في وقت بدت فيه المنطقة وكأنها لا تحتاج لأكثر من عود ثقاب واحد لتشتعل بالكامل، باغت الحوثيون خصومهم وحلفاء خصومهم بهجمات غير مسبوقة عمادها طائرات مسيرَّة وملغَّمة عبرت مئات الكيلومترات في عمق الأجواء السعودية قبل أن تستهدف منشآت نفطية غرب العاصمة الرياض، فتسببت في وقف الضخ في خط الأنابيب الذي ينقل النفط من حقول المنطقة الشرقية إلى ميناء ينبع على ساحل البحر الأحمر.

نفط السعودية تحت نيران الحوثيين

لم يكن الأمر كما في هجمات الفجيرة حتى كشفت السلطات السعودية ملابسات ما حدث، وأكدت على لسان وزير الطاقة السعودي خالد الفالح تعرض محطتي نفط ضمن منطقة الرياض لهجمات وصفها بـ"المحدودة" من طائرات من دون طيار، أوقفت على إثرها شركة "أرامكو" السعودية على الفور ضخ النفط لتقييم الأضرار وإصلاح المحطة لإعادة الضخ إلى الوضع الطبيعي، دون مزيد من التفاصيل.

اتخذت غارات طائرات الحوثيين أبعادًا أخرى، وبعثت برسائل إقليمية ودولية تجاوزت الحرب في اليمن لجهة تزامنها مع حادث الفجيرة

بقية الرواية كانت لدى الحوثيين الذين قال متحدثون باسمهم لعدد من وسائل الإعلام إن الهجوم هو الأول من نوعه وحجمه واستخدموا فيه 7 طائرات مسيرة دفعة واحدة على أهداف عدة واستهدف محطتي الضخ البترولي التابعتين لشركة "أرامكو" رقم 8 و9، اللتين تقومان بدعم انسياب الزيت والغاز عبر الخطوط الناقلة للغاز والنفط من المنطقة الشرقية عبر محافظتي الدوادمي وعفيف، وتقعان على بُعد 220 كيلومترًا و380 كيلومترًا غرب العاصمة السعودية الرياض.

ويبلغ طول خط الأنابيب نحو 1200 كيلومترًا، ويمرّ عبره 5 ملايين برميل نفط يوميًا على الأقل من المنطقة الشرقية الغنية بالخام إلى المنطقة الغربية على ساحل البحر الأحمر. وتقع محطة ضخ "أرامكو" السعودية على بُعد أكثر من 800 كيلومتر من أقرب نقطة في صعدة شمالي اليمن على الحدود مع مدينة نجران السعودية، كما تقع المحطة على مسافة نحو 360 كيلومترًا من الرياض، وعلى مسافة 500 كيلومتر من ينبع على ساحل البحر الأحمر.  

"عملية عسكرية كبرى" هكذا سمَّاها الحوثيون، وبدت لخبراء عسكريين عملية نوعية، ويدعم هذا التوصيف وسيلة الهجوم ودقة العملية وطابعها المباغت والمدى الذي بلغته، ففي العمق السعودي تُضرب مصالح المملكة الاقتصادية والإستراتيجية عبر خط أنابيب يتيح لها نقل النفط من المنطقة الشرقية لتصديره على موانئ على البحر الأحمر، أي بعيدًا عن الخليج ومضيق هرمز حيث تتصاعد التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

ورغم أن الحوثيين سبق لهم استخدام الطائرات المسيَّرة والصواريخ البالستية ضد أهداف داخل الأراضي السعودية، فإن قدرتهم على توجيه ضربات دقيقة لمنشآت حيوية بعيدة جدًا عن الجبهات الساخنة وإلحاق ضرر بالاقتصاد السعودي يبدو وكأنه انتقال في الصراع إلى مستويات جديدة، خصوصًا مع إعلان المتحدت العسكري باسم جماعة  الحوثي أن هذا الهجوم يأتي ردًا الهجوم المستمر وحصار مناطق يمنية من قِبل التحالف السعودي الإماراتي، وأن قواته قادرة على تنفيذ عمليات نوعية أخرى في حال استمرار التحالف السعودي الإماراتي بعملياته على الأراضي اليمينة.

اوقفت شركة "أرامكو" السعودية الضخ في خط الأنابيب

وبدا الهجوم الأخير الذي اخترق الرياض مختلفًا عن غيره لأكثر من اعتبار، فعلاوة على عدد الطائرات المسيَّرة غير المسبوق والعمق الذي وصلت إليه لتصيب أهدافها فيما يبدو بدقة عالية ضمن عملية واسعة مباغتة لم تمنح الجيش السعودي فرصة لاستباق هجومها، اتخذت غارات طائرات الحوثيين أبعادًا أخرى، وبعثت برسائل إقليمية ودولية تجاوزت الحرب في اليمن لجهة تزامنها مع حادث الفجيرة، في وقت أصبح فيه الخليج على صفيح ساخن بين طهران وواشنطن حتى بلغ مرحلة التحشيد العسكري. 

وفي حين أقرت الرياض سريعًا بما حدث، ينظر السعوديون أنفسهم إلى الصورة الأكبر، فقد ربطت الرياض الهجوم بتخريب ناقلات تجارية قرب الفجيرة، وسارعت وزارة الخارجية إلى التأكيد على استمرار الإنتاج وصادرات المملكة من النفط الخام والمنتجات دون انقطاع، واعتبر مجلس الوزراء أن ما وصفه بـ"العمل التخريبي الإرهابي" لا يستهدف المنطقة فقط، وإنما يستهدف أمن إمدادات الطاقة للعالم والاقتصاد العالمي، ويثبت بحسب كلام المسؤولين السعوديين أهمية التصدّي لكل الجهات الإرهابية التي تنفذ مثل هذه "الهجمات التخريبية" المدعومة من إيران، ولم يكن الحوثيون في اليمن استثناءً بطبيعة الحال.

اللافت بالتصعيد المباغت للحوثيين الذين يُنظر لهم على نطاق واسع بوصفهم جماعة عسكرية مقربة ومدعومة من إيران أنه لا يأتي فقط والمنطقة تشهد وصول تعزيزات عسكرية أمريكية وتوتر غير مسبوق وتراشق بالتهديدات بين واشنطن وطهران، بل أيضًا بعد يومين من إعلان أبو ظبي عن تعرّض 4 سفن بينها ناقلتا نفط سعوديتان لعمليات تخريبية لم تتضح ملابساتها بعد قرب ميناء إمارة الفجيرة.

في هذا السياق، يذهب مراقبون إلى احتمالية اختلاط المشهد في اليمن باعتباره مرتبطًا بأجندات إقليمية بينها إيران ودول الخليج وأخرى دولية تدير الصراع في البلد وتتخذ من الجغرافيا اليمنية ساحة حرب لتصفية حساباتها، وويشير هذا الارتباط بالضرورة إلى ح التعقيد الذي يكتنف اليمنيين، ويهدد الجهود المبذولة لإيجاد مخرج للصراع، والتي تستند على ملف الحديدة وعملية انسحاب الحوثيين من الموانئ على الساحل العربي، والتي انتهت مؤخرًا برعاية أممية.

رسائل حوثية إيرانية مبطَّنة

كما هو الحال في حادث الفجيرة، اعتبرت الجامعة العربية الهجوم "تهديدًا خطيرًا لأمن المنطقة والاقتصاد العالمي"، ووصفت خارجية البحرين الهجوم بـ"الإرهابي"، أمَّا الأردن فقد أكّد وقوفه إلى جانب السعودية في مواجهة أي تهديد، في حين أكدت مصر تضامنها مع الرياض في التصدي لمحاولات النيل من أمنها واستقرارها، كذلك أدانت الإمارات الهجوم واعتبرته دليلاً جديدًا على التوجهات العدائية للحوثيين بهدف تقوض الأمن والاستقرار في المنطقة.

رغم أن للولايات المتحدة خطوطها الحمراء، لا يبدو أن الأحداث الأخيرة قد تخطتها بما يستوجب الرد نيابة عن حلفائها

هذا الأمر يثير تساؤلات عن الرسائل التي يرغب الحوثيون وربما حلفاؤهم بإيصالها في هذا التوقيت بالذات، لا سيما أن خط الأنابيب يتيح للسعودية نقل نفطها من المنطقة الشرقية وتصديره عبر موانئ على البحر الأحمر بعيدًا عن الخليج ومنطقة مضيق هرمز، حيث تتصاعد التوترات بين حليفها الأمريكي وخصمها الإيراني، فضلاً عن أن الهجوم يأتي بعد أسبوعين فقط على قرار إدارة ترامب إلغاء الإعفاءات الممنوحة على استيراد النفط الإيراني في محاولة لتصفير عائداته ووقف ضخه للسوق العالمية.

وإن بدا لافتًا أيضًا تجنب وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو الحديث عن هجمات الحوثيين الحديث عن هجمات الحوثيين خلال مؤتمره الصحفي في موسكو مع نظيره الروسي سيرجي لافروف، واكتفائه بالتأكيد أن بلاده لا تسعى لشن حرب مع إيران، لكنها سترد بالشكل المناسب إذا تعرضت مصالحها لأي هجوم.

والآن مع مهاجمة مرافق ومنشآت حيوية سعودية في هذا التوقيت الحرج، لا يبدو أننا بصدد رسالة حوثية بحتة، فبقوة المنطق يفرض السياق الإقليمي نفسه، وإذا كانت هجمات الطائرات المسيَّرة حقًا رسالة إيرانية غير مباشرة أوصلها الحوثيون، فما فحواها؟

وبحسب محلّلين، لعل ما حصل تمرين تعبوي لما قد يأتي، إذا تحوّل التوتر الأمريكي الإيراني المتصاعد إلى مواجهة مباشرة، فقد تُقرأ في الرسالة القدرة الإيرانية على الأذى في حال اندلعت تلك المواجهة مع واشنطن وحلفائها الإقليميين، ولئن كانت هذه حال قدرات الأذرع فما بالك بالأصل الذي تفرعت عنه، وكأن لسان حال إيران يقول إنهم "قادرون على إشعال المنطقة برمتها".

نحو قوى إقليمية ودولية معنية بالتوتر المتصاعد في الخليج تتجه تلك الرسائل التي لا تتبناها إيران بشكل رسمي، فهل يكون لحلفائها هجمات الصاعق الذي يفجر حربًا شاملة يحذر الجميع من تداعياتها؟

بالنسبة للأمريكيين بشكل خاص قد تبدو الهجمات الأخيرة تحديًا لقوة يستعرضونها في المنطقة منذ فترة ولتحذيراتهم المتكررة لإيران من مغبة الإقدام على أي تحرك ضدهم، لكن رغم أن للولايات المتحدة خطوطها الحمراء، لا يبدو أن الأحداث الأخيرة قد تخطتها بما يستوجب الرد نيابة عن حلفائها.

يؤكد الحوثيون أن حرب السنوات الأربعة لم تنل من قدراتهم العسكرية، بل إنها مضت في تطور مبهر، في حين تكشف عجز الدفاعات السعودية وصواريخها عن الاستباق أو الاعتراض

ورغم أن الأمريكيين لا يرضيهم بالطبع استهداف خطوط النفط وناقلاته كما حصل في المياه الاقتصادية الإماراتية، ولا يرضيهم كذلك ضرب البنية التحتية لإنتاج النفط في العمق السعودي، فإن استهدافًا مباشرًا للمصالح الأمريكية هو وحده ما قد يستتبع ردًا قويًا، فالمواجهة مع طهران ليست عماد السياسة الأمريكية، وإنما الدأب على استخدام ما يوصف بخطر إيران ووكلائها في المنطقة لاستنزاف الحلفاء من عرب الخليج.

وأيًا تكن الجهة المقصودة برسائل الحوثيين، فإن هجماتهم لا بد أنها تلقي بظلالها الثقيلة مرة أخرى على قدرة الرياض على تحقيق أهدافها العسكرية في اليمن، وهي التي سبق قبل نحو 4 سنوات أن أكدت بشكل قاطع نجاحها في تدمير نحو 80% من الترسانة العسكرية الصاروخية للحوثيين، وأن تحالفها العسكري مع الإمارات سيعيد الشرعية إلى صنعاء خلال أسابيع، في حين صبت النتائج على الأرض في اتجاه آخر تمامًا.

وكما هو المتوفع بالنسبة لانعكاس الهجوم على السياسة السعودية، انعكس مبكرًا على أسعار خام النفط الذي ارتفعت أسعاره في الأسواق العالمية، حيث بلغت العقود الآجلة لخام القياس العالمي برنت 70.79 دولارًا للبرميل مرتفعة 56 سنتًا بما يعادل 0.80%. وبلغت العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط الأمريكي 61.35 دولارًا للبرميل، مرتفعة 31 سنتًا أو 0.51%.

كما تسبب الهجوم في ارتدادات عنيفة لسوق المال السعودي التي خسرت نحو 11 مليار دولار في تعاملات، حيث انخفض المؤشر الرئيسي للأسهم السعودية 2%، وطالت الخسائر السعودية سوق أبوظبي للأوراق المالية، ليهبط بنسبة 2.57 % عند مستوى 4802.58 نقطة، ويلامس أدنى مستوى له خلال 2019.

تطور "سلاح الجو المسيَّر" لدى الحوثيين

يحرص الحوثيون على وضع استهداف منشآت نفطية سعودية في سياق محلي مرتبط بحرب اليمن وأداء السعودية وحِلفها هناك، كأنهم يؤكدون أن حرب السنوات الأربعة لم تنل من قدراتهم العسكرية، بل إنها مضت في تطور مبهر، في حين تكشف عجز الدفاعات السعودية وصواريخها عن الاستباق أو الاعتراض.

وخلال 4 سنوات من حرب اليمن، امتلك الحوثيون منظومات صاروخية عملوا على تطويرها وأصبحت سلاحًا إستراتيجيًا خصوصًا بعد أن وضعوا موانئ ومطارات في دول خليجية تحت التهديد.

رغم ظروف الحرب والحصار استحدث الحوثيون ما يسمونها "وحدة سلاح الجو المسيَّر"، وتختص بشن هجمات بطائرات مسيَّرة

ووفق التحالف السعودي الإماراتي أطلق الحوثيون أكثر من 218 صاروخًا بالستيًا على السعودية، وشهد عام 2015 الاستخدام الأول للصواريخ البالستية، وتحديدًا صواريخ "سكود سي".

في العام نفسه أعلن الحوثيون تطويرهم صاروخ "سام 2"، كما استخدموا صواريخ "إس إس 21" الروسية، وأطلقوا في عام 2016 منظمة "النجم الثاقب".

وابتداءً من أكتوبر/تشرين الأول 2016، كشف الحوثيون صاروخ "بركان 1" البالستي بمدى يصل إلى 800 كيلومتر، واستهدفوا به مطار الملك عبد العزيز في جدة، وقالوا إن بإمكانه أن يصل إلى قاعدة الملك فهد العسكرية.

وهناك صاروخ "بركان 2" القادر على قطع مسافة تتراوح بين 600 و800 كيلومتر، واستهدف به الحوثيون قاعدة عسكرية قرب الرياض، وهاجموا به قاعدة الملك سلمان في ضواحي العاصمة، وثمة نوع آخر من الصواريخ متوسطة المدى يحمل اسم "بركان إم إتش"، وضرب عام 2017 مصفاة نفط في ينبع ومطار الملك خالد الدولي.

معرض سابق للطائرات المسيّرة أقامه الحوثيون في صنعاء

في نفس العام، بدأ الحوثيون استخدام صاروخ "قاهر إم 2"، واستهدفوا بـ4 من هذه الصواريخ قاعدة الملك خالد العسكرية، كما أطلقوا 7 صواريخ دفعة واحدة في مارس/آذار العام الماضي، واستهدفت الرياض ومطار أبها وقاعدة جازان العسكرية وقاعدة الملك خالد الجوية وقاعدة عسكرية للحرس الوطني في نجران.

وفي مايو/أيار 2018، أعلن الحوثيون إطلاق 8 صواريخ بالستية من نوع "بدر 1" على قاعدة الملك فيصل في جازان، كما استهدفوا تجمعات عسكرية في نجران والميناء الجاف بصواريخ "زلزال"، بالإضافة إلى تعرض ناقلة نفط سعودية لهجوم من الحوثيين غرب الحديدة في أبريل/نيسان، واستهداف أخرى في البحر الأحمر في يوليو/تموز.

ورغم ظروف الحرب والحصار استحدث الحوثيون ما يسمونها "وحدة سلاح الجو المسيَّر"، وتختص بشن هجمات بطائرات مسيَّرة، كان منها استهداف مقر وزارة الدفاع السعودية ومصفاة شركة أرامكو في الرياض.

ووفق دائرة التصنيع العسكري للحوثيين، تمثل "قاصف 2" الهجومية جيلاً مطورًا لرصد الأهداف وتحديدها ثم ضربها، لكن الطائرة الأبرز التي كشفها الحوثيون كانت طائرة "صماد 3"، وشنت أولى عملياتها على مطار أبو ظبي.

ويقول الحوثيون إن هجمات الطائرات المسيَّرة تحولت إلى سلاح إستراتيجي، وينتجون كل يوم طائرة، وأحدثها ذات تقنية متطورة تعمد إلى تفجير نفسها في أهداف دقيقة وتحلق خارج إطار الرصد الرداري.