في مؤلفه الشهير "كتاب بين الركام" ذكر أستاذ التاريخ المقارن الأمريكي ديفيد دامروش أن السومريّين الذين عاشوا في بلاد الرافدين تمكنوا في القرن الثالث قبل الميلاد وتحديدًا خلال عام 2500 من حفظ المخطوطات وتنظيمها، حيث كان الكهنة يحتفظون بالنصوص الدينية واحتفظت عائلات التجار بسجلات العقود والمعاملات التجارية في حين حافظ الأفراد على النصوص الأدبية من الضياع والاندثار.

وبحلول عهد آشوربانيبال الذي استمر حكمه زهاء أربعة عقود ذهبت عملية حفظ المخطوطات إلى أبعد من هذا، حيث بُنيت مكتبة آشوربانيبال التي ضمت الكثير من الُرقم الطينية والحجرية، وبفعل اهتمام آشوربانيبال الثقافي والأدبي حُفظ الكثير من تاريخ تلك الحقبة الزمنية ومن ذلك ملحمة جلجامش.

وعليه انتهى دامروش في كتابه إلى أن مكتبة آشوربانيبال هي الأرشيف الأول في التاريخ البشري وذلك لأنها حافظت على التراث التاريخي والثقافي والديني لبلاد الرافدين من شمالها إلى جنوبها، وفي كتابه "المكتبة في الليل" خلص الروائي الكندي ألبرتو مانغويل إلى أن آشوربانيبال أدرك جيدًا العلاقة بين الحاكم والكلمة المكتوبة ولذلك جمع الألواح ونظمها ورتبها بشكل متدرج حتى يسهل قراءتها واحتفظ بها في قصر كبير وبذلك ربط منذ قديم الزمان بين الأرشيف والحفاظ على الهوية.

في العصر الحديث.. ما الخطر الذي يهدد الأرشيف؟

في العصر القديم، كان الأرشيف يتألف من خزانة كبيرة لإيداع المخطوطات والرُقم الطينية والنقوش الحجرية والجلود المدبوغة وأوراق البردي، ومع تطور المجتمعات أضحت هناك مباني مخصصة لحفظ ملايين الوثائق بأشكالها المصورة والمكتوبة، وخلال ذلك العهد كانت هناك تحديات تواجه عملية حفظ الأرشيف مثل الزلازل والحروب والفيضانات وكان لزامًا حفظ الأرشيف بطرق محكمة خوفًا من التآكل والضياع والتلف.

بدأت عملية رسم خريطة المنطقة منذ زمن بعيد وتحديدًا عام 1916 حين قررت بريطانيا ومعها فرنسا تقسيم إرث الدولة العثمانية

ولكن في عصرنا الحاليّ أضحت عملية حفظ الأرشيف آمنة وذلك بإدراجه على شبكة الإنترنت وحفظه في أقراص صلبة بعيدًا عن مخاطر التلف والضياع، ولكن على الرغم من ذلك يواجه الأرشيف الحديث تحديات من نوع آخر فالخطر لم يعد يحدق بالأرشيف نفسه ولكن بوظيفة الأرشيف، فمع توسع المواد الأرشيفية وتداخلها أصبحت عملية صون الهوية الجماعية صعبة.

أرشيف الشرق الأوسط.. أين يُحفظ؟

يؤسس الأرشيف وعيًا لدى الشعوب بالأفكار والتاريخ وتطوراتها عبر الزمن، وقد ذكر الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا في كتابه "حمّى الأرشيف الفرويدي" أن كلمة أرشيف ترمز إلى معنى البدء ولها علاقة بجذور الأشياء فالجذر اليوناني لكلمة (أرخيون Arkheion) يُحال إلى المسكن المعروف أو البيت المعلوم، وبالنسبة لمنطقة الشرق الأوسط فقد كان طبيعيًا أن يُحفظ أرشيفها خارج حدودها وذلك لأن تاريخ جغرافيا المنطقة نفسه رُسم من الخارج في منطقة لم تبد أي مقاومة جدية لتعديل تلك الجغرافيا.

بدأت عملية رسم خريطة المنطقة منذ زمن بعيد وتحديدًا عام 1916 حين قررت بريطانيا ومعها فرنسا تقسيم إرث الدولة العثمانية "رجل أوروبا المريض" لتظهر للنور اتفاقية سايكس بيكو التي غيرت ملامح دول الهلال الخصيب، أما ثاني محاولات التدخل في تقسيم المنطقة تمت خلال عام 1957 حين أعلن الرئيس الأمريكي دوايت أيزنهاور ما عُرف حينها بمبدأ أيزنهاور الذي يقضي بأحقية الولايات المتحدة في التدخل لحماية دول الشرق الأوسط من المعسكر الشيوعي، ليأتي بعد ذلك مخطط الشرق الأوسط الكبير مطلع ثمانينيات القرن الماضي، حيث دعمت الإدارة الأمريكية حينها برنارد لويس من أجل وضع مخطط يهدف لتقسيم الدول العربية إلى أقاليم على خلفيات عرقية ودينية ولغوية، ويعتبر لويس أن كلمة سر رسم خرائط الشرق الأوسط هي التحكم من الخارج إذ لم تعد هناك حاجة إلى الاحتلال العسكري إلا بالقدر الذي يحمي موارد البترول.

 لا تاريخ دون وثيقة ولا يوجد وعي للهوية وتكوين للشخصية الوطنية من دون قراءة التاريخ 

ارتكزت خطة لويس للشرق الأوسط على محو الدولة اللبنانية بالكامل وتقسيم العراق إلى ثلاث دويلات: سنة وشيعة وكرد، وضم "إسرائيل" لسيناء، وإشعال تسعة حروب في المنطقة من أجل إسراع عجلة التقسيم.

حقيقة الأرشفة الحاليّة في دول الشرق الأوسط

لا تاريخ دون وثيقة ولا يوجد وعي للهوية وتكوين للشخصية الوطنية من دون قراءة التاريخ، ويعد الحفاظ على الوثائق الوطنية قيمة حضارية تؤكد أن الشعوب تعتني بماضيها وتقدر تاريخها ووجودها وقيمتها، والوعي بأهمية الوثائق التاريخية يحمي المجتمع ويصونه من الانقسام، ولذلك يجب توثيق وتدوين ما يحدث لنا اليوم بأنفسنا لا أن يسجل عنا طرف آخر خارج الحدود.

ففي العراق على سبيل المثال تُحفظ الوثائق في دار الكتب والوثائق الوطنية التي يعود تاريخها إلى فترة الاحتلال البريطاني وتحديدًا عام 1920 وقد نشأت الدار في البداية كمكتبة عامة وذلك قبل أن تتحول عام 1961 إلى مكتبة وطنية تحفظ الكتب والمخطوطات، وقد تعرضت الدار لدمار كبير عقب الاحتلال الأمريكي للعراقي خلال عام 2003، مما أدى إلى إلحاق الضرر بـ35% من الكتب و50% من الوثائق بخلاف المخطوطات التي تعرضت للسرقة والتهريب.

أما في مصر فتُحفظ المخطوطات التاريخية في دار الوثائق القومية، وبالنسبة لسوريا فقد تغيرت الأوضاع كثيرًا بعد الثورة التي دخلت عامها الثامن، حيث دشن مجموعة من نشطاء حقوق الإنسان في سوريا مبادرة الأرشيف السوري التي تهدف إلى حفظ وتحليل كل الوثائق البصرية وجميع الجرائم المرتكبة من كل أطراف النزاع في سوريا وذلك حتى لا تضيع الأحداث وحتى يعلم الجميع في المستقبل ماذا حدث تحديدًا في سوريا من داخل حدود الدولة السورية وليس من أطراف خارجية.

دون فهم وظيفة الأرشيف الحقيقية وهي الحفاظ على ذاكرة الشعوب وتزويدها بكل ما تحتاج إليه يصبح الأرشيف عبئًا لا طائل من ورائه

وقبل اندلاع الحرب في سوريا ذكر البروفيسور الألماني هاينس كاوبه أستاذ العلوم الإٍسلامية في جامعة توبينغن الألمانية أن معظم المدن العربية العريقة ينقصها أرشيف يحفظ تاريخها ومخطوطاتها من الضياع الناجم عن تغير العوامل المناخية، ولهذا تبنى البروفيسور كاوبه مشروع إقامة أرشيف خاص بمدينة حلب السورية تحت رعاية مؤسسة التنمية الألمانية DED وتعثر المشروع في بدايته بسبب نقص الخبراء السوريين وهي ثغرة سدها الجانب الألماني بإرسال خبراء من جانبه، وفي هذا السياق ذكرت فرانسيسكا لاوه الخبيرة الألمانية المنتدبة أن المشروع سوف يعمم على منطقة الشرق الأوسط بالكامل لأنها تعاني من غياب أرشيف حديث يحفظ تاريخها.

أرشيف جديد للمستقبل في المنطقة

دون فهم وظيفة الأرشيف الحقيقية وهي الحفاظ على ذاكرة الشعوب وتزويدها بكل ما تحتاج إليه يصبح الأرشيف عبئًا لا طائل ورائه، وللأرشيف تاريخ عريق في ثقافات الشعوب ويمكن تقسيمه إلى أرشيفات محلية وإقليمية وقارية وكونية تتوافر حاليًّا في مؤسسات دولية وسيطة ترحل المخطوطات والوثائق من أرشيف إلى آخر يُستخلص منها في النهاية وثائق مهمة لها علاقة بالأحداث الفاصلة في التاريخ الإنساني وتجارب الأمم وتاريخ الشعوب.

ولأن الشعوب العربية أصحبت صاحبة كلمة في الآونة الأخيرة وخاصة بعد اندلاع ثورات الربيع العربي في 2011، فمهمة التوثيق وقعت على عاتقهم، توثيق جميع الأحداث التاريخية التي جرت وما زالت تجري داخل حدود الشرق الأوسط، وعملية التوثيق الحاليّة ترتكز على تسجيل الأحداث لحظة بلحظة باستخدام التقنيات الحديثة، فاحتجاجات السودان على سبيل المثال نقلها إلينا ثوار من الميدان صوت وصورة، تلك الصور التي ستُحفظ وسيحفظ معها الفيديوهات الخاصة بأحداث ثورة 25 يناير 2011 في مصر وصور الثورة السورية من أجل تدشين أرشيف جديد للشرق الأوسط.. ذلك الأرشيف الذي صُنع للمرة الأولى في تاريخ المنطقة داخل حدودها.