في صباح يوم السبت الماضي، استيقظ العالم على خبر مقتل ناشطة أفغانية في مجال الدفاع عن حقوق المرأة، مينا مانغال، التي عثر عليها مستلقية وسط بركة من الدماء في أحد أحياء العاصمة كابول بعد أن أطلق عليها النار عدة مرات أثناء انتظارها سيارة تقلها إلى عملها. ومع تجاهل العالم لهذه النسخة المتكررة من الجرائم في أفغانستان، تحدث مستخدمو وسائل التواصل الاجتماعي الأفغان بصوت عالٍ عن مستويات العنف ضد المرأة في البلاد.

لكن، في بلد غمرته دماء الحروب والعنف في العقود الثلاثة الماضية، لا يمكننا أن نتوقع منه أكثر من ذلك. فلقد احتلت من قبل القوات السوفيتية الشيوعية وتم تشويهها خلال أطول حرب شنتها أمريكا، وفي السنوات الفاصلة بينهما حكمتها جماعات طالبان المسلحة من عام 1996 حتى عام 2001. ومع ذلك لم يكن من المفترض أن يكون الوضع كذلك، لأن أفغانستان في فترة الخمسينيات والستينيات والسبعينيات لم تكن تشبه نفسها الآن، ولم يكن الإرهاب والدمار والأفيون والجهل من أوائل الأمور التي تخطر على بالنا عندما نتحدث عنها، كما لم يكن السياسيون والحقوقيون والصحفيون أهدافًا للموت والغدر.

ولكي نتعرف على أفغانستان القديمة، نستعرض في هذا المقال لمحة مختصرة عن أحوال البلاد آنذاك، والتي لم تكن بالضرورة مركزًا للديمقراطية والعلم والرخاء الاقتصادي ولكنها في نفس الوقت لم تكن أسيرةً لهذا القبح الذي نسمع عنه بشكل متكرر.

حقوق المرأة.. نساء  غير مرئيات

نظرًا للمشهد السياسي المضطرب لأفغانستان في السنوات الماضية، تم استغلال قضية المرأة من جميع الأطراف تقريبًا لتحقيق مكاسب سياسية معينة، فلم تحقق أي إنجاز أو تقدم يذكر، بل على العكس كن الأكثر تضررًا وخسارةً من الحروب التي بدأت بغزو روسيا للبلاد في العام 1979.

تتداول عادةً وسائل الإعلام الإخبارية صورًا لنساء الأفغانيات وهن يرتدين التنانير القصيرة والأزياء الغربية على اعتبار أنها واحدة من أشكال الحرية التي تمتعت بها المرأة الأفغانية آنذاك، ولكن إذا أردنا أن ننظر بعمق إلى تاريخ المرأة، فسنجد أنها كانت تحقق إنجازات أكثر أهمية، فلقد اكتسبن النساء حق التصويت في عام 1919، أي قبل عام من الولايات المتحدة الأمريكية وبعد عام واحد من منح النساء في المملكة المتحدة.

 التقطت في عام 1962 لطالبات أفغانيات في كلية الطب في كابول

في بداية الستينيات، كان يركز الدستور على المساواة بين الجنسين في جميع مجالات الحياة، بما في ذلك المشاركة السياسية، فمن المثير للاهتمام أن المرأة لعبت دوراً هائلاً في في عام 1964 حين ساعدت في صياغة الدستور، وتولت ما لا يقل عن 3 نساء مشرعات في البرلمان بحلول عام 1970. بالنسبة للمشاركة الاقتصادية، قامت النساء بأدوارهن كمدرسات وموظفات حكوميات وطبيبات ومحاميات وقاضيات وصحفيات وكاتبات وشاعرات حتى أوائل التسعينيات. وبالتحديد، شكلت النساء 40٪ من إجمالي عدد الأطباء في كابول، و70٪ من معلمي المدارس، بالإضافة إلى 60٪ من أساتذة جامعة كابول و50٪ من طلاب الجامعة.

ثلثي الفتيات الأفغانيات لا يذهبن إلى المدارس، و87% من النساء الأفغانيات أميات، في حين أن 70 إلى 80% منهن يواجهن الزواج القسري قبل سن السادسة عشر

لكن تغير كل شيء بالنسبة للنساء خلال الانقلابات والاحتلال السوفيتي في سبعينيات القرن الماضي والصراعات الداخلية التي ازدادت تأزمًا مع حكم طالبان الذي تراجعت في عهده حقوق النساء بشكل متزايد، بسبب نظامها المتطرف الذي سعى لتهميش وتمييز المرأة بشكل ممنهج وخال من الإنسانية، ما أدى إلى تدهور ظروف المرأة الاجتماعية والاقتصادية والصحية بسبب فرض نسخة طالبان من الشريعة الإسلامية التي حرمت النساء والفتيات من الذهاب إلى المدارس والعمل ومغادرة المنزل دون ذكر وإظهار وجوههم في الحيز العام أو التحدث علانية.

ما يعني بكلمات أخرى، كانت النساء غير مرئيات في الحياة العامة، ومسجونات في منازلهن، وإذا خالفن هذه القوانين التمييزية، فستكون العقوبة إما الجلد أو الرجم أو القتل لها ولأحد أفراد أسرتها. وحتى مع انتهاء حكم طالبان جزئيًا وبدء التدخل الدولي، تم فتح العديد من المدارس للفتيات وتم صياغة دساتير وقوانين جديدة بهدف القضاء على العنف ضد المرأة، لكن طالبان وغيرها من الجماعات المتمردة المحافظة للغاية لا تزال تسيطر على بعض أجزاء أفغانستان والعنف والتمييز ضد النساء والفتيات مستمر.

نتيجة لما مزقته الحروب والجماعات المسلحة، فإن ثلثي الفتيات الأفغانيات لا يذهبن إلى المدارس، و87% من النساء الأفغانيات أميات، في حين أن 70 إلى 80% منهن يواجهن الزواج القسري قبل سن السادسة عشر. كما تشير الإحصاءات الحكومية لعام 2014 إلى أن 80% من ضحايا الانتحار هن من النساء، مما يجعل أفغانستان واحدة من الأماكن القليلة في العالم التي ترتفع فيها معدلات النساء. يعزو علماء النفس هذه الحالة الشاذة إلى حلقة متسلسلة من العنف المنزلي والفقر، ما أدى إلى تصنيفها كأخطر بلد لعيش المرأة فيها.

حرية الصحافة.. قمع للحقيفة وأصحابها

بدأت أول تجربة لأفغانستان مع القطاع الإعلامي المستقل في أواخر الأربعينيات وكانت مقتصرة على الصحف فقط، وحين أقر المجلس التشريعي قانون الصحافة، تم إطلاق العديد من الصحف وكان معظمها معارضًا للنظام الحكام والشخصيات الدينية المحافظة المؤيد له. بالنهاية انتهت هذه التجربة وأغلقت جميع الصحف المستقلة في عام 1953 عندما أصبح محمد داود رئيسًا للوزراء.

ما بعد عام 1964، بدأت التجربة الرئيسية الثانية للبلاد مع وسائل الإعلام المستقلة بإصدار دستور أفغانستان لعام 1964 من قبل الملك محمد زاهر. هذه الوثيقة بشرت في ما يشار إليه عادة باسم "عقد الديمقراطية في أفغانستان". ينص الدستور على أن "لكل أفغاني الحق في التعبير عن أفكاره في الكلام والكتابة والصور وبوسائل أخرى وفقًا لأحكام القانون". كما ينص كذلك على أن لكل أفغاني الحق في طباعة ونشر الأفكار وفقًا للقانون، دون فحص مسبق من قبل السلطات.

باتت حرية التعبير والنقد والمناقشات الداخلية بين الأفغان في الأماكن العامة أمرًا معدومًا بسبب الرقابة التي فرضتها طالبان على الأجهزة والمعايير الصحفية

في الوقت ذاته، تبعه إصدار قانون جديد يحظر المنشورات "الفاحشة" والمسائل التي تنطوي على تشويه مبادئ الإسلام أو التشهير بالملك، وبينما ظلت العديد من وسائل الإعلام الإذاعية تابعة لدولة وأجندتها، لوحظ انتشار واسع لعدد من الصحف المستقلة، كانت نهايتها القاضية في عام 1973، حين حدث انقلاب أنهى النظام الملكي في البلاد، ليتبعه قيود صارمة على وسائل الإعلام الحرة.

بلغ هذا التشدد ذروته في عام 2001 أي مع مجيء طالبان التي غيرت المشهد الإعلامي في البلد بشكل جذري واستهدفت العاملين فيه بشكل مباشر ومتكرر، ما جعل حرية التعبير والنقد والمناقشات الداخلية بين الأفغان في الأماكن العامة أمرًا معدومًا بسبب الرقابة التي فرضتها طالبان على الأجهزة والمعايير الصحفية، وحتى مع إطاحتها لم يغب أثرها الخانق على البيئة الإعلامية، إذ تتعرض المكاتب دومًا لهجمات دموية وقمعية.

ومع ذلك، حققت جمعيات حرية التعبير الوليدة العديد من النجاحات الطفيفة مثل المفاوضات مع السلطات حول حرية المراسلين في الكشف عن بعض العيوب في جهود الحكومة لتحسين الظروف الاجتماعي، ولكن على الرغم من تنوع وسائل الإعلام وارتفاع المعايير المهنية في السنوات الأخيرة، لا يزال هناك الكثير من عدم اليقين حول مستقبل حرية الصحافة في كابول، إذ يمكن أن يؤدي العمل في المحطات والمؤسسات التلفزيونية إلى التعرض للتهديد والقتل، ولذلك يعتبر الصحفيون الأفغان من الشجعان الوطنيين الذين يدافعون عن حرية الإعلام، اعتبارًا بأنها شريان الحياة لأي نظام ديمقراطي.

إذ تقول إحدى التقارير الدولية المنشورة عن منهج الجماعات المتطرفة مع مهنة الصحفيين في أفغانستان، بأنه: "يمكن للجماعات الإرهابية التعامل مع المؤسسات أو السلطات داخل الحكومة، لكنهم لا يستطيعون التعامل مع وسائل الإعلام، لأن الأشخاص العاملين في وسائل الإعلام ليس لديهم في الغالب دوافع أيديولوجية"، ويضيف: "إن الطريقة الوحيدة لإيقاف الشباب الذين يؤمنون بحرية التعبير وحرية الصحافة هي تهديده، وفي بعض الحالات قتلهم."، وذلك ما يفسر تصنيف أفغانستان كواحدة من أخطر بلدان العالم للعمل كصحفي فيها.

أماكن سياحية لا يزورها أحد

ما بين الوديان والحقول الخضراء والمنحدرات الصخرية والكثير من العجائب الجيولوجية المتآكلة في المرتفعات الوسطى بأفغانستان وتحديدًا في ولاية باميان، تجتهد الحكومة الأفغانية في إحياء قطاع السياحة والكشف للعالم عن كنوزها الطبيعية والأثرية، بالرغم من تعرض العديد منها لدمار بسبب حركة طالبان التي قررت تفجير بعضها مثلما فجرت تماثيل بوذا الضخمة بالديناميت بعد أن قصفتها بالدبابات والصواريخ، على الرغم من التحذيرات والمناشدات الدولية لإنقاذ هذه المعالم التاريخية.

أدت هذه الهجمات العنيفة إلى انقطاع تدفق السياح إلى الثروات الثقافية والآثار القديمة، بعدما كان يأتي كل يوم إلى باميان ما بين 2000 أو 3000 سائح إليها، فلقد كانت هذه المنطقة دومًا وجهة مفضلة لدى المجموعات السياحية القادمة من أمريكا وإنجلترا واليابان، بالإضافة إلى مجموعة من الزائرين الأجانب الآخرين بدءًا من علماء الآثار وعلماء الإثنوغرافيا ونهايةً بالشباب الغربي المحب للمغامرات والتجارب الفريدة.

قد يفاجأ البعض بأن أفغانستان تعد وجهة سياحية أساسًا وبها عددًا من الشركات السياحية، ولا سيما مع وجود صعوبة في رصد عددهم وعدد المتوجهين إليها لعدم تسلم منظمة السياحة العالمية التابعة للأمم المتحدة أي إحصاءات رسمية من الحكومة

ومع انتهاء حكم طالبان جزئيًا، ظهرت بعض علامات الحياة على بعض المناطق السياحية، إذ أضيف وادي باميان إلى قائمة اليونسكو للتراث العالمي. إلى جانب ذلك، أقامت شبكة "الآغا خان" للتنمية برامج سياحية في شمال شرق البلاد النائي الهادئ والذي يقع بين باكستان والصين وطاجيكستان، حتى يتمكن المسافرين المغامرين استكشاف وادي نهر أمو داريا، وركوب الخيل أو الزورق هناك بالإضافة إلى التخييم في المراعي الصيفية للبدو الرحل.

قد يفاجأ البعض بأن أفغانستان تعد وجهة سياحية أساسًا وبها عددًا من الشركات السياحية، ولكنه من الصعب رصد عددهم وعدد المتوجهين إليها لعدم تسلم منظمة السياحة العالمية التابعة للأمم المتحدة أي إحصاءات رسمية من الحكومة، ومع ذلك تشير بعض التقديرات التي أفادت بها، بي بي سي، بأن أحد الشركات السياحية قالت أنها استقبلت نحو 300 سائح في عام 2001، وانخفض هذا العدد إلى 100 في نفس السنة.

قطاع التعليم.. لا مكان للكتب في أرض المعارك

في عام 1935، أعلنت الحكومة الأفغانية أن التعليم شامل وإلزامي ومجاني وبحلول الستينيات تم إيلاء اهتمام كبير لتوسيع المدارس الابتدائية العلمانية والمدارس المهنية لتشمل المناطق الريفية. ومع ذلك، وبسبب العوائق الاقتصادية والاجتماعية، ظل التعليم المعاصر في المقام الأول امتياز لأبناء الحضر من الطبقة العليا، ولذلك احتكرت هذه النخبة الفرص والأرباح، ما خلق أحقاد لدى الطلاب في المدارس الدينية ومتدنية المستوى الذين باتوا لاحقًا وجبة شهية للحركات المتطرفة.

وبما أن التعليم العالي كان مفقودًا في أفغانستان، بدأت الحكومة في السماح للطلاب المتفوقين (أبناء من أسر النخبة) بالدراسة خارج البلاد في الهند وألمانيا وفرنسا ومصر وتركيا، كما سُمح للفتيات بالذهاب إلى تركيا للدراسة الجامعية، ولكن سرعان ما تم إحباط هذه البرامج مع تزايد الثقافة المحافظة في البلاد.

من عام 1933 إلى عام 1973، تم إحراز تقدم في التعليم والاقتصاد والمجتمع المدني، فقد كان هناك 368 مدرسة ابتدائية وثانوية ومهنية، ومدرسة واحدة لتدريب المعلمين يبلغ إجمالي عدد الطلاب فيها 95 ألف طالب، وذلك على الرغم من أن العنصر الإسلامي المحافظ المناهض للحداثة ظل قوياً حتى عندما أصبح النفوذ الشيوعي عاملاً مهيمناً مع إطلاقه حملة لمحو الأمية بين الأطفال والشبان.

طالبان حظرت تعليم الفتيات وتوظيف النساء كمدرسات ودمرت البنية التحتية للنظام التعليمي، ونتيجة لحالة الفوضى أصبحت أفغانستان في عام 2006 صاحبة أعلى معدل للأمية في آسيا بين الرجال والنساء

ولكن هذه الحملة تسببت في حدوث رد فعل عنيف وواسع ضد التعليم خاصة في المناطق الريفية بسبب عدم ثقتها في المبادرات التعليمية واعتبارها هدفًا أجنبيًا يتناقض مع القيم الإسلامية، لكن هذا التصور تلاشى تدريجيًا على مر السنين حيث لاحظ العديد منهم فوائد التعليم.

بعد 10 سنوات من الحرب، هُزم السوفييت وغادروا أفغانستان، ليأتي بعدهم طالبان التي حظرت تعليم الفتيات وتوظيف النساء كمدرسات ودمرت البنية التحتية للنظام التعليمي، ونتيجة لحالة الفوضى أصبحت أفغانستان في عام 2006 صاحبة أعلى معدل للأمية في آسيا بين الرجال والنساء، ولكن الحكومة لا زالت تحاول التغلب على الفجوة الساحقة ما بين ما تبقى من الدمار وما يجب القيام به للحاق بالعالم الحديث.