأربح أنواع التجارة في العالم بسبب التقلبات السريعة والحادة لأسعار الصرف في العالم، رغم أنها تتعرض لانتقادات أخلاقية بسبب بعض ممارساتها التي تكون مبنية على الجشع والمقامرة ليست أخلاقية، لا يمكن إلقاء اللوم دومًا على المضاربين في كل مرة تتعثر الدول فيها بواحدة من مشاكل اقتصادها الهيكلية، مثالًا على ذلك، باكستان التي تتهم على الدوام المضاربين الذين يخفون الدولارات الأمريكية بغرض خفض قيمة الروبية، ولكنها في الأساس تعاني من مشاكل في نظامها الاقتصادي مثل انخفاض إيراداتها من العملات الأجنبية وعجزها عن سداد ديونها الخارجية.

بصورة عامة، تلجأ الدول والمؤسسات لهذا الإجراء إما دعمًا لعملتها المحلية ورفع قيمتها في سوق الصرف، أو بهدف الإضرار باقتصادات الدول الأخرى وزعزعة استقرارها، أو لخفض قيمة عملتها المحلية وبالتالي زيادة صادراتها وتنشيط قطاع السياحة والاستثمارات لديها، ونستعرض هذه الأسباب مع الأمثلة كالتالي:

قدمت الدوحة دعاوى قضائية ضد 3 بنوك منها، بتهمة إجراء معاملات وهمية بهدف خفض سعر صرف عملتها، الريال، وإضعاف اقتصادها إثر خلافات دبلوماسية مع دول الجوار، ومن أجل النجاة من هذه الهجمة، خفضت قطر احتياطاتها من العملة الأجنبية لدعم الريال

دعم العملة: كما هو الحال بالنسبة لتركيا، فلقد سعت بنوكها المحلية إلى دعم عملتها المحلية التي فقدت نحو 15% من قيمتها منذ بداية العام الحاليّ، لا سيما مع إعلان قرار إعادة انتخابات بلدية إسطنبول وسط معارضة أتباع حزب الشعب الجمهوري لهذه الخطوة، ولتحقيق المكاسب المنشودة ورفع قيمة الليرة التركية، باعت بنوك حكومية نحو 4.5 مليار دولار الأسبوع الماضي، ما أثر على سعر صرف الليرة الذي ازداد تلقائيًا بأكثر من 2% خلال تعاملات السوق التجارية.

إضعاف الاقتصاد: الأمر نفسه ينطبق على حالة قطر لكن لأسباب سياسية، فلقد قدمت الدوحة دعاوى قضائية في لندن ونيويورك ضد 3 بنوك منها بنك أبو ظبي الأول الإماراتي وبنك سامبا السعودي، بتهمة إجراء معاملات وهمية عام 2017 بهدف خفض سعر صرف عملتها، الريال، وإضعاف اقتصاد إثر خلافات دبلوماسية مع دول الجوار، ومن أجل النجاة من هذه الهجمة، خفضت قطر احتياطاتها من العملة الأجنبية لدعم الريال.

خفض العملة: لطالما اتهم ترامب الصين بالتلاعب بالعملات مع انخفاض اليوان إلى أدنى مستوى أمام الدولار في 2017 لإبقاء قيمة عملتها ضعيفة لجعل صادراتها أكثر قدرة على المنافسة، وذلك ما يزعج واشنطن التي ترى أن نمو الصادرات الصينية يعني وفاة الوظائف الأمريكية والإنتاج المحلي مقابل تعزيز للإنتاج الوطني في الصين وتقليص معدلات البطالة، مع العلم أن الدول التي تتبع هذه السياسة لا تنجح دومًا في تحفيز نموها المحلي، ففي بعض الأحيان قد تنعكس هذه الخطوة سلبًا على الاقتصاد الوطني بسبب التضخم وانخفاض معدلات الطلب الذي يؤدي إلى تراجع المبيعات والإيرادات المرجوة، ولذلك ترتبط هذه السياسة بشكل وثيق مع طبيعة الاقتصاد وتخصصاته الإنتاجية ومستوى انفتاحه التجاري مع الدول الأخرى.

بالمحصلة، تكمن خطورة هذه الإجراءات في السوق بفقدان ثقة المستثمرين الذين يراقبون الوضع الاقتصادي في البلد ويعجزون عن تحديد نتائج واضحة بشأن دراساتهم الاقتصادية ومشروعاتها المستقبلية، بسبب غياب الاستقرار الاقتصادي وتقلب معدلات التصدير والاستيراد بشكل لا يمكن التنبؤ به، ما يجعل المستثمر قلقًا بشأن تكاليف المشروع والمستلزمات الأولية ومضاعفات الخسائر المحتملة من أي هبوط ممكن.