نعلم جميعنا أنّ حاستيْ الذوق والشمّ ليستا بالحاسّتين اللتين يمكن تحليلهما ووصفهما بسهولة، على عكس ما نراه وما نسمعه وما نلمسه وهي الأشياء التي نستطيع قياسها وتحليلها إلى بياناتٍ صغيرة ووصفها بسماتٍ خاصة تبعًا للعديد من التفاصيل، لا سيّما بعد تطوّر التكنولوجيا وما قدّمته لنا من أدوات قياس وتحليل وتسجيل كالكاميرات والميكروفونات وغيرها.

أمّا إنْ جئنا لما نتذوّقه وما نشمّه، لوجدنا أنفسنا غير قادرين على إيجاد طريقة واضحة وصريحة لقياسه أو وصفه أو حسابه بحسابات الأرقام والبيانات الرقمية. فأنتَ تستطيع التقاط صورة لما تأكله وما تلمسه لكنّك لا تستطيع التقاط صورة لما تشمّه أو للطعم الذي تتذوّقه. كما  لا تستطيع وصفه بدقّة لمن حولك، ربّما ستقول أنه حلو أو حار أو مالح أو حامض، أو قد تُبدع في دمج المصطلحات لتقولَ أنّه خليطٌ من طعمين، حلو ومالح في نفس الآن. أو قد تشبّه طعمه بطعمِ شيءٍ آخر مألوف لك، كأنْ تقولَ أنّه يشبه طعم التفاح على سبيل المثال.

هناك الكثير من العوامل التي تؤثّر في إدراكنا للطعم، كالرائحة والمظهر والجينات الوراثية والعوامل الجغرافية والتحيّزات الثقافية والتنشئة وغيرها الكثير

لكنّنا نعلم أيضًا أنّ تلك الأوصاف التي نستطيع الإتيان بها ليست موثوقة تمامًا وربّما تكون نسبية بشكلٍ كبير لا تتشابه أو تتفق مع غيرها من الأوصاف. عوضًا عن أنّ هناك الكثير من العوامل التي تؤثّر في إدراكنا للطعم، كالرائحة والمظهر والجينات الوراثية والعوامل الجغرافية والتحيّزات الثقافية والتنشئة وغيرها الكثير. وهذا يقودنا فعليًا إلى السؤال الفلسفيّ القديم: كيف تعرف أنّ اللون الأزرق الذي تراه في السماء هو نفسه اللون الأزرق الذي أراه أنا أو يراه أحدٌ آخر غيري؟

قياس النكهة

لنفترض أنّك سئمتَ كثيرًا من الطعام الذي تعدّه أو تتناوله لمذاقه أو نكهته التي تشعركَ بالملل والتكرار الدائم وغياب التجارب الجديدة في التذوّق والأكل، فرغبتَ بتجربة نكهةٍ جديدة حتى لو كانت المكوّنات التي ستستخدمها بعيدة كلّ البُعد عن بعضها البعض. لنقل مثلًا أنّه قد يخطر على بالك إضافة البازلّاء والبطاطا الحلوة للبيتزا التي ستخبزها، هل تتوقّع أنْ تخرج لكَ المحاولة وجبةً من البيتزا اللذيذة أم مجرّد خليطٍ غير متجانس أو لذيذ من المكوّنات المختلفة؟

إذا لم يُسعفك خيالك في تصوّر ذلك أو إعطاء إجابة محدّدة عن السؤال، لربّما تكون البيتزا المضاف إليها الجمبري والمربّى والسجق الإيطالي، والتي قام بإعدادها مجموعة من الباحثين في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا بمساعدة آليات الذكاء الاصطناعي، قادرة على جعل خيالك يذهب بعيدًا بالنكهات والمكوّنات.

بكلماتٍ أخرى، ماذا لو كان الذكاء الاصطناعي قادرًا على حلّ معضلة النكهات والروائح لنا طالما أنّنا عاجزين عن حلّ تعقيداتها وفكّ تركيباتها؟ وهو ما بدأت به فعليًا عدّة مراكز للأبحاث بالتعاون مع شركات الطعام، وذلك من خلال استخدام أحد تطبيقات الذكاء الاصطناعي، يُدعى التطبيق الذي صمّمه معهد ماساتشوستس باسم Gastrograph، لتقييم وترقيم النكهات والأطعمة بهدف تسهيل فهمها والتحكّم فيها بشكلٍ أسلس، وهو الأمر الذي إنْ نجح سيُعطي الشركات قبضةً رقمية على الطعام.

تقوم فكرة تطبيق Gastrograph على تجميع آراء وانطباعات عددٍ من الذوّاقين المحترفين ومن ثمّ تصنيفها إلى فئاتٍ مختلفة تليها عملية اختيار صفات وسمات محدّدة لكلّ فئة ثمّ تحليل النتائج وتحديد النكهات والصفات الواجب إنتاجها

باختصار، تقوم فكرة التطبيق على تجميع آراء وانطباعات عددٍ من الذوّاقين المحترفين الذين تستأجرهم شركات الأغذية والمشروبات، كما يمكن لأيٍّ منّا تنزيل التطبيق والتفاعل معه، ومن ثمّ تصنيف تلك الانطباعات إلى فئاتٍ مختلفة تليها عملية اختيار صفات وسمات محدّدة لكلّ فئة يمكن توسيعها والتعمّق فيها أكثر وأكثر لجعل النتائج أكثر دقّة. لاحقًا، يعمل التطبيق على مقارنة مدخلاته الجديدة مع ما يحتوي عليه من بيانات قديمة ثم يقوم بتحليل النتائج وتحديد النكهات والصفات الواجب إنتاجها بشكلٍ ربّما يكون أفضل من الشخص الذي قام بإدخال تلك البيانات.

وللتوصّل إلى خيارات جديدة للبيتزا التي تمّ صُنعها، أدخل العاملون على المشروع المئات من وصفات البيتزا من كتب ومدوّنات ومواقع الوصفات إلى التطبيق الذي عمل من خلال مقارنته لتلك الوصفات وتحليله لانطباعات الذوّاقين وآرائهم على التوصل إلى نكهةٍ جديدة غير موجودة من قبل.

توابل جديدة بمساعدة الذكاء الاصطناعي

تحاول شركة آي بي إم (IBM) التكنولوجية، بالتعاون مع شركة ماكورميك للتوابل والبهارات، وضع بصمتها في هذا المجال أيضًا. لا سيما وأنها ترى أنّ العملية التقليدية لخلق أو استنباط منتجٍ غذائيّ أو مذاقٍ جديد يستغرق وقتًا طويلًا قد يمتد لشهورٍ أو سنواتٍ في بعض الأحيان، بدءًا من المرحلة الأولى وحتى استعداده لدخول السوق. 

تقوم آلية العمل على اكتشاف الأنماط المستخلصة من النكهات والمكوّنات الخام لكلّ نوعٍ من الطعام، بالإضافة إلى نتائج اختبارات تذوّق المستهلكين وبيانات المبيعات، ومن ثمّ استخدام تلك الأنماط من أجل التوصّل إلى مجموعة من النكهات الجديدة. جديرٌ بالذكر أنّ لدى ماكورميك 20 مختبرًا للمواد الغذائية في 14 دولة في العالم، عملت من خلالها على جمع الملايين من البيانات والمعلومات المتعلّقة بتفضيلات وأذواق المستهلكين على مدى أكثر من 40 عامًا.

ستطرح شركة ماكورميك أول منتجاتها من التوابل القائمة على الذكاء الاصطناعي بالأسواق في وقتٍ لاحق من هذا العام

من المتوقّع أنْ تُطرح الأنواع الأولى من التوابل المصنّعة في أسواق الولايات المتحدة الأمريكية في أواخر هذا الربيع حاملةً اسم "One". وبشكلٍ عام، يمرّ المنتَج المحتَمل الذي تحاول ماكورميك تصنيعه في 50 إلى 150 محاولة أو تجربة قبل أنْ تستقرّ الشركة على صيغةٍ ما، والتي تخضع بدورها إلى اختبارات لاحقة مع خبراء التذوّق ثمّ مع المستهلكين. فيما يمكن أنْ تستغرق عملية الوصول إلى الصيغة النهائية من المنتَج ما بين أسبوعين إلى ستة أشهر.

ما يعني أنّنا على رمية حجرٍ فقط من أنْ يصبح الذكاء الاصطناعي جزءًا من طعامنا ويتدخّل في غذائنا تمامًا كما يتدخّل في غيره من المجالات. بالنهاية، وصل التعاون المشترك بين الإنسان والذكاء الاصطناعي إلى حدودٍ لم يكن العقل البشري قادرًا على تخيّلها يومًا ما. أمّا بعد تحقّقها وتحقّق إمكانية تطورّها، أصبح الإنسان يتساءل كثيرًا عن ما ستؤول إليه الحياة بعد كلّ هذا التطوّر.

واحدة من المخاوف تكمن في إمكانية استخدام هذه الآلية وغيرها في التلاعب بالأطعمة والمذاقات لمصالح مادّية ورأسمالية، كأنْ يتمّ استخدامها لصنع مأكولات وأصناف مسبّبة للإدمان على سبيل المثال، أو أنْ لا تلتزم بالمعايير الصحّية في الإنتاج لأغراض التنافس وزيادة المبيعات على حساب الجودة. 

وعلى مستوى آخر، تكمن الفكرة الرئيسية في استخدام الذكاء الصناعي هنا في الولوج إلى اللاوعي واللاشعور لدى الأفراد لاستكشاف تفضيلاتهم الغذائية، وهو أكثر ما يثير مخاوفنا في الفترة الأخيرة: إلى أيّ مدى نرغب كبشر بتدخّل الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا في مجالات حياتنا، حتى إنْ كانت تسعى لتسهيلها وتطويرها وتقديم الفائدة لنا؟