مشهد من مسلسل ابن عربي

ما زالت دولة الإمارات العربية المتحدة ماضية بنشاط عالٍ في تنفيذ سياساتها في المنطقة، ويتميز النهج الإماراتي بالإقصاء والصدامية، ليس في ميدان السياسة فحسب، الميدان الذي تجتهد فيه بدعم أشرس الطغاة وتحاول بما في وسعها من طاقة إطفاء شعلة أي حراك ثوري تغييري، بل في ميدان الأفكار أيضًا، إذ باتت المنصات الإعلامية التابعة لأبو ظبي تروج مؤخرًا لشخصيات تاريخية إشكالية ليس لها قبول في الأوساط العلمية أو الشعبية.

في هذا السياق أنتجت أبو ظبي للموسم الرمضاني الحاليّ 2019، مسلسلين تاريخيين يعرضان لسيرة أشهر قطبين من أقطاب الصوفية وهما الحلاج وابن عربي، حمل العمل الأول اسم "العاشق.. صراع الجواري"، أما العمل الآخر الذي يؤرخ لحياة محي الدين ابن عربي فقد جاء بعنوان "مقامات العشق"، وفتح توجه الإمارات لإنتاج هذين العملين رغم المعارضة الشديدة من العلماء وأصحاب الرأي وحتى بعض المؤسسات الرسمية في الإمارات باب السؤال عن الهدف من إحياء مثل هذا النوع من الشخصيات.. فما دوافع حكام الإمارات في ذلك؟

إعادة صياغة المعرفة

يسعى حكام الإمارات لفرض نموذج معرفي يصادم ما يؤمن به جمهور الناس، سواء داخل الإمارات أم خارجها، ويشمل هذا النموذج المعرفي الأفكار والقيم والأنظمة والرموز التاريخية، إذ تسهم الإمارات بواسطة مراكز بحثية ودور نشر وبرامج حوارية في الترويج لمجموعة من مفكري تجديد الخطاب الديني وإعادة بناء العقل الإسلامي من أمثال نصر حامد أبو زيد ومحمد أركون وغيرهما.

دعم التصوف - وخاصة نماذج الحلاج وابن عربي وأمثالهم - هو لب توصيات المراكز الغربية وخاصة الأمريكية

كما أنها تقف وراء مؤسسة مؤمنون بلا حدود المثيرة للجدل التي لا تخرج عن الإطار الذي رسمه مَن سبق ذكرهم من مفكري التنوير، ويُمثل إعداد برنامج خاص من قناة أبو ظبي للمهندس محمد شحرور الذي يطوع النصوص الإسلامية لتوافق قيم الحداثة بطريقة غير منهجية دليلًا واضحًا على التوجه الإماراتي الراهن الذي يريد نسف الثوابت وإحلال منظومة ثقافية جديدة أقرب ما تكون للثقافة الغربية إن لم نقل مطابقة لها.

توصيات الإدارة الأمريكية

دعم التصوف - وخاصة نماذج الحلاج وابن عربي وأمثالهم - هو لب توصيات المراكز الغربية وخاصة الأمريكية، فمن مؤتمر "فهم الصوفية والدور الذي ستلعبه في رسم السياسة الأمريكية" الذي أعده مركز نيكسون، إلى تقرير "بناء شبكات مسلمة معتدلة" لمؤسسة راند المنبثقة من وزارة الدفاع الأمريكية مرورًا بدراسة "الإسلام المدني الديمقراطي" للمؤسسة ذاتها، كانت هناك توجيهات واضحة أشارت إليها هذه الدراسات، وفي بعض الأحيان أرشدت إلى إجراءات عملية تخدم الرؤية الرامية لبناء أرضية مشتركة تعاونية مع الحركة الصوفية.

في هذا الصدد يقول الناشط السياسي محمود ممتاز لـ"نون بوست": "تدعم الكثير من مراكز البحوث الدولية الحركات الصوفية بوصفها حركات معتدلة تخدم وجهة نظر الغرب في الحياة وتتعارض مع التيارات الإسلامية الأصولية"، وأردف "على سبيل المثال لا الحصر، دعا كل من برنارد لويس ودانييل بايبس القريبان من البيت الأبيض لعقد تحالف مع الطرق الصوفية لملء الساحة الدينية والسياسية وفق ضوابط فصل الدين عن الحياة".

تتباين عدد من التيارات الإسلامية وتختلف رؤيتها بشأن عدد من القضايا كطريقة التغيير والمشاركة السياسة مع الأنظمة وشكل نظام الحكم

نفذت الإدارة الأمريكية هذه التوصيات منذ من فترة صدورها وإلى الآن، فقامت بالعديد من الأنشطة لمد جسور التقارب مع الصوفية، وكان أكثر من تبعها في ذلك الإمارات التي فتحت ذراعيها للحركة الصوفية ومؤسساتها، حتى غدت أبو ظبي من أهم حواضن الحركة الصوفية في العقد الأخير.

لماذا الصوفية؟

تتباين عدد من التيارات الإسلامية وتختلف رؤيتها بشأن عدد من القضايا كطريقة التغيير والمشاركة السياسة مع الأنظمة وشكل نظام الحكم، إلا أنهم يتفقون في الاهتمام بالشأن العام وخوض غمار السياسة وعدم الانعزال عن الواقع، وتأتي الصوفية على العكس من ذلك، فهي تتبنى في الغالب منهجًا انسحابيًا تركز فيه على العبادات الفردية والتزكية الأخلاقية وتترك الساحة السياسة للحكام، وهذا ينسجم تمامًا مع مصالح الدول وفي مقدمتها أمريكا التي تنظر بعين الرضا لهذه الحركة.

ووفقًا للدكتور خالد عبد القادر فإن أمريكا تعمل على نشر الفكر الصوفي لأنه فكر غير مقاوم للمحتل ومن مبادئه: دع الخلق للخالق، ولو شاء ربك ما حدث كذا، ويصرحون بأنهم ينتظرون المهدي وهذا ما تريده أمريكا، ويكمل في تصريحات لـ"نون بوست": "هناك محاولة دؤوبة من ابن زايد ومَن خلفه لإشاعة وتثبيت مبدأ (وحدة الأديان) وقد نادى بذلك ابن عربي والحلاج، فمن هنا يعملون على تلميع وإظهار هذه الشخصيات للاقتداء بهم".

ليست هذه المرة الأولى التي تستعمل فيها الإمارات بعض شخصيات التاريخ لنشر أفكارها، فقد سبق أن صنعت العام الفائت مسلسلًا عن القائد الأموي الشهير المهلب بن أبي صفرة، واستغلت العمل أيما استغلال في إطار صراعها مع قطر

بدوره اعتبر الناشط السياسي محمود ممتاز أن الهدف الفعلي من التقارب أو التزاوج إن صح التعبير بين التيار الصوفي والنظام الإماراتي هو لإنتاج إسلام فارغ المضمون والمحتوى، إسلام معزول عن مناحي الحياة ولا يبحث في تنظيم شؤون البشر ومعالجة مشاكلهم في الدنيا، وأضاف لـ"نون بوست" "تقدم الإمارات التيار الصوفي بصفته تيارًا معتدلًا بنظرها وتروج له كبديل للحركات والأحزاب السياسية الإسلامية التي تعمل لوضع الإسلام موضع التطبيق التشريعي والقانوني في المجتمع، لذلك كان من الطبيعي أن يدعم النظام الإماراتي الطرق الصوفية ويروج لها ويقدم الشخصيات الصوفية التاريخية أمثال الحلاج وابن عربي في أعمال درامية تبث على وكالات إعلام إماراتية".

وفي الحقيقة، ليست هذه المرة الأولى التي تستعمل فيها الإمارات بعض شخصيات التاريخ لنشر أفكارها، فقد سبق أن صنعت العام الفائت مسلسلًا عن القائد الأموي الشهير المهلب بن أبي صفرة، واستغلت العمل أيما استغلال في إطار صراعها مع قطر، فإلى متى ستبقى الإمارات توظف الفن لخدمة سياساتها؟ وهل تنجح مساعيها في إعادة تشكيل المشهد الفكري والثقافي للمنطقة؟