في ظل وضع اجتماعي ملتهب وتقصير إعلامي قد يكون مقصودًا وإرادة حكومية سعت وتسعى وستسعى بكل طاقتها لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء، فاجأ التليفزيون الرسمي التونسي متابعيه بإنتاج مسلسل درامي رمضاني جديد، سلط من خلاله الضوء على ظاهرة مسكوت عنها في تونس منذ سنوات طويلة، وليس بعد الثورة فحسب.

رغم المجهود الكبير الذي بذله الفريق المنتج والمخرج لهذا المسلسل الحدث، فإنه لم يأخذ حقه في تغطية وسائل الإعلام التونسية المعنية بالنقد الدرامي والثقافي والفني للأعمال الرمضانية

مسلسل "المايسترو" الذي أهداه التليفزيون التونسي لمتابعيه خلال شهر رمضان المعظم، وشارك فيه أبرز نجوم التمثيل في تونس، لم يكن فقط إنتاجًا هدفت من خلاله القناة الرسمية التي لا تزال تحاول الخروج عن سلطة الحكومات المتعاقبة، لملئ المساحة الزمنية التنافسية الملتهبة في الإعلام التونسي في شهر رمضان فقط، بل كان عملاً دراميًا هادفًا، نفض به القائمون على العمل، الغبار على واحدة من القضايا الشائكة في بلادنا، ألا وهو موضوع "القصّر" الذين يُعانون في مراكز الإصلاح التابعة لوزارة العدل التونسية، بموجب أحكام قضائية صادرة بحقهم، في جرائم مختلفة.

لكن ورغم المجهود الكبير الذي بذله الفريق المنتج والمخرج لهذا المسلسل الحدث، فإنه لم يأخذ حقه في تغطية وسائل الإعلام التونسية المعنية بالنقد الدرامي والثقافي والفني للأعمال الرمضانية، بعد أن انشغل معظمها بسفاسف الأمور وسقط المتاع من الأعمال الرمضانية الأخرى، عن واحد من أضخم الأعمال التي أنتجتها التلفزة التونسية منذ تأسيسها رغم التحفظات والملاحظات الكبيرة التي من الممكن أن يُناقش فيها صناع العمل، وخاصة السيناريو والحبكة الدرامية التي كان بالإمكان أن تكون أكثر صنعة وقوة إذا توافرت الإرادة لذلك، قبل مرحلة الإنتاج النهائي لهذا العمل الذي تكلف أكثر من مليوني دينار تونسي (نحو 700 ألف دولار). 

بعد بث الحلقات الأولى من المسلسل الذي أخرجه المخرج التونسي الأسعد الوسلاتي، بمشاركة عماد الدين الحكيم في كتابة القصة والسيناريو، وبطولة نجوم كبار في الدراما التونسية على غرار فتحي الهداوي وأحمد الحفيان ودرة زروق وغانم الزرلي، ثارت ثائرة "حماة الإصلاحيات" في تونس، ممن وصلت بهم الجرأة للمطالبة بإيقاف عرض هذا المسلسل الذي شوه سمعتهم بحسب تعبيرهم، واعتذار التلفزة التونسية منهم، متناسين في الوقت نفسه أن الظروف التي أظهرها الديكور المصمم خصيصًا للمسلسل وتسلسل الأحداث كانت مثالية ولم تقدم لنا الحقيقة كاملة، فما يحدث خلف الأسوار المحمية بالأسلاك الشائكة وكاميرات المراقبة وعصي الحراس وأسلحتهم أكثر قتامة وسوداوية مما أظهره الوسلاتي في المايسترو.

كثيرة هي الشهادات التي أدلى بها شباب في مقتبل العمر عما يحدث في الإصلاحيات في تونس، التي تؤكد أن الظروف مأساوية في كثير منها، فالفريق المكلف بتأهيل الأطفال الذين لم يبلغوا بعد سن الـ18، ليس مؤهلاً لذلك، مما تسبب في فقدان هذه المراكز لوظيفتها الأساسية وهي الإصلاح، كما ساهم في عود كثير من هؤلاء الأطفال للسجون أو للإصلاحيات فور خروجهم منها بعد فترة وجيزة، وهو ما لا يمكن لأي أحد من المسؤولين عن قطاع السجون والإصلاح في تونس إنكاره.

على صعيد المعالجة الدرامية، لم يكن سيناريو المسلسل وقصته متعوب عليهما بالحد الكافي، رغم اجتهاد كاتبهما عماد الدين الحكيم في ذلك، خاصة أن الموضوع يتعلق بقضية شائكة تستدعي من كاتبها التروي وحبك قصته ومعالجتها دراميًا أكثر

الناطق الرسمي باسم الإدارة العامة للسجون والإصلاح في تونس سفيان مزغيش، كان آخر هذه الأصوات المعارضة للمسلسل، حيث اعتبر في تصريحات إعلامية أن "المايسترو" مخالف لحقيقة ما يحدث داخل الإصلاحيات الخاصة بالأطفال الجانحين كما أنه لا يعكس واقع مراكز الإصلاح، مجتهدًا في الدفاع عن الإطارات السجنية العاملة بهذه المراكز الإصلاحية ومخطئًا في الوقت ذاته القائمين على العمل.

تصريحات مزغيش لم تأت من فراغ، بل هي تعبير عن وجهة نظر الجهات الرسمية من المسلسل الذي اجتهد في معالجة قضية شائكة لم تجد لها وزارة العدل التونسية حلولاً منذ عقود من الزمن، رغم نبل القضية المطروحة في "المايسترو"، ليس هذا فحسب، بل إن في مثل هذه التصريحات، إنذار بنية فرض وصاية وممارسة رقابة مسبقة على الأعمال الدرامية في المستقبل القريب، خاصة أن المؤشرات تؤكد سعي الماسكين بزمام الأمور في تونس لإدخال الإعلام من جديد لبيت الطاعة.

كان على المسؤول البارز بوزارة العدل التونسية أن يثمن الحلول التي قدمها المسلسل لإخراج الأطفال في مراكز الإصلاح من مستنقع اليأس والإحباط والانهيارات النفسية والعصبية المتلاحقة، باستخدام الفن وغيره من الوسائل في ذلك، بدل أن يحاول تصوير الإصلاحيات في تونس على أنها جنان على وجه الأرض، محفزًا بذلك الأطفال لدخولها وتجريب "نعيمها".

مسلسل "المايسترو" نجح أيما نجاح في عودة التليفزيون الرسمي التونسي لواجهة الأحداث وبعث بصيص أمل بأن تكون القناة الوطنية قناة الشعب لا الحكومة

وفي سياق منفصل عن تصريحات المسؤول التونسي، وعلى الصعيد الفني، يمكن القول إن مخرج "المايسترو" نجح  في تقديم عمل درامي مميز على صعيد الصوت والصورة، رغم المؤاخذات الكثيرة على بعض المقاطع المسقطة للتصوير الجوي لعدد من المناطق بالعاصمة بواسطة "الدرون"، وطريقة عرض الصورة في التلفاز واقتطاع مساحة واسعة من أعلى وأسفل الشاشة، الذي كان اختيارًا غير صائب بالنسبة لمتابعي المسلسل حتى إن برروا اختيارهم بأن ذلك يصح سينمائيًا.

أما على صعيد المعالجة الدرامية، لم يكن سيناريو المسلسل وقصته متعوب عليهما بالحد الكافي، رغم اجتهاد كاتبهما عماد الدين الحكيم في ذلك، خاصة أن الموضوع يتعلق بقضية شائكة تستدعي من كاتبها التروي وحبك قصته ومعالجتها دراميًا أكثر، والجرأة في طرح الموضوع ونفض الغبار عن بعض التجاوزات الفظيعة التي تحدث في حق الطفولة في مراكز الإصلاح، واستغلال الأسماء الكبيرة المشاركة في العمل على غرار فتحي الهداوي ودرة زروق وأحمد الحفيان وغانم الزرلي وغيرهم، ليكون أكثر احترافية.

ورغم هذه الملاحظات وغيرها مما لم يُقل، فإن مسلسل "المايسترو" نجح أيما نجاح في عودة التليفزيون الرسمي التونسي لواجهة الأحداث وبعث بصيص أمل بأن تكون القناة الوطنية قناة الشعب لا الحكومة، لأن تسليط الضوء على مشاغل فئة حساسة من الشعب وبعض الرسائل الإيجابية والسلبية في نفس الوقت لهم، لم يكن بالأمر الهين، على أمل أن نرى أعمالاً فنية أخرى تعالج قضايا حارقة يعيشها التونسيون، تتجاوز بكثير الحديث عن سفاسف الأمور وسقط المتاع، مثلما فعلت قنوات أخرى، نجحت في استقطاب اهتمام ملايين التونسيين في أوقات الذروة.