في ظل الدور القوي الذي تلعبه في العراق، كل من إيران والولايات المتحدة الأمريكية، نرى أن دور دول الاتحاد الأوروبي ذات الثقل السياسي الدولي الكبير، محدود وخجول وتكاد لا تؤثر في مجريات الأحداث في العراق.

ربما يعود السبب في ذلك، لإحجامها عن مشاركة الولايات المتحدة في عملية ما تسمى "حرية العراق" عام 2003، ‏بسبب علمها بأن هذه المغامرة العسكرية لن تعود عليها بمغانم تستحق المشاركة فيها، ولأنها تعتقد وبشكل جازم، أن المشاركة مع الولايات المتحدة مثل عدمها، كون الأخيرة ستستأثر بكل المغانم وحدها، وربما كانت ستلقي لدول الاتحاد الأوروبي بعض الفتات الذي لا يرتقي لمستوى الخسائر البشرية التي كانت ستدفعها في تلك العملية. هذا ما حدث لبريطانيا التي شذت عن الإحجام الأوروبي، لتشارك الولايات المتحدة في غزوها للعراق، والنتيجة أنها لم تكسب من تلك المغامرة شيئًا يذكر.

الاهتمام الأوروبي بدأ يتجدد في العراق مرة أخرى بعد 2014، حينما امتد تنظيم داعش بشكل كبير بالأراضي العراقية، وشكلت الولايات المتحدة تحالفًا دوليًا كبيرًا لمكافحته

لكن الاهتمام الأوروبي بدأ يتجدد في العراق مرة أخرى بعد 2014، حينما امتد تنظيم داعش بشكل كبير بالأراضي العراقية، وشكلت الولايات المتحدة تحالفًا دوليًا كبيرًا لمكافحته، رغم أن مشاركتها العسكرية في العراق كانت رمزية من حيث عدد جنودها وقطعها العسكرية، لكنها كانت إيذانًا بعودتها للعراق، وكانت السبب الكامن وراء سلسلة الزيارات التي قام بها العديد من المسؤولين الأوروبيين إلى العراق، ويُظهر الرسم البياني أدناه، مدى الارتباط القوي بين اهتمام دول الاتحاد الأوروبي وبعض الدول الغربية ‏بالعراق، وعلاقة ذلك بوجود "قوات التحالف الدولي"، فمعظم ‏البلدان الأوروبية تهتم لما يمكن أن يتعرّض له جنودها من مخاطر في ‏تلك البلاد.

من هنا تأتي خطورة الدعوات التي تقودها بعض الأحزاب العراقية والميليشيات العراقية وبدفع من إيران، لإخراج القوات الأجنبية من العراق، لأن ذلك الخروج سيكون ضامنًا لعودة العراق مرة أخرى إلى مرحلة التجاهل الأوروبي له، كما كان عليه الحال منذ 2003 وحتى 2014، بل وربما يعود العراق إلى نفس العزلة الدولية التي كان يعانيها منذ ذلك الحين.

بالمقابل تحاول بعض الجهات السياسية والمليشياوية العراقية المعادية لأمريكا، تجربة شيء آخر جديد، من خلال إبعاد الولايات المتحدة ‏عن ‏الشركاء الأوربيين في "التحالف الدولي لمحاربة داعش"، لإضعاف الدور الأمريكي في العراق من دون فقد الدعم ‏الأوروبي. لكن الحقيقة، أن تولي واشنطن قيادة هذا التحالف الدولي لم يكن على سبيل المصادفة، فأمريكا توفر معظم الدعم ‏اللوجستي والاستخباراتي والجوّي وحتى المالي، ولن تكون قوة التحالف في العراق ممكنة دون الولايات المتحدة، ‏ويعني ذلك أن التحالف الدولي قد ينهار بسرعة ويُجرّد ‏العراق من كامل ‏الدعم وستتدهور علاقات العراق الدولية بسرعة، إذا استمر الجدل بشأن الوجود الأمريكي في العراق.

وتتمحور جهود دول الاتحاد الأوروبي حيال العراق حاليًّا، حول رفع الثقل عن كاهل الاتحاد فيما يخص التركة الثقيلة لعناصر داعش الحاملين للجنسية الأوروبية، فتدور الآن مباحثات جادة بين العراق والعديد من الدول الأوروبية، بخصوص إبقاء ومحاكمة عناصر داعش الأوربيين داخل العراق، من الذين استلمتهم القوات العراقية من قوات "قسد" الكردية السورية، وضمان عدم رجوعهم إلى أوروبا، مقابل أموال يتلقاها الجانب العراقي من تلك الدول، وبذلك تتخلص أوروبا من مشاكل أولئك المتطرفين القانونية والأزمات السياسية التي يمكن أن تتفجر إذا عاد هؤلاء لديارهم. 

لا تتعدى محاولات الاتحاد الأوروبي لتحسين الأوضاع في العراق، الجهد الدبلوماسي المتواضع أو المساعدات الإنسانية الخجولة للتغلب على تداعيات مرحلة ما بعد داعش

وحديثًا، أعلنت وزارة الخارجية العراقية التوصل لاتفاق جديد مع فرنسا، بشأن عدم إعادة العراقيين المرفوضة طلبات لجوئهم بصورة قسرية ودون ‏إرادتهم وتشجيع العودة الطوعية عن طريق زيادة منحة العودة وتوفير فرص العمل، كما اتفق الجانبان على إنشاء شبكة معلومات مشتركة لتبادل المعلومات والخبرات في مجال الهجرة والعودة والاندماج، وبذلك تركز دول الاتحاد الأوروبي في علاقتها مع العراق، على السبل التي تمكنها من التخلص من مشاكلها الداخلية التي تتعلق بعناصر داعش وموضوع الهجرة غير الشرعية.

على صعيد آخر، لا تتعدى محاولات الاتحاد الأوروبي لتحسين الأوضاع في العراق، الجهد الدبلوماسي المتواضع أو المساعدات الإنسانية الخجولة للتغلب على تداعيات مرحلة ما بعد داعش، وسبل تعافيه من تلك الأزمة، لكن مساهمات دول الاتحاد في قضايا العراق الجوهرية التي يعاني منها، والمتعلقة بوقوفه في وسط الصراع الأمريكي الإيراني، أو المشاكل السياسية الداخلية التي تعاني منها العملية السياسية، أو الأزمات الاقتصادية التي فتكت بالاقتصاد العراقي، ناهيك عن المساهمة بعقد المصالحات المجتمعية التي أدت لهذا الانقسام السياسي الذي يشهده العراق، وكان أحد أهم الأسباب لظهور جماعات متطرفة مثل داعش والمليشيات الشيعية، بقيت مساهمة خجولة وغير جادة، وكأنها تؤثر السلامة من التورط في تلك المشاكل المعقدة في الساحة العراقية. 

وحتى جهود بعض الدول الأوربية مثل ألمانيا لإنقاذ العراق من أزمة الطاقة الكهربائية، لاقت تحفظات ورفض أمريكي كبير من إدارتها الترامبية ذات العقلية التجارية التي لا تريد لأحد غيرها الاستئثار بالمغانم العراقية. 

لن يكون للاتحاد الأوروبي دور فاعل في العراق مستقبلًا، أكثر من دوره الحاليّ، وعلى بعض السياسيين العراقيين الذين يحاولون التقرب من دول الاتحاد، كوسيلة لاتخاذ طريق وسط بين النفوذين الإيراني والأمريكي في العراق، أن لا يعولوا كثيرًا على موقف دول الاتحاد الأوروبي

وجدت دول الاتحاد الأوروبي نفسها في الساحة العراقية، راغبةً أو غير راغبة، ذيلًا للسياسية الأمريكية، ففيما يتعلق باشتداد الأزمة بين طهران وواشنطن في الأيام الأخيرة، رفعت الولايات المتحدة الإجراءات الأمنية حول قواعدها بالعراق وحول سفارتها في بغداد، وسحبت العديد من موظفيها في ذلك البلد. لم تمر إلا بضعة أيام على تلك الإجراءات الأمريكية، حتى قامت دول أوروبية مهمة كألمانيا وبريطانيا مجبرة باتخاذ إجراءات مماثلة للإجراء الأمريكي، رغم عدم قناعتها بأسباب النزاع الإيراني الأمريكي.

كما وجدت دول أوروبا نفسها مرغمة على مغازلة الموقف الأمريكي من ذلك النزاع، حينما هددت فرنسا ودول أوروبية أخرى إيران من مغبة الانسحاب من الاتفاقية النووية كما أعلنت الأخيرة ذلك قبل أيام، وأكدت تلك الدول أنها ستدعم عودة العقوبات الاقتصادية على إيران حال خروج إيران من الاتفاق النووي، رغم أن دول الاتحاد الأوروبي، حاولت في الفترة السابقة، مقاومة الضغوط الأمريكية بخصوص الاتفاق النووي مع إيران وأنشأت آلية تجارية خاصة مع إيران لتجاوز العقوبات الاقتصادية الأمريكية، لكنها كانت غير عملية لإيران ومجرد تحدٍ رمزي لواشنطن.‏

وعلى هذا نرى أن الاتحاد الأوروبي لن يكون له دور فاعل في العراق مستقبلًا، أكثر من دوره الحاليّ، وعلى بعض السياسيين العراقيين الذين يحاولون التقرب من دول الاتحاد كوسيلة لاتخاذ طريق وسط بين النفوذين الإيراني والأمريكي في العراق، أن لا يعولوا كثيرًا على موقف دول الاتحاد الأوروبي، فالأسباب الموضوعية تفضي إلى أن الاتحاد الأوروبي سيبقى في الفترة المنظورة، غير قادر على اتخاذ مواقف متناقضة مع الموقف الأمريكي، وسيبقى أسيرًا في سياسته للسياسية الأمريكية.