باتت الضفة الغربية المحتلة الهدف المقبل الذي يسعى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لتحقيقه ومنحه لدولة الاحتلال الإسرائيلي، بعد الهدايا الكبيرة التي قدمها لها منذ وصوله كرسي البيت الأبيض، وساهمت في تقويض كل خيارات الحل العادل للصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

فبعد اعترافه بالقدس عاصمة لـ"إسرائيل" ونقل سفارة بلاده إليها وقضائه على قضية اللاجئين الفلسطينيين ووقف تمويل وكالة الغوث "الأونروا" ومؤسسات السلطة الفلسطينية وقراره الصادم بمنح هضبة الجولان المحتل لدولة الاحتلال، وضع ترامب الضفة الغربية أمام مرمى سهامه الجديد.

آخر التسريبات الحساسة التي رُفع الغطاء عن تفاصيلها المتعلقة بـ"صفقة القرن"، تحدثت بأن الخطة الأمريكية تتضمن اعترافًا صريحًا ورسميًا بسيادة "إسرائيل" على مستوطنات الضفة الغربية بأكملها، وهي الخطوة الأخطر والأكبر لرفع السيادة الفلسطينية عنها.

أعلن الحاخام رافي بيرتس رئيس اتحاد الأحزاب اليمينية المتطرفة أنه سيدعم أي خطة لتعزيز تطبيق السيادة على المستوطنات وكل مناطق الضفة الغربية

قالت القناة العبرية الثانية التي كشفت تلك التسريبات: "إدارة ترامب لن تعارض تطبيق القانون المدني الإسرائيلي على المستوطنات في الضفة، كما فُعل ذلك في الجولان أوائل الثمانينيات"، مشيرةً إلى أن خطة ترامب تتضمن الاعتراف الأمريكي بأن المستوطنات ستبقى بيد "إسرائيل"، بينما تبقى البلدات العربية بأيدي الفلسطينيين.

الخطوة الأخطر على القضية الفلسطينية

ونوهت إلى أن الاعتراف الأمريكي سيشمل كل المستوطنات المقامة على أراضي الضفة، مضيفة "الحديث عن المستوطنات يشمل جميع تلك المقامة على أراضي الضفة، وهو ما يفسر تصريحات رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، عشية الانتخابات، بشأن فكرة إحلال السيادة الإسرائيلية على مناطق في الضفة.

وفي السياق ذاته، أعلن الحاخام رافي بيرتس رئيس اتحاد الأحزاب اليمينية المتطرفة أنه سيدعم أي خطة لتعزيز تطبيق السيادة على المستوطنات وكل مناطق الضفة الغربية، وقال، وفقًا للقناة العبرية الثانية: "لقد حان الوقت كي يعترف العالم بأسره بحقنا التاريخي في يهودا والسامرة (الضفة الغربية)".

وصرح عضو حزب الليكود يوآف كيش: "لقد وصلنا إلى نقطة حرجة يجب ألا نفوتها، أدعو نتنياهو إلى دخول التاريخ كقائد أكمل النصر في حرب الأيام الست وأن يطبق السيادة الإسرائيلية على الاستيطان اليهودي في يهودا والسامرة".

التسريبات المتعلقة بضم الضفة لـ"إسرائيل"، أشعلت موجه غضب فلسطينية عالية، وسط اتهامات لإدارة ترامب بتقديم فلسطين بأكملها كهدية لدولة الاحتلال.

وقال نتنياهو إنه أطلع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وفريقه، على نيته ضم المستوطنات الإسرائيلية في الضفة إلى "إسرائيل"، مشيرًا إلى أن ضم كل المستوطنات الإسرائيلية، المقامة على أراضي الضفة سيتم تدريجيًا، وبالتنسيق مع الولايات المتحدة الأمريكية.

يأتي ما ذكره تقرير القناة العبرية بعد نحو خمسة أيام من تقرير آخر نشرته صحيفة يسرائيل هيوم العبرية، ذكرت فيه تسريبات جديدة بشأن ملامح "صفقة القرن"، وبحسب تقرير الصحيفة العبرية، تشمل الصفقة منح مصر قسمًا من أراضيها للفلسطينيين على أن تتحمل بعض دول الخليج 70% من تكلفة تنفيذ الخطة الأمريكية.

ابتلعت المستوطنات الضفة الغربية

التسريبات المتعلقة بضم الضفة لـ"إسرائيل"، أشعلت موجه غضب فلسطينية عالية، وسط اتهامات لإدارة ترامب بتقديم فلسطين بأكملها كهدية لدولة الاحتلال، أمام مرأى ومسمع الدول العربية التي تلهث خلف "التطبيع" واحتضان دولة الاحتلال، رغم ما يحيط بالقضية الفلسطينية من مخاطر وتحديات.

صائب عريقات أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، عقب على التحرك الأمريكي الجديد، وقال: "قرارات الرئيس الأمريكي دائمًا ما كانت تصب في مصالح الاحتلال، لدعم خطواته العنصرية في المنطقة والتعدي على الحقوق الفلسطينية والعربية".

"إعلان الضفة الغربية تحت سيادة الاحتلال، أو حتى التجاوب مع دعوات ضم 60% من مساحتها لـ"إسرائيل" يعد تجاوزًا خطيرًا لكل القوانين الدولية ولا يمكن القبول به تحت أي ظرف كان"، يضيف عريقات.

يلفت أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير إلى أن السلطة لا تستبعد أن يفرض ترامب قرارات صادمة تتعلق بالقضية الفلسطينية ومصيرها

ويوضح أن ما يطلبه الفلسطينيون والعالم أجمع هو إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي المحتلة بأكملها، وليس كما يسير فريق ترامب لترسيخ الاحتلال على المناطق الفلسطينية والعربية كما جرى من قرارات صادمة حين اعترف بالقدس عاصمة لـ"إسرائيل" وهضبة الجولان تحت سيادتها.

ويلفت أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير إلى أن السلطة لا تستبعد أن يفرض ترامب قرارات صادمة تتعلق بالقضية الفلسطينية ومصيرها، خاصة في ظل سعيه المستميت لفرض "صفقة القرن" المشبوهة التي عبرت القيادة عن رفضها جملةً وتفصيلًا، ورفض التماشي مع بنودها الخطيرة.

وحذر عريقات من أي قرار أمريكي سيصدر خلال الفترة المقبلة بضم الضفة لـ"إسرائيل"، مشددًا على أن هذه الخطوة تجاوز للخط الأحمر وتعد على الشرعيات الدولية بأكملها، وتعد مكافأة مجانية تقدم للاحتلال على الجرائم التي يرتكبها بشكل يومي بحق الفلسطينيين وحقوقهم ومقدساتهم.

وتقسم الضفة الغربية وفق اتفاقات أوسلو عامي 1993 و1995، إلى ثلاث مناطق وهي: المنطقة "أ"  التي تضم كل المراكز السكانية الرئيسية وتخضع لسيطرة فلسطينية أمنيًا وإداريًا كاملة، وتبلغ مساحتها نحو 18% من مساحة الضفة، في حين تشمل المنطقة "ب" القرى والبلدات الملاصقة للمدن وتخضع لسيطرة مدنية فلسطينية وسيطرة أمنية إسرائيلية، وتبلغ 21% من مساحة الضفة.

أما المنطقة "ج" التي تشكل أكثر من 60% من مساحة الضفة الغربية فتخضع لسيطرة مدنية وأمنية كاملة للاحتلال الإسرائيلي، باستثناء المدنيين الفلسطينيين.

بحسب إحصاء لمجلس المستوطنات الإسرائيلي، فقد ارتفع عدد المستوطنين الذين يعيشون في الضفة الغربية بنسبة 3% خلال عام، ليصل إلى 448672 شخصًا عام 2018

وبحسب الأمم المتحدة، فقد تم تخصيص غالبية المنطقة "ج" للمستوطنات الإسرائيلية أو الجيش الإسرائيلي، على حساب التجمعات الفلسطينية.

وتظهر السياسات الإسرائيلية في هذه المنطقة سعيًا حثيثًا لتغيير المكون السكاني بها، عبر أوامر هدم المنازل الفلسطينية، ممَّا يخلق حالة من الشك والتهديد المزمن ويدفع الناس إلى الرحيل.

وبحسب إحصاء لمجلس المستوطنات الإسرائيلي، فقد ارتفع عدد المستوطنين الذين يعيشون في الضفة الغربية بنسبة 3% خلال عام، ليصل إلى 448672 شخصًا عام 2018، دون أن يشمل نحو 200 ألف مستوطن يهودي يعيشون في القدس الشرقية المحتلة.

إشعال الانتفاضة الثالثة

الكاتب والمحلل السياسي البروفيسور عبد الستار قاسم، أكد أن التعاون الأمريكي - الإسرائيلي في عهد ترامب، فاق كل التصورات والتوقعات، والمكافآت التي يقدمها الرئيس الأمريكي لنتنياهو كمن يوزع الهدايا على الحضور بحفلة.

ويوضح أن فترة ترامب على كرسي الحكم قد تكون الأخطر على القضية الفلسطينية بشكل خاص والقضايا العربية بشكل عام، مؤكدًا أن ترامب يسير وفق شهواته ورغباته غير العقلانية ويتجاوز كل الأسس والقوانين الدولية.

ويشير البروفيسور قاسم إلى أن كل القرارات التي اتخذها ومتعلقة بالوضع العربي والفلسطيني؛ ومن بينها اعترافه بالقدس عاصمة لدولة الاحتلال ونقل سفارة بلاده إليها، ووضع هضبة الجولان تحت السيادة الإسرائيلية، تؤكد أن هذا الرجل يسير على خطته السياسية الخطيرة التي تسمى بـ"صفقة القرن" لتضييع القضية الفلسطينية وتقزيمها لمصلحة الاحتلال ومصالحه.

وبسؤال عن ردة فعل السلطة الرسمية بشأن خطوة ترامب المتوقعة بإعلان الضفة تحت سيادة "إسرائيل"، قال: "السلطة لن تحرك ساكنًا، وموقفها الضعيف شجع على تجاوزات ترامب ونتنياهو، والرئيس عباس لن يستطيع فعل أي شي غير التنديد والاستنكار".

المياه والخيرات الطبيعية كنز الضفة الذي سيُمنح لـ"إسرائيل"

أما على المستوى الشعبي، فيضيف قاسم، سيكون هناك رد فعل غاضب للغاية وقد يصل لإشعال فتيل مواجهات وانتفاضة قوية ثالثة في الضفة وقد تنتقل شراراتها للقدس وغزة، وسيكون أكثر الخاسرين من هذا القرار هو المحتل الإسرائيلي.

الكنز الاقتصادي

إضافة للتأثير السياسي الكبير الذي سيُمنح لـ"إسرائيل" في حال وضعت يدها على الضفة، فهناك كنز اقتصادي آخر تسعى للحصول عليه، بحسب ما صرح المستشار والخبير الاقتصادي الفلسطيني وائل الداية.

وقال الداية: "إسرائيل تنظر لمناطق (ج) في الضفة باعتبارها كنزًا إستراتيجيًا من الناحية الاقتصادية والتجارية، حيث تتمتع هذه المناطق بوفرة كبيرة في المياه العذبة بسبب انتشار وديان المياه، بالإضافة لكونها مناطق زراعية مخصبة يتيح لها إمكانية الاستثمار في مشاريع زراعية وصناعية تدر عليها المليارات سنويًا".

وأضاف الخبير الاقتصادي "البُعد الآخر يتمثل في ربط مناطق (ج) بالداخل الإسرائيلي من خلال شبكة طرق وأنفاق تساهم في التقليل من تكلفة النقل في حال قررت تصدير منتجاتها إلى مناطق الأردن والخليج العربي، وبالنظر إلى التكلفة الباهظة للضم فإن "إسرائيل" ستكون المستفيد الأكبر من العوائد التي ستعود عليها مقارنة بالنفقات التي ستتحملها على المدى البعيد".

احتلت "إسرائيل" الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية وقطاع غزة ومرتفعات الجولان عام 1967

الجدير ذكره أنه بعد قرار الرئيس الأمريكي نهاية العام 2017 الاعتراف بالقدس عاصمة لـ"إسرائيل" تعالت الأصوات في الأحزاب اليمينية للاعتراف الأمريكي بالسيادة الإسرائيلية على الضفة، ودعت تلك الأحزاب لضم كل الضفة أو أجزاء منها تصل إلى 60%.

وفي خطوة غير مشجعة وتبعث بالقلق ألغت وزارة الخارجية الأمريكية مصطلح "محتلة" عند إشارتها إلى الضفة الغربية وقطاع غزة ومرتفعات الجولان في تقريرها الأخير الشهر الماضي، عن حال حقوق الإنسان في العالم.

واحتلت "إسرائيل" الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية وقطاع غزة ومرتفعات الجولان عام 1967.

وأمام الصمت الدولي الكبير والمخيب إزاء التجاوزات الأمريكية والإسرائيلية، تعهد الفلسطينيون بالقتال حتى رمقهم الأخير للدفاع عن قضيتهم ومواجهة الخطر الذي يُحيط بها من كل جانب، ولكنهم في نفس الوقت يتساءلون: أين سندنا العربي والإسلامي؟