تتواصل سياسة الشد والجذب بين الجيش والمحتجين في الجزائر، فكل طرف يسعى لفرض رؤيته للمرحلة القادمة لهذا البلد الغني بالنفط والغاز، ما جعل الأمور تزداد تعقيدًا يومًا بعد يوم.

هذا الأمر دفع الجيش لمغازلة الشعب عن طريق حملة الاعتقالات الأخيرة في صفوف سياسيين ورجال أعمال وعسكريين متهمين بالفساد والتأمر على الدولة، إلا أن ذلك لم يفلح في إثناء المحتجين عن المطالبة بتأجيل الانتخابات ومحاسبة كل رموز النظام دون استثناء.

تواصل الحراك الشعبي

لم تثنهم حرارة الشمس ولا صيام رمضان ولا حتى الحواجز التي فرضتها قوات الأمن، على الخروج للشارع للاحتجاج في الجمعة الـ13 للحراك الشعبي المتواصل منذ شهر فبراير/شباط الماضي.

عشرات الآلاف، خرجوا في شوارع العاصمة الجزائر ومدن أخرى غرب البلاد وشرقها، جنوبها وشمالها، في مسيرات مطالبة بالتغيير ورحيل رموز نظام الرئيس المستقيل عبد العزيز بوتفليقة.

المتظاهرون في العاصمة، احتشدوا منذ الصباح في ساحة البريد المركزي، رغم إقدام السلطات الأمنية على غلق الساحة وتسييجها بالمتاريس الحديدية وسيارات الشرطة وعناصر الأمن بحجة الحفاظ على سلامة المحتجين، فبناية البريد مهددة بالسقوط وفق قولهم.

يرى الجيش أن البلاد غير مستعدة لأي مغامرة غير محسوبة العواقب، لها أن تعصف بالدولة ومؤسساتها

رفع المحتجون، صورًا لشهداء ثورة التحرير، مرددين في الآن ذاته شعارات عديدة تطالب برحيل رموز النظام السابق الضالعين في الفساد ومحاسبتهم على ما اقترفوه في حق البلاد والعباد، وبدولة مدنية ترجع العسكر لثكناته، وانتقد المحتجون تباطؤ قيادة جيش بلادهم في الاستجابة للمطالب المركزية للحراك الشعبي، وتمسكها ببن صالح وبدوي، مرددين "قايد صالح يا بابا، هو زعيم العصابة" و"الشعب متربي والدولة خائنة".  

وكان المطلب الأساسي للمتظاهرين أمس، رفض تنظيم الانتخابات الرئاسية في موعدها الحاليّ الذي أعلنته السلطات في وقت سابق، عقب استقالة عبد العزيز بوتفليقة، وهتف المحتجون "لا انتخابات قبل رحيل رموز بوتفليقة".

الجيش يغازل ويصر على موعد الانتخابات

خلال الأيام الماضية، شنت السلطات الجزائرية بإشراف القيادة العسكرية حملة اعتقالات شملت شخصيات عامة وسياسيين ورجال أعمال بارزين، وجنرالات في الجيش أيضًا.

هذه الحملة، ولئن كان الهدف الأبرز منها تصفية رئيس أركان الجيش أحمد قايد صالح لمنافسيه والمناوئين له تمهيدًا للمرحلة القادمة في الجزائر، فإن لها أهداف أخرى لا تقل أهمية وعلى رأسها مغازلة الشعب وكسب وده، حتى يأتمن الجيش ويسلمه أمره وأمر البلاد لحكمها.

هذه المغازلة يسعى الجيش من خلالها لإقناع المحتجين على خوض غمار الانتخابات، ويصر جيش الجزائر على تنظيم الانتخابات الرئاسية في وقتها المحدد لاعتبارات عدة، أهمها الالتزام بالدستور الذي ينص في مادته 102، على أن يدعو رئيس الدولة لانتخابات مبكرة في أجل مدة 90 يومًا.

وكان الرئيس المؤقت عبد القادر بن صالح، قد حدد في وقت سابق، يوم الـ4 من يوليو/تموز المقبل لإجراء انتخابات رئاسية، وذلك بعد أن تنحى بوتفليقة من الرئاسة بعد ضغوط المحتجين.

يرجع إصرار الجيش على إنجاز الانتخابات في موعدها، باعتبارها الحل الأمثل للخروج من الأزمة، بداعي أنه لا يحيد عن الدستور ولتجنب الوقوع في فراغ دستوري سيعرض البلاد إلى مخاطر كبيرة ومصير مجهول.

ويرى الجيش أن البلاد غير مستعدة لأي مغامرة غير محسوبة العواقب، لها أن تعصف بالدولة ومؤسساتها، وتجعلها لقمة سائغة لكل من هب ودب وهم كثر داخل البلاد وخارجها.

يصر الجيش على الموعد الحاليّ للانتخابات

يخشى الجيش تكرار ما حصل في تسعينيات القرن الماضي، نتيجة الفراغ الدستوري الذي عرفته البلاد حينها والانقلاب على نتائج الانتخابات وتدخل الجيش، ما أدى إلى حرب أهلية أودت بعشرات الآلاف.

ويتهم الجيش بعض السياسيين والأحزاب السياسية إلى جره لتجاوز الدستور، والبدء في مرحلة انتقالية على مقاسهم لا تخدم إلا مصالحهم الشخصية، ولا مصلحة للشعب فيها، لذلك فالمؤسسة العسكرية تصر على ضرورة الذهاب إلى انتخابات رئاسية في أقرب وقت لتجاوز المرحلة الانتقالية.

وأكدت افتتاحية مجلة "الجيش" الناطقة باسم المؤسسة العسكرية، أن "الأبواق ذاتها التي طالبت الجيش بالتدخل في الشأن السياسي خلال عشريات سابقة، هي نفسها التي تحاول اليوم عبثًا أن تدفعه لذلك في هذه المرحلة، من خلال طرق شتى أبرزها ممارسة الضغط عبر رسائل مفتوحة ونقاشات وآراء تنشر على صفحات بعض الصحف للذهاب لفترة انتقالية على مقاسهم".

من الأسباب التي تدفع الجيش بقيادة أحمد قايد صالح، للإصرار على إنجاز انتخابات قريبًا، خشيته في حال تجاوز الدستور أن يُهمش دوره السياسي ويخسر الامتيازات التي يتمتع بها ويجبر على الرجوع إلى مكانه الطبيعي وهي الثكنات.

إمكانية التأجيل واردة

أمام إصرار الجزائريين على ضرورة تأجيل موعد الانخابات، يبدو أن الجيش سيضطر للقبول بذلك ويدعو بدوره إلى تحديد موعد لاحق للانتخابات الرئاسية في البلاد.

وتشير بعض المعطيات أن الجيش قد يضطر للدفع نحو تأجيل الانتخابات الرئاسية لمدة غير طويلة حتى لا يتصادم مع الشعب ويتهم بالانقلاب على الحراك الشعبي الرافض لبقاء رموز نظام بوتفليقة على رأسهم رئيس الدولة المؤقت ورئيس الحكومة.

ويواجه رئيس الدولة عبد القادر بن صالح، ورئيس الحكومة نور الدين بدوي، وأعضاء الحكومة، رفضًا شعبيًا واسعًا باعتبارهم من وجوه نظام الرئيس المستقيل عبد العزيز بوتفليقة.

ويتهم رئيس الحكومة الحاليّ نور الدين بدوي الذي كان يشغل منصب وزير الداخلية حتى 11 من مارس/آذار الماضي بالتزوير والتلاعب بنتائج الانتخابات والنيابية والبلدية التي جرت على التوالي في يونيو/حزيران، ونوفمبر/تشرين الثاني 2017.

يعتبر عامل الوقت أحد أبرز معوقات إنجاز الانتخابات الرئاسية في موعدها المحدد

يرى بعض الجزائريين أن الأيام القليلة القادمة ستحمل معها أخبار سارة للحراك، حيث من المتوقع أن يتم إعلان تأجيل الانتخابات، بوصف هذا الأمر حلاً يرضي المحتجين.

وتعود مطالبة الجزائريين بتأجيل موعد الانتخابات إلى حين رحيل رموز النظام السابق، إلى خشيتهم من تزوير الانتخابات ورغبتهم في توفير شروط النزاهة والشفافية لهذا الاستحقاق الانتخابي المهم في تاريخ البلاد.

في حال تأجيل الانتخابات، سيتم اللجوء إلى مرحلة انتقالية تديرها شخصيات سياسية حزبية أو مستقلة، تحظى بشبه إجماع شعبي تشرف على تحضير انتخابات نزيهة لاختيار الرئيس القادم للبلاد.

صعوبات لوجستية

تأجيل الانتخابات إن تم، لن يكون بسبب تعنت الجزائريين وإصرارهم على التأجيل فقط، بل سيكون نتيجة وجود صعوبات لوجستية عديدة تقف عائقًا أمام إنجاز الانتخابات في موعدها المحدد في يوليو/تموز القادم.

ومن المتوقع، وفق رويترز، أن يصدر المجلس الدستوري بيانًا بشأن الانتخابات خلال الأيام المقبلة، مع اقتراب يوم 25 من مايو/أيار، وهو الموعد النهائي المحدد للمرشحين المحتملين في انتخابات الرئاسة لجمع وتقديم ستين ألف توقيع.

وقال مصدر لرويترز، إن الانتخابات قد تؤجل حتى نهاية العام مع تداول أسماء لإدارة المرحلة الانتقالية تشمل الوزير السابق أحمد طالب الإبراهيمي ورئيس الوزراء السابق أحمد بن بيتور.

وكان نادي القضاة الجزائريين، قد أعلن في وقت سابق رفضه الإشراف على تنظيم الانتخابات الرئاسية الجزائرية وأعلن استمرار دعمه للحراك الجماهيري الشعبي، واتخذت عشرات البلديات نفس القرار.

وتضم الجزائر 1541 بلدية يسيطر حزبا "جبهة التحرير الوطني" و"التجمع الوطني الديمقراطي" على غالبيتها، وتؤدي البلديات في الجزائر دورًا مهمًا في الإشراف على القوائم الانتخابية وتنظيم الاقتراع وسير العملية الانتخابية وفرز الأصوات.

يصر الجزائريون على رحيل رموز النظام السابق قبل أي انتخابات

يعتبر عامل الوقت أحد أبرز معوقات إنجاز الانتخابات الرئاسية في موعدها المحدد، فالوقت المتبقي لا يسمح بإجراء انتخابات شفافة، إذ إن موعد تسليم ملفات الترشح إلى المجلس الدستوري تبدأ في 23 من مايو/أيار الحاليّ، دون أن يكون أي من الشخصيات السياسية وقادة الأحزاب قد سحبوا استمارات الترشح وجمع التفويضات.

وضمن الأجندة الموضوعة لهذه الانتخابات، يجب على المجلس الدستوري إعلان قائمة المرشحين المقبولين في الـ3 من يونيو/حزيران المقبل، لتبدأ بعدها الحملة الانتخابية في الـ9 من يونيو/حزيران، وهو أمر لا يبدو ممكنًا في الوقت الحاليّ.

هذه العواقب الوجستية، إلى جانب ضغط المحتجين المصرين على تحقيق مطالبهم كاملة، من شأنها أن تجبر الجيش على تبني خيار تأجيل الانتخابات إلى موعد لاحق، والبدء في مرحلة انتقالية تقودها شخصيات تحظى بإجماع الجزائريين.